بدرٌ في التاريخ.. وبدرٌ المتجددة

الحمد لله ذي العِزّةِ والجبروت، والملكِ والملكوت، نحمده سبحانه ونشكره لا يعزُبُ عنه شيءٌ ولا يفوت، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قيّومٌ لا ينامُ وحيٌّ لا يموت، له أحسنُ الأسماءِ وأعلى الصفاتِ والنُّعوت، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كانت بعثتُه للناسِ رحمةً وللأرواحِ سكينةً وللأعينِ نوراً وللقلوبِ قوت، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ واقتفى أثرهم، ما حام في السماءِ طيرٌ أو عامَ في البحارِ حوت.

أما بعد: فإنّ خيرَ ما تزوّده العبد تقوى مولاه، وأوثقَ ما ملأ منه يده تمسّكَه بهداه، فقد انحازَ إلى قوّة من لاذ به واحتمى بحماه، وفاز أعظمَ فوزٍ من عاذ به مما يخشاه.

يا مَنْ نلوذُ به فيما نؤمّلُه    ومنْ نعوذ به مما نحاذرهُ

لا يجبرُ الناسُ عظماً أنت كاسرهُ    ولا يهيضون عظماً أنت جابرُهُ

فاحفظوا الله يحفظكم، احفظوا الله تجدوه أمامكم، تعرفوا إليه في الرخاء، يعرفكم في الشدة، وإذا سألتم، فاسألوا الله، وإذا استعنتم، فاستعينوا بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلَّهم جميعاً أرادوا أن ينفعوكم بشيء لم يكتبه الله عليكم، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروكم بشيءٍ لم يكتبه الله عليكم، لم يقدروا عليه، واعلموا أن في الصبر على ما تكرهون خيراً كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا([1])، ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥ﵞ ﵝالأَنفَال : ﵕﵔﵜ.

أيها الصائمون المرابطون: تعالَوا معي لنركبْ سفينة الذكريات، ونمخُرَ عبابَ بحارِ التاريخ، فﵟٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١ﵞ ﵝهُود : ﵑﵔﵜ، حتى ترسوَ بنا في مثل يومكم هذا، من شهركم هذا، من العام الثاني لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

انظروا هناك: إننا نرى ثلاثمائةٍ وبضعةَ عشرَ رجلاً، من خيرِ جيلٍ اختارهم الله لنصرة نبيه صلى الله عليه وسلم، إنهم هناك يُعِدّون العُدّة، ويَرُصّون الصفوف، تَرى في قسمات وجوههم النور، ونظرات عيونهم التفاني للذود عن حمى الإسلام.

وبينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والسرورُ بادٍ على وجهه عندما قال له المقداد بن عمرو رضي الله عنه: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّا لا نَقُولُ لكَ كما قالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﵟفَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ٢٤ﵞ ﵝالمَائـِدَة : ﵔﵒﵜ ، ولَكِنِ امْضِ ونَحْنُ معكَ([2])، ثم اسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ القِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ برَبِّهِ، حتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عن مَنْكِبَيْهِ، فأتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فأخَذَ رِدَاءَهُ، فألْقَاهُ علَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ التَزَمَهُ مِن وَرَائِهِ، وَقالَ: يا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ؛ فإنَّه سَيُنْجِزُ لكَ ما وَعَدَكَ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يهتف بربه يقول: اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هذِه العِصَابَةَ مِن أَهْلِ الإسْلَامِ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ([3]).

نعم أيها المؤمنون، إنها بدر الكبرى، التي وقف عند تاريخ البشرية جمعاء على مفترق طريق؛ إما نصرٌ يستمر به الإسلام، ويُنشرُ بسببه نور الوحي في أنحاء المعمورة، وإما هزيمةٌ ينتهي بسببها الإسلام في مهده لتعيشَ بعدها البشرية قاطبة في ظلمات الشرك والجاهلية.

لقد قاتل أولئك الصحابة رضي الله عنهم دون الإسلام ونبيّه صلى الله عليه وسلم، فكان لهم فضلٌ على كلِّ من شهد أن لا إله إلا الله بعد ذلك إلى يوم الدين.

دارت المعركة التي لم تكن متكافئة لا في العدد ولا العدّة، ولكن الإيمان في القلوب يصنع الأعاجيب، ليعلّمَنا الله أن موازين النصر أعظمُ من موازين القوى المادية، ﵟإِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٦٠ﵞ ﵝآل عِمۡرَان : ﵐﵖﵑﵜ.

تفانى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته في القتال، فما غارت الشمس إلا على نصرٍ مجيدٍ خالدٍ للإسلام، وذلٍّ عظيمٍ للكفر وأهله.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقفٌ على قليب بدرٍ بعدما ألقيت فيه أجداث المشركين وهو يقول لهم: (يا أبا جهلِ بنَ هِشامٍ، ويا عُتْبةَ بنَ رَبيعةَ، ويا شَيْبةَ بنَ رَبيعةَ، ويا أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ، هل وجَدْتُم ما وعَدَكم ربُّكم حقًّا؟ فإنِّي قد وجَدْتُ ما وعَدَني ربِّي حقًّا). قالوا: يا رسولَ اللهِ: تُنادي أقوامًا قد جَيَّفوا؟ قال: (ما أنتم بأَسْمَعَ لِما أقولُ منهم، غيْرَ أنَّهم لا يَستَطيعونَ أنْ يُجيبوا)([4]).

وجاءت أم حارثةَ بنُ سراقة رضي الله عنهما إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان ابنها حارثةُ أولَ شهيدٍ في الغزوة فَقَالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ: قدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فإنْ يَكُنْ في الجَنَّةِ أصْبِرْ وأَحْتَسِبْ، وإنْ تَكُ الأُخْرَى تَرَى ما أصْنَعُ، فَقَالَ: (ويْحَكِ، أوَهَبِلْتِ؟ أوَجَنَّةٌ واحِدَةٌ هي؟ إنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وإنَّه في جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ)([5]).

بارك الله لي ولكم

 

الخطبة الثانية

أما بعد: فإن تقوى الله تعالى زينة في الرخاء، وعُدّة عند البلاء، ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠ﵞ ﵝآل عِمۡرَان : ﵐﵐﵒﵜ.

إخوة الدين والعقيدة: مخطيءٌ من ظنّ أنّ أبا جهلٍ شخصيةً تاريخية عابرة، مخطيءٌ من ظنّ أن زُمَر الشرك، وجند الطاغوت هزموا في بدرٍ وانتهى أمرهم.

فلئن تردّى أبو جهلٍ في قليب بدرٍ، فإنّ آباء الجهل لا زالوا يكيدون للإسلام وأهله، ولئن هَزم الله جيش المشركين في بدرٍ، فإن للمشركين جيوشاً أخرى لا زالت تشنّ الغارات على بلاد المسلمين.

ولئن نصر الله دينه بالمهاجرين والأوس والخزرج في بدر،ٍ فإن الله ناصرٌ دينه، وحافظٌ مهد الإسلام الأولى، بأحفادِ أولئك الأبطال، رجالِ القوات المسلحة السعودية.

لئنْ عرَف التاريخُ أوساً وخزرجاً    فلله أوسٌ آخرون وخزرجُ

فيا أبطال القوات المسلحة السعودية، كما ذاد الصحابة عن الإسلام ذودوا، وكما سجلوا لربهم وقفةً قفوا، حماية لبلاد الحرمين، ومهد الرسالة، ومنار الوحي.

لا تُهيِّئ كفني.. ما متُّ بعـدُ!   لم يزلْ في أضلعي برقٌ ورعدُ

أنـا إسلامـي.. أنا عـزَّتـه   أنا خيلُ الله نحو النصر تعـدو

أنـا تاريخـي.. ألا تعـرفهُ؟   خالدٌ ينبضُ في روحي وسعـدُ

أنـا صحرائي التي ما هُزِمتْ   كلّمـا استُشـهدَ بنـدٌ ثار بنـدُ

ما دعانـا الفتحُ إلا شمخـتْ   هذه الصحـراءُ، فالكثبـان أُسْدُ

لا تغـرّنّـك منّـي هدأتـي   لا يمـوتُ الثـأرُ لكن يستعـدُّ

إنَّ ما ضُيّعَ في ساحِ الوغى   في سوى ساحتها لا يُستـردُّ([6])

اللهم احم بلادنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم أيد بالحق إمامنا وولي أمرنا خام الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان لما فيه صلاح العباد والبلاد.

اللهم أيد قواتنا المسلحة بتأييدك، واجعل النصر حليفهم، والتمكين قرينهم، اللهم احقن دماءهم واربط على قلوبهم.



([1]) حديث ابن عباس بلفظ الإفراد لا الجمع أخرجه أحمد (2803) والترمذي (2516).
([2]) من أفراد البخاري على مسلم برقم (4609).
([3]) أخرجه مسلم (1763).
([4]) أخرجه مسلم (2874)، والنسائي (2075)، وأحمد (13773) واللفظ له.
([5]) أخرجه البخاري (3982).
([6]) من قصيدة للدكتور غازي القصيبي رحمه الله.

المرفقات

1772714664_بدرٌ التاريخية... وبدرٌ المتجددة 17 9 1447.docx

1772714686_بدرٌ التاريخية... وبدرٌ المتجددة 17 9 1447.pdf

المشاهدات 434 | التعليقات 0