تَعْظِيمُ الأَشْهُرِ الحُرُمِ وَتَرْكُ الِابْتِدَاعِ فِي شَهْرِ رَجَبٍ

الشيخ عبدالعزيز الراجحي
1447/07/11 - 2025/12/31 15:46PM

 

الخُطْبَةُ الأُولَى

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ كِتَابِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَمَرَنَا بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، الْمُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ شَرْعَهُ وَدِينَهُ، صَلَّى اللَّهُ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ وَاقْتَفَى أَثَرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّنَا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ وَهُوَ (شَهْرُ رَجَبٍ)، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الأَشْهُرُ حُرُمًا، قِيلَ: لِعِظَمِ حُرْمَتِهَا وَحُرْمَةِ الذَّنْبِ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَخَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يَدُورَانِ فِي الْفَلَكِ، وَخَلَقَ مَا فِي السَّمَاءِ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يَسْبَحَانِ فِي الْفَلَكِ، وَيَنْشَأُ فِيهِمَا ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ، فَمِنْ حِينَئِذٍ جَعَلَ السَّنَةَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا بِحَسَبِ الْهِلالِ، فَالسَّنَةُ فِي الشَّرْعِ مُقَدَّرَةٌ بِسَيْرِ الْقَمَرِ وَطُلُوعِهِ، لَا بِسَيْرِ الشَّمْسِ وَانْتِقَالِهَا كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الأَشْهُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حُرُمًا، وَقَدْ فَسَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ»، مُرَادُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِذَلِكَ إِبْطَالُ مَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ مِنَ النَّسِيءِ، الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: كَانُوا يُبَدِّلُونَ بَعْضَ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ بِغَيْرِهَا مِنَ الأَشْهُرِ، فَيُحَرِّمُونَهَا بَدَلَهَا، وَيُحِلُّونَ مَا أَرَادُوا تَحْلِيلَهُ مِنَ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَزِيدُونَ فِي عَدَدِ الأَشْهُرِ الْهِلَالِيَّةِ شَيْئًا. وَقِيلَ: كَانُوا يُحِلُّونَ الْمُحَرَّمَ فَيَسْتَحِلُّونَ الْقِتَالَ فِيهِ لِطُولِ مُدَّةِ التَّحْرِيمِ عَلَيْهِمْ بِتَوَالِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مُحَرَّمَةٍ، ثُمَّ يُحَرِّمُونَ صَفَرَ مَكَانَهُ، فَكَأَنَّهُمْ يَقْتَرِضُونَهُ ثُمَّ يُوَفُّونَهُ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَانُوا يَزِيدُونَ فِي عِدَّةِ شُهُورِ السَّنَةِ.

وَظَاهِرُ الْآيَةِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾، فَذَكَرَ هَذَا تَوْطِئَةً لِهَدْمِ النَّسِيءِ وَإِبْطَالِهِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ لِمَ سُمِّيَتْ هَذِهِ الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ حُرُمًا؟

فَقِيلَ: لِعِظَمِ حُرْمَتِهَا وَحُرْمَةِ الذَّنْبِ فِيهَا، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: اخْتَصَّ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ جَعَلَهُنَّ حُرُمًا، وَعَظَّمَ حُرُمَاتِهِنَّ، وَجَعَلَ الذَّنْبَ فِيهِنَّ أَعْظَمَ، وَجَعَلَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالْأَجْرَ أَعْظَمَ.

وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾، قِيلَ: إِنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَقِيلَ: إِلَى جَمِيعِ أَشْهُرِ السَّنَةِ، فَيَكُونُ فِي الْآيَةِ نَهْيٌ وَتَحْذِيرٌ مِنْ ظُلْمِ النَّفْسِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ بِالْمَعَاصِي أَوْ بِالشِّرْكِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ، وَظُلْمُ النَّفْسِ بِالْمَعَاصِي وَالشِّرْكِ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَمْنُوعٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، لَكِنَّ الظُّلْمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَغْلَظُ وَأَعْظَمُ، وَلِهَذَا خَصَّهَا تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.

وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ حُرُمًا لِتَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِيهَا، وَكَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَ هَذِهِ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ وَيَمْتَنِعُونَ مِنَ الْقِتَالِ فِيهَا، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾.

قِيلَ: الْمُرَادُ بِشَعَائِرِ اللَّهِ: (مَحَارِمُهُ)، أَيْ: لَا تُحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ الَّتِي حَرَّمَهَا تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾، يَعْنِي بِذَلِكَ تَحْرِيمَهُ وَالِاعْتِرَافَ بِتَعْظِيمِهِ، وَتَرْكَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْ تَعَاطِيهِ فِيهِ مِنَ الِابْتِدَاءِ بِالْقِتَالِ، وَتَأْكِيدِ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ السَّابِقُ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِهِ إِلَى آخِرِ وَقْتٍ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يَعْنِي لَا تَسْتَحِلُّوا الْقِتَالَ فِيهِ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾، وَسُورَةُ الْمَائِدَةِ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ.

وَالْمُرَادُ بِتَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِيهِ تَحْرِيمُ ابْتِدَائِهِ فِيهِ، فَإِنْ قَاتَلَنَا أَهْلُ الشِّرْكِ فِيهِ قَاتَلْنَاهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾.

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وَالْمُرَادُ أَشْهُرُ التَّسْهِيلِ الْأَرْبَعَةُ، قَالُوا: فَلَمْ يَسْتَثْنِ شَهْرًا حَرَامًا مِنْ غَيْرِهِ، وَبِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ وَيَفْتَحُونَ الْبُلْدَانَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَغَيْرِهَا.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَيَتَعَلَّقُ بِشَهْرِ رَجَبٍ أَحْكَامٌ، وَشَهْرُ رَجَبٍ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ، وَيَتَعَلَّقُ بِشَهْرِ رَجَبٍ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا:

مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِمْرَارِهِ فِي الْإِسْلَامِ كَالْقِتَالِ، وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْقِتَالُ فِي شَهْرِ رَجَبٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ.

وَمِنْهَا الذَّبَائِحُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَذْبَحُونَ ذَبِيحَةً فِي شَهْرِ رَجَبٍ يُسَمُّونَهَا (الْعَتِيرَةَ)، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِهَا فِي الْإِسْلَامِ:

مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ اسْتَحَبَّهَا، مِنْهُمْ (ابْنُ سِيرِينَ)، وَحَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَرَجَّحَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَالْأَكْثَرُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ أَبْطَلَهَا، وَهُوَ الصَّوَابُ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ»، وَالْفَرَعُ: ذَبْحُ أَوَّلِ نِتَاجِ النَّاقَةِ، وَالْعَتِيرَةُ: الذَّبِيحَةُ فِي رَجَبٍ.

وَمِنْ أَحْكَامِ رَجَبٍ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَمْ يَصِحَّ فِي شَهْرِ رَجَبٍ صَلَاةٌ مَخْصُوصَةٌ تَخْتَصُّ بِهِ، وَالْأَحَادِيثُ الْمَرْوِيَّةُ فِي فَضْلِ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ كَذِبٌ وَبَاطِلٌ لَا تَصِحُّ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ بِدْعَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ أَعْيَانِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحُفَّاظِ: أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ السَّمْعَانِيُّ، وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ نَاصِرٍ، وَأَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرُهُمْ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُتَقَدِّمُونَ لِأَنَّهَا أُحْدِثَتْ بَعْدَهُمْ، وَأَوَّلُ مَا ظَهَرَتْ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْهَا الْمُتَقَدِّمُونَ، وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا فِيهَا، لِأَنَّهَا أُحْدِثَتْ بَعْدَهُمْ). انْتَهَى كَلَامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.

وَمِنْ أَحْكَامِ رَجَبٍ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي فَضْلِ صَوْمِ رَجَبٍ بِخُصُوصِهِ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ.

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَتَعَبَّدُوا لِلَّهِ بِمَا شَرَعَهُ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ، وَلَا تَتَعَبَّدُوا لِلَّهِ بِالْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهَا تُبْعِدُكُمْ مِنَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يُقَرِّبُكُمْ مِنَ اللَّهِ طَاعَتُهُ بِاتِّبَاعِهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ ﷺ، وَهُوَ دَلِيلُ مَحَبَّةِ اللَّهِ.

أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۝ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَتَابَ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَوَفَّقَنِي وَإِيَّاكُمْ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ.

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَتُوبُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، يَتُبْ عَلَيْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ.


 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ سُبْحَانَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِيَ إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَأَعْوَانِهِ وَإِخْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كِتَابَهُ، وَشَرَعَ لَنَا نَبِيَّنَا ﷺ فِي سُنَّتِهِ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، فَاللَّهُ ﷻ أَنْزَلَ عَلَيْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ الْعَظِيمِ مَا شَرَعَهُ وَمَا أَحَبَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَوَامِرِ وَتَرْكِ النَّوَاهِي، وَسُنَّةُ نَبِيِّنَا ﷺ كَذَلِكَ تُوَافِقُ الْقُرْآنَ، وَتُؤَيِّدُهُ، وَتُفَصِّلُ الْمُجْمَلَ، وَتُخَصِّصُ الْعَامَّ، وَتَأْتِي بِأَحْكَامٍ جَدِيدَةٍ، فَالَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَرْضَاهُ هُوَ مَا شَرَعَهُ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ، وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.

فَالَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ هُوَ أَنْ يَمْتَثِلُوا أَوَامِرَهُ، وَيَجْتَنِبُوا نَوَاهِيَهُ، وَيُعَظِّمُوا كِتَابَهُ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ، وَيَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ إِلَى مَا شَرَعَهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ.

وَأَمَّا الْبِدَعُ وَالْمُحْدَثَاتُ فِي الدِّينِ فَإِنَّهَا تُبْعِدُ النَّاسَ مِنَ اللَّهِ وَلَا تُقَرِّبُهُمْ مِنْهُ، وَالشَّيْطَانُ يُحِبُّ مِنَ النَّاسِ الْبِدَعَ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِبِدْعَتِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى صَوَابٍ، وَلِذَلِكَ يُجَادِلُ فِي بِدْعَتِهِ وَلَا يَتَزَعْزَعُ عَنْهَا فِي الْغَالِبِ لِأَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى صَوَابٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ الشَّيْطَانُ يُحِبُّ مِنَ النَّاسِ الْبِدَعَ، وَهِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْمَعَاصِي؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْمَعَاصِي وَأَصْحَابَ الْكَبَائِرِ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ، وَأَنَّهُمْ مُذْنِبُونَ، وَأَنَّهُمْ عُصَاةٌ لِلَّهِ، فَحَرِيٌّ بِهِمْ أَنْ يَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ، وَأَنْ يَثُوبُوا إِلَى رُشْدِهِمْ، بِخِلَافِ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ؛ فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَلَى صَوَابٍ وَأَنَّهُ عَلَى حَقٍّ، فَلَا يُفَكِّرُ فِي التَّوْبَةِ، فَلِذَلِكَ كَانَتِ الْبِدْعَةُ أَحَبَّ إِلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ.

وَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَبْتَدِعُ فِي شَهْرِ رَجَبٍ بِدَعًا، كَصَلَوَاتٍ خَاصَّةٍ: كَصَلَاةِ الرَّغَائِبِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَكَذَلِكَ صَلَاةٌ فِي وَسَطِ شَهْرِ رَجَبٍ تُسَمَّى: صَلَاةَ أُمِّ دَاوُدَ، كَمَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ سَرْدُ شَهْرِ رَجَبٍ مَعَ شَهْرِ شَعْبَانَ، سَرْدُ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ بِالصِّيَامِ: رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، كُلُّ هَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا بَعْضُ النَّاسِ يَحْتَفِلُ فِي شَهْرِ رَجَبٍ احْتِفَالَاتٍ خَاصَّةً، وَيَزْعُمُ أَنَّ فِيهَا لَيَالِيَ خَاصَّةً، وَأَنَّ الصِّيَامَ فِيهَا لَهُ فَضْلٌ خَاصٌّ، وَأَنَّ قِيَامَ بَعْضِ اللَّيَالِي لَهُ فَضْلٌ خَاصٌّ، كُلُّ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ فِي الدِّينِ، فَعَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نَتَأَسَّى بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَنْ نَعْتَبِرَ بِأَوَامِرِ اللَّهِ، وَأَنْ نَنْتَهِيَ عَنْ نَوَاهِيهِ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.

اقْرَؤُوا كِتَابَ رَبِّكُمْ، وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، اقْرَؤُوهُمَا، اتْلُوهُمَا، تَعَلَّمُوا مَعَانِيَهُمَا، تَفَقَّهُوا فِي أَحْكَامِهِمَا، تَحَاكَمُوا إِلَيْهِمَا، حَكِّمُوهُمَا فِي كُلِّ شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِكُمْ، حَتَّى تَكُونُوا أَعِزَّاءَ فِي الدُّنْيَا، سُعَدَاءَ فِي الْآخِرَةِ.

وَإِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. وَالْزَمُوا جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، فِي مُعْتَقَدَاتِهِمْ وَفِي عِبَادَاتِهِمْ وَفِي بِلَادِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ؛ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا شَذَّ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

أَلَا وَصَلُّوا عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا».

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

‏═════ ❁✿❁ ═════
موقع الشيخ عبدالعزيز الراجحي الرسمي

https://url-shortener.me/5VWZ

قناة الشيخ عبدالعزيز الراجحي بالتليجرام https://t.me/shrajhi

 

المرفقات

1767185170_تعظيم الأشهر الحرم وترك الابتداع في شهر رجب.docx

1767185171_تعظيم الأشهر الحرم وترك الابتداع في شهر رجب.pdf

المشاهدات 200 | التعليقات 0