تحريم الظلم (موافقة للتعميم + مشكولة)
صالح عبد الرحمن
خطبة عن الظلم 08/18 / 1447هـ (موافقة للتعميم + مشكولة)
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الحَمْدُ لِلَّهِ الغَنِيِّ الحَمِيدِ، المُتَكَفِّلِ بِشُؤُونِ الخَلَائِقِ وَتَدْبِيرِ العَبِيدِ، وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَلُطْفًا وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ثُمَّ هَدَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي النُّعُوتِ وَالصِّفَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمَنْ خُتِمَتْ بِنُبُوَّتِهِ الرِّسَالَاتُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الفَضَائِلِ وَالكَرَامَاتِ.
أَمَّا بَعْدُ: فاتقوا الله أيها المؤمنون، فَأَيُّ وَصِيَّةٍ أَعْظَمُ مِنْ وَصِيَّةٍ أَوْصَاهَا اللَّهُ لِأَنْبِيَائِهِ وَعِبَادِهِ؟!، وَأَيُّ شَرَفٍ يَنَالُهُ مَنْ أَخَذَ بِالوَصِيَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾.
أُحَدِّثُكُمْ يَا كِرَامُ عَنْ ذَنْبٍ يُخْرِبُ الدِّيَارَ، وَيَجْلِبُ البَوَارَ، ذَلِكُمُ المَرْتَعُ الوَخِيمُ وَالخُلُقُ اللَّئِيمُ، الَّذِي مَتَى فَشَا فِي أُمَّةٍ وَشَاعَ أَهْلَكَهَا وَمَتَى حَلَّ فِي قَرْيَةٍ دَمَّرَهَا، ذَلِكُمُ الخُلُقُ الَّذِي مَا اتَّصَفَ بِهِ إِلَّا دَنِيءُ النَّفْسِ.
أُحَدِّثُكُمْ عَنِ الظُّلْمِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الظُّلْمُ، الَّذِي تَوَعَّدَ اللَّهُ أَهْلَهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، بَلْ وَاسْتَبْعَدَ فَلَاحَهُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، وَنَفَى مَحَبَّتَهُ لَهُمْ فَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، وَلَعَنَهُمْ فَقَالَ ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، وَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾، وَحَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَجَعَلَهُ مُحَرَّمًا عَلَى عِبَادِهِ.، وأعظم الظلم الإشراك بالله، وهو الظلم الذي لا يغفره الله لصاحبه أبداً (إن الشرك لظلم عظيم)
بِالظُّلْمِ قُصِمَتْ قُرًى حِينَ ظَلَمَتْ، فَبَدَّلَ اللَّهُ نَعِيمَهَا جَحِيمًا وَعِزَّهَا ذُلًّا ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾.
الظُّلْمُ، تَنْأَى عَنْهُ حَتَّى البَهَائِمُ، فِي حِينِ أَنَّ فِئَامًا مِنْ بَنِي آدَمَ لَا يُبَالُونَ فِي الوُقُوعِ فِيهِ.
وَلِعَظِيمِ جُرْمِهِ، وَأَكِيدِ ضَرَرِهِ؛ وَرَدَ ذَمُّهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْنِ مِنَ الآيَاتِ، أَمَّا المُصْطَفَى الكَرِيمُ فَحَذَّرَ مِنْهُ فِي نُصُوصٍ كَثِيرَاتٍ، فَمَنْ مِنَّا يَغِيبُ عَنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ"، أَوْ يَغْفُلُ عَنْ قَوْلِهِ: "اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ"، وَمَنْ مِنَّا يَعْزُبُ عَنْ خَاطِرِهِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا".
يَا مُبَارَكُونَ: وَيَشَاءُ اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ أَنْ تَتَفَاوَتَ مَرَاتِبُ النَّاسِ فِي دُنْيَاهُمْ، لِيَبْتَلِيَ الرَّفِيعَ بِمَنْ دُونَهُ، وَيَبْتَلِيَ المَرْءَ بِمَنْ تَحْتَ يَدِهِ، هَلْ يَعْدِلُ فِيهِمْ أَمْ يَظْلِمُ.
وَلَئِنْ كَانَتِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا هِيَ مَيْدَانُ العَمَلِ وَلَا جَزَاءَ، فَالجَزَاءُ فِي الآخِرَةِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ يُعَجِّلُ عُقُوبَةَ بَعْضِ الذُّنُوبِ، وَأَكْثَرُ مَا يَتَجَلَّى هَذَا فِي الظُّلْمِ، وَفِي الحَدِيثِ "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُهُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِثْلُ البَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ".
كَمْ رَأَى النَّاسُ ظَالِمًا يَتَجَبَّرُ، وَمَظْلُومًا يَئِنُّ وَيَشْكُو، وَلَا تَدُومُ الأُمُورُ، بَلْ يُغَيِّرُ اللَّهُ الحَالَ، وَشَوَاهِدُ التَّارِيخِ في ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، فَاطْمَئِنَّ أَيُّهَا المَظْلُومُ، وَاحْذَرْ أَيُّهَا الظَّالِمُ، وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا.
فَمَا مِنْ يَدٍ إِلَّا يَدُ اللَّهِ فَوْقَهَا * وَلَا ظَالِمٍ إِلَّا سَيُبْلَى بِأَظْلَمِ
فَإِلَى كُلِّ ظَالِمٍ ماطل في تسديد ديون الآخرين، أَوْ مُدِيرٍ اسْتَغَلَّ مَنْصِبَهُ فَعَطَّلَ مَصَالِحَ النَّاسِ أَوْ آذَى عِبَادَ اللَّهِ، وَظَلَمَ مَنْ تَحْتَ يَدِهِ، مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ مُوَظَّفٍ أَوْ عَامِلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ضَعْ نُصْبَ عَيْنَيْكَ هَذِهِ الكَلِمَةَ: أَنَّ وَرَاءَكَ يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا، تَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الحَكَمِ العَدْلِ، وَيُقَالُ فِيهِ لِلْمَظْلُومِ اقْتَصَّ مِنْ ظَالِمِكَ، وَالقِصَاصُ هُنَاكَ أَشَقُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، يَكُونُ بِأَخْذِ الحَسَنَاتِ الَّتِي عَمِلْتَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْكَ حَسَنَاتٌ أُخِذَت سَيِّئَاتُ مَنْ ظَلَمْتَهُ وَطُرِحَتْ عَلَيْكَ، فَمَا أَسْوَأَهَا مِنْ عَاقِبَةٍ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ؛ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ".
يَا مَنْ ظَلَمَ غَيْرَهُ! كَيْفَ تَنَامُ قَرِيرَ العَيْنِ وَوَرَاءَكَ مَنْ ظَلَمْتَهُ يَدْعُو عَلَيْكَ، وَيَتَحَرَّى أَوْقَاتَ الإِجَابَةِ لِيَرْفَعَ شَكْوَاهُ إِلَى الَّذِي لَا يَرُدُّ دَعْوَةَ مَظْلُومٍ، بَلْ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ"؛ فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ سِهَامِ اللَّيْلِ، فَكَمْ بَدَّلَتْ مِنْ نَعِيمٍ، وَجَلَبَتْ مِنْ ذُلٍّ، وَأَعْقَبَتْ مِنْ جَحِيمٍ، وَاعْتَبِرْ بِنِهَايَاتِ الظَّالِمِينَ.
لَا تَظْلِمَنَّ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِرًا * فَالظُّلْمُ مَرْتَعُهُ يُفْضِي إِلَى النَّدَمِ
تَنَامُ عَيْنَاكَ وَالمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ * يَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمِ
كَمْ مِنْ مَظْلُومٍ بَاتَ ظَالِمُهُ غَافِلًا نَائِمًا، وَبَاتَ هُوَ لَيْلَهُ قَائِمًا يَدْعُو عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ، فَكَيْفَ يَرْجُو سَعَادَةً وَتَوْفِيقًا وَفَلَاحًا مَنْ ظَلَمَ غَيْرَهُ.
وَمَعَ كُلِّ هَذَا: فَإِلَى كُلِّ مَنْ ظَلَمَ غَيْرَهُ: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاسِعَةٌ، وَبَابَ الرَّجَاءِ قَدْ فَتَحَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ حِينَ قَالَ ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فَمَا أَجْمَلَ أَنْ نُرْضِيَ مَنْ أَغْضَبْنَا، وَنَتَحَلَّلُ مِمَّنْ ظَلَمْنَاهُ، قَبْلَ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ بِالحَسَنَاتِ، يَوْمَ يَرَى المَرْءُ أَعْمَالَهُ الصَّالِحَةَ تُهْدَى لِمَنْ ظَلَمَهُ، وَمَنْ شَتَمَهُ وَمَنْ أَكَلَ مَالَهُ، فَهُنَاكَ الإِفْلَاسُ حَقًّا، وَهُنَاكَ تَتَجَلَّى عُقُوبَةُ الظَّالِمِ صِدْقًا.
اللهم اهدنا لهداك وجعل عملنا في رضاك.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ........
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الحَمْدُ لِلَّهِ العَزِيزِ الجَبَّارِ، المُنْتَقِمِ مِنَ الظَّلَمَةِ وَالفُجَّارِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ المُخْتَارِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِلَى كُلِّ مَظْلُومٍ أَضْنَاهُ الظُّلْمُ، وَأَقَضَّ مَضْجَعَهُ الضَّيْمُ، إِلَى كُلِّ مَظْلُومٍ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَرْفَعُ ظُلَامَتَهُ وَيَكْشِفُ بَلَاءَهُ، إِلَى كُلِّ مَظْلُومٍ أُغْلِقَتْ أَمَامَهُ أَبْوابُ الخَلْقِ، وَعَجَزَ عَنْ أَخْذِ حَقِّهِ وَرَفْعِ كَرْبِهِ، أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلطَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ.
لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَخْفَى عَلَيْهِ ظُلْمُ الظَّالِمِينَ فَهُوَ يَسْمَعُ وَيَرَى وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ.
وَلَنْ يُقَدِّرَ عَلَيْكَ رَبُّكَ إِلَّا مَا فِيهِ خَيْرُكَ، فَاطْمَئِنَّ لِتَدْبِيرِهِ.
وَاعلم أَيُّهَا المَظْلُومُ أَنَّكَ سَتَقِفُ أَنْتَ وَالظَّالِمُ بين يدي الله عز وجل فَإِنْ عَفَوْتَ، فَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ، وَهُوَ أَعْظَمُ لِأَجْرِكَ وَأَرْفَعُ لِقَدْرِكَ عِنْدَ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَعْفُ فَاللَّهُ مُغِيثُ كُلِّ مَظْلُومٍ.
لَقَدْ عَاشَ فِي الأَرْضِ أَقْوَامٌ مِنْهُمُ الظَّالِمُ وَمِنْهُمُ المَظْلُومُ، وَمَضَى الظَّالِمُ وَالمَظْلُومُ، كِلَاهُمَا قَدْ عَاشَ فَقُلْ لِي بِرَبِّكَ أَيُّهُمَا أَرْبَحُ تِجَارَةً؟!
إِنَّ المَظْلُومَ وَإِنْ تَكَدَّرَ يَوْمُهُ، وَذَاقَ الأَمَرَّيْنِ، وَإِنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُوقِنُ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ، وَأَنَّ مِنْ وَرَائِهِ آخِرَةً يَسْعَدُ فِيهَا وَيَنَالُ أَجْرَهُ، وَبِغَمْسَةٍ فِي الجَنَّةِ سَيَنْسَى كُلَّ مَرَارَةٍ ذَاقَهَا.
فَمَا الدُّنْيَا بِأَكْدَارِهَا وَبِأَفْرَاحِهَا، وَبِأَحْزَانِهَا وَسُرُورِهَا إِلَّا كَلَمْحِ بَصَرٍ، سُرْعَانَ مَا تَزُولُ.
فَيَا أَيُّهَا المُبَارَكُ: إِنْ رَأَيْتَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَإِنَّ حَقَّهُمَا عَلَيْكَ النَّصْرُ، أَمَّا المَظْلُومُ فَتَسْعَى لِرَدِّ ظلَامَتِهِ، وَأَمَّا الظَّالِمُ فَتَحْجُزُهُ عَنِ الظُّلْمِ، فَذَاكَ نَصْرُهُ، وَلَيْسَ بِكَرِيمٍ مَنْ تَخَلَّى عَنْ نُصْرَةِ إِخْوَانِهِ، وَفِي الحَدِيثِ "مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ؛ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ؛ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ".
وَإِذَا كَانَ رَبُّنَا يُعَاقِبُ مَنْ بَاشَرَ الظَّلْمَ، وَمَنْ أَعَانَهُ، حَيْثُ قَالَ ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، وَفِي الحَدِيثِ "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ، فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ".
وَخُلَاصَةُ ذَلِكَ أَيُّهَا المُبَارَكُونَ: أَنَّ بِالعَدْلِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَبِالظُّلْمِ وَالجَوْرِ تُخْرَبُ الدِّيَارُ وَتَحُلُّ المَصَائِبُ وَيَتَفَكَّكُ المُجْتَمَعُ، فَكُنْ عَدْلًا فِي تَعَامُلَاتِكَ، وَتَفَقَّدْ نَفْسَكَ مَعَ نَفْسِكَ، وَمَعَ أَهْلِكَ وَأَبْنَائِكَ وَمَنْ هُمْ تَحْتَ يَدِكَ، وَتَحَلَّلْ مِمَّنْ ظَلَمْتَ وَرُدَّ مَظْلَمَةَ مَنْ قَدِرْتَ، وَانْجُ اليَوْمَ بِنَفْسِكَ.
وَسَتَمْضِي الأَيَّامُ وَسَتُدَوَّنُ الأَعْمَالُ، وَسَيَلْقَى الظَّالِمُ وَالمَظْلُومُ جَزَاءَهُمْ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.
اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ.
اللَّهُمَّ ارْفَعِ الظُّلْمَ عَنِ المَظْلُومِينَ، وَاكْفِنَا شَرَّ الظَّالِمِينَ.