توبة في رمضان
فهد السعيد
الحمد لله الذي شرّفنا على الأُمم بالقرآن المجيد، ودعانا بتوفيقه إلى الأَمر الرشيد، وقوّم به نفوسنا بين الوعد والوعيد، وحفظه من تغيير الجهول وتحريف العنيد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
أحمده على التوفيق للتحميد، وأشكره على التحقيق في التوحيد، وأشهد أن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، شهادة يبقى ذخرها على التأبيد، وأن محمّدا عبده ورسوله أرسله إلى القريب والبعيد، بشيرا للخلائق ونذيرا، وسراجا في الأكوان منيرا، ووهب له من فضله خيرا كثيرا، وجعله مقدّما على الكلّ كبيرا، ولم يجعل له من أرباب جنسه نظيرا، ونهى أن يدعى باسمه تعظيما له وتوقيرا، وأنزل عليه كلاما قرّر صدق قوله بالتحدي بمثله تقريرا، فقال{قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} فصلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأزواجه وأشياعه، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فنحمد الله على ما أولانا وأعطانا، أطمعنا وسقانا وكفانا وآونا وعلى الصيام والقيام أعاننا وقوانا وكلَّ بلاء حسن أبلانا.
أيها المسلمون: تتنوع الهمم وتتفاوت العزائم ويظهر الفرق الشاسع بين أهل الدنيا وأهل الآخرة، مضَى من الشهر ثلثُه أَو كاد ففريق شمروا وبذلوا وجدوا فوجدوا، جدوا في العمل الصالح والتزود من الخير فوجدوا حلاوة الطاعة وطعم الإيمان ولذة المناجاة، وأولئك لهم نصيب من الأجر وهم حريون بالمغفرة.
صاموا مع الناس وصانوا أنفسهم عن الآثام، فكفوا ألسنتهم عن سيء الكلام وحفظوا أعينهم عن الحرام، ورطبوا ألسنتهم بذكر الملك العلام، عمروا ليلهم بالقيام، ونهارهم بالقرآن، يحدوهم الأمل ويتملكهم الشوق إلى رضا ربهم ودخول جنته فهم في شهر تفتح فيه أبواب الجنان وتُغلق أبواب النيران.
إنها قصة شابٍ قد أَسرف على نفسه بالمعاصي والسيئات، له تاريخ ليس بالقصير مع التفريط في الفرائض ومقارفة المحرمات، وحين دخل رمضان وجد في نفسه رغبة في قراءة القرآن وفي أحد ايام رمضان صلى العصر ثم أخذ مكاناً في المسجد قصياً، أمسك صاحبنا مصحفه وشرع في القراءة فاستوقفته آية في كتاب الله وكأنها لأول مرة تقرع سمعه: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات) رددها كثيرا واستوقفته ملياً وراح يستعرض شريط حياته وفيه من مقارفة السيئات والتفريط في الواجبات شيئاً كثيراً، فقال في نفسه: وما الذي يمنعني من التوبة والله يقبل التوبة! ثم سأل نفسه مرة أخرى: كيف يغفر الله لي وقد فعلت وفعلت! فتذكر قوله تعالى:{* قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم}
فأعلن التوبة لِله وعزم على الإقلاع عما هو فيه من الحرام وعزم على الاستمرار على نهج الطاعة.
إن هذه الحادثة وغيرها كثير مما لا نعلمه رسالة إلى كل مقصر –وكلنا ذاك- رسالة إلى كل مسرف على نفسه بالمعاصي أن باب التوبة مفتوح وباب التجاوز مشرع ورحمة الله قريب من المحسنين
(ولله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن، من رجل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده ) (أخرجه البخاري)
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبا فسأله فقال له: هل من توبة؟ قال: لا، فقتله، فجعل يسأل، فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت، فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجد إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له) (أخرجه البخاري)
أيها المسرف على نفسه أن بين يدي رب رحيم كريم، يحب التوبة ويحب التائبين، ينادي كل ليلة:
هل من مسيء طالب للمغفرة يجد كريماً قابلاً للمعذرة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي»
«إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييئس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار» (أخرجه البخاري)
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه طارحة ولدها في النار» قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها»(أخرجه البخاري)
الحمد لله أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيا أيها المفرط يا من قارفت ما قارفت من الذنوب والخطايا مهما بلغت دونك رب رحيم يقبل التوبة ويقيل العثرة ويغفر الزلة ويستر الذنب، قال رسول الهدى صلى الله عليه وسلم:" إن الله يُدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته.
أوَ ما أتاكم يا مسلمون:
" قال رجل لم يعمل خيرا قط: فإذا مات فحرقوه واذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت؟ قال: من خشيتك وأنت أعلم، فغفر له "
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدا فأقمه علي، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدا، فأقم في كتاب الله، قال: «أليس قد صليت معنا» قال: نعم، قال: " فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو قال: حدك " (أخرجه البخاري)
ثم اعلموا رحمكم الله أن الأعمال الصالحة تمحوا السيئات فاتبعوا السيئة الحسنة تمحها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن عبدا أصاب ذنبا - وربما قال أذنب ذنبا - فقال: رب أذنبت - وربما قال: أصبت - فاغفر لي، فقال ربه: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا، أو أذنب ذنبا، فقال: رب أذنبت - أو أصبت - آخر، فاغفره؟ فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا، وربما قال: أصاب ذنبا، قال: قال: رب أصبت - أو قال أذنبت - آخر، فاغفره لي، فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي ثلاثا، فليعمل ما شاء " (أخرجه البخاري)
اللهم نقنا من الذنوب والخطايا كم ينقى الثوب الأبيض من الدنس
اللهم إنا نبرأ إليك من حولنا وقوتنا ونعترف إليك بضعفنا وتقصيرنا فاغفرنا وارحمنا رحمة واسعة تغنينا بها عمن سواك
اللهم جعل شهر رمضان شهر خير لنا ومغفرة وعتق من النار
المرفقات
1772815411_توبة في رمضان.docx
1772815411_توبة في رمضان.pdf