بذل الصدقات وتحري المستحقين ( التعميم)
أحمد بن علي الغامدي
أما بعد : فَإنّ الزَّكَاةَ قَرِينَةُ الصَّلَاةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ آيَاتِ الكتابِ الحكيم، وَهِيَ قَبْلَ الصِّيَامِ فِي ذِكْرِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ؛ وَقد ذكرَ اللهُ عُقُوبَةَ حَابِسِيهَا في كتابه العزيز فقال ﴿يوم يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.
عباد الله :إنّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الزَّكَاةِ تَنْتَظِمُ فِي أُمُورٍ عِدَّةٍ :حَرِيٌّ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ يَعْلَمَهَا وَيَعْمَلَ بِهَا فِي إِخْرَاجِ زَكَاتِهِ؛ لِتَكُونَ مَقْبُولَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
فَمِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُؤْمِنِ فِي إِخْرَاجِ زَكَاتِهِ: الْإِخْلَاصُ فِي إِخْرَاجِهَا، فَلَا يَكُونُ الْبَاعِثُ عَلَى إِخْرَاجِهَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً وَلَا مُفَاخَرَةً، لأنّ لِلرِّيَاءِ مَدْخَلا كَبِيرا فِي الْإِنْفَاقِ بأنواعه، سَوَاءً كَانَ زَكَاةً وَاجِبَةً أو كَانَ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ او غيرهما؛ وَلِذَا ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ الرِّيَاءِ الَّذِينَ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْإِنْفَاقِ نَظَرُ النَّاسِ وَقَوْلُهُمْ أو التطلعُ إلى مدحِهم وثنائهم. فالإنفاقُ مع أنه :من أجلِّ شعبِ الإيمان ، إلا أنّه مِن أكثرِ ما يَضعُفُ فيه الإخلاص، فقد تُمدُ الموائدُ الطوال، طلبًا للجاه والثناء،[ ولسوف يذْهبُ ثناءُ الناس ، ويبقى ما كان لله وحدَه]
عباد الله :ومما ينبغي عَلَى الْمُؤْمِنِ فِي إِخْرَاجِ زَكَاتِهِ: أَنْ يَتحرى في صْرِفَهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا، فلَا يُخرجها كَيْفَمَا اتَّفَقَ، وذلك بأن يدفعَها إلى المنصات الرسمية الموثوقة أو لمن يعلمُ بأنّه من أهلِها من الأقارب والجيران والمعارف، وَمَا أَكْثَرَ الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ يَتَعَفَّفُونَ عَنِ السُّؤَالِ، وَيَسْتُرُونَ حَاجَتَهُمْ عَنِ النَّاسِ. وَفي المقابل :مَا أَكْثَرَ الَّذِينَ يَتَكَثَّرُونَ بِالسُّؤَالِ وَهُمْ لَيْسُوا مُحْتَاجِينَ، وَيَتَعَرَّضُونَ لِلنَّاسِ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَطُرُقِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ، فَلَا يَحِلُّ دَفْعُ الزَّكَاةِ لَهُؤلاء دُونَ تَحَرٍّ عَنْهُمْ، أوَ غلبة ظنٍ بأنهم من أهلها المستحقين لها.
عباد الله :ومِنْ الأمورِ المهمة في الزكاة: أن يُخرجها المنفِقُ طيِّبةً به نفسُه، فلا يكون كارهاً لإخراجها، فإنّ من صفات المنافقين أنهم كما قال الله عنهم: {ولا يُنفِقُونَ إِلاَّ َوَهُمْ كَارِهُونَ}. وقد قال صلى الله عليه وسلم :"ثلاثٌ من فعلهُنَّ فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان: وذكر منها :من أعطى زكاةَ مالِه طيِّبةً بها نفسُه". رواه أبو داود .
ومِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُؤْمِنِ فِي إِخْرَاجِ زَكَاتِهِ: ألَا يُتْبِعَهَا مَنًّا وَلَا أَذًى فإنّهما من كبائر الذنوب، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الْمَنَّ وَالْأَذَى فِي الصَّدَقَةِ.فِي ثَلَاثِ آيَاتٍ مُتَتَالِيَاتٍ في سورة البقرة فَقَالَ سُبْحَانَهُ تعالى:﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.ومن أمثلة «المنِّ والأذى» :تذكيرُ الفقيرِ بما أعطيتَه سابقا، أو الكلامُ السيءُ أثناءَ إعطاءِ المستحقِ لها، أو الأسلوبُ الغليظُ حين دفعِها إليه ، ومن أمثلة الأذى: الميانةُ الزائدةُ عن المعتاد في التعامل مع الفقير بعد إعطائه الصدقة ، ومن أمثلة «الأذى»: أن يدْفَعَهَا إِلَيْهِ أَمَامَ النَّاسِ فَيَكْسِرُهُ وَيُذِلُّهُ ،ومن أمثلة الأذى: من يخبرُ الناس بأنه أعطى فلاناً باسمه( فإنّ هذا من الأذى) لأن المُعطى ستنزِلُ قيمتُه عند من علِمَ بأخذِه للصدقة، إلا لو أراد المتصدِقُ بإخبارِه لجماعةٍ خاصةٍ من الناس ،أن يقتدوا به ويعطوا هذا المسكين.
عباد الله : أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
أَمَّا بَعْدُ:فاعْلَمُوا أَنَّ رَمَضَانَ لَيْسَ شَهْرَاً للتَّبَاهِي فِي مَوَائِدِ الْإِفْطَارِ وَتَصْوِيرِهَا وَنَشْرِهَا،وَالتَّوَسُّعِ بِأَصْنَافِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْإِسْرَافِ فِيهَا قال الله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ . فاجعلوا–عباد الله- موائدَكم موائدَ بركةٍ ورحمةٍ ، لا تَباهٍ ومفاخرة ولا كسرٍ لقلوبِ الفقراء، ووجّهوا ما زاد عن حاجتكم صدقةً للمحتاجين. واعلموا أيضا :أن رَمَضَانَ لَيْسَ شَهْرَ خُمُولٍ وَكَسَلٍ وَتَقْصِيرٍ في الواجبات بِحُجَّةِ التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ؛ فَرَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، وَمِنْ بَرَكَتِهِ مُضَاعَفَةُ الْجُهْدِ وَالْإِنْتَاجِ وَالتَّحْصِيلِ وَالْإِتْقَان. فَإِنَّ الطَّاعَةَ تُورِثُ قوةً في البدن وبَرَكَةً فِي الوَقْتِ، وَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ صدَقه وأَعَانَهُ ووفقه وهداه .
عباد الله : صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رَواهُ مُسْلِمٌ].
المرفقات
1771532090_استقبال رمضان التعميم الصدقات والإسراف.doc