تَوْجِيهَاتٌ فِي الأَحْدَاثِ، وَالاجْتِهَادُ فِي الْعَشْر 17 رَمَضَانَ 1447هـ
محمد بن مبارك الشرافى
الْحَمْدُ للهِ مُجِيبِ الدَّعَوَات وَمُجْزِلِ الْعَطَايَا وَالْهِبَات، يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّينَ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيُنَزِّلُ الرَّحَمَات، أَحْمَدُهُ تَعَالَى وَأَشْكُرُه وَأُثْنِي عَلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُه، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لُهُ، يُعْطِي وَيَمْنَعُ وَيَخْفِضُ وَيَرْفَعُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَاسْتَمِرُّوا فِي الْاجْتِهَادِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَدْ أَزِفَتْ أَيَّامُهُ عَلَى الْانْقِضَاءِ, وَقَارَبَتْ لَيَالِيهُ عَلَى الانْتِهَاءِ، فَهَا نَحْنُ نَقْتَرِبُ مِنَ الْعَشْرِ الْأَخِيرَةِ مِنْ رَمَضَانَ التِي كَانَ النَّبِيُّ يَجْتَهِدُ فِيهَا اجْتِهَادًا عَظِيمًا لَمْ يَفْعَلْهُ فِي غَيْرِهَا مِنَ اللَّيَالِي.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مَا تَمُرُّ بِهِ بِلادُنَا وَبِلَادُ إِخْوَانِنَا فِي الْخَلِيجِ مِنْ أَزْمَةٍ حَادِثَةٍ، وَحَرْبٍ عَلَى دَوْلَةِ الْفُرْسِ مِنْ جُنُودِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَكْفِيَنَا شَرَّهُمْ جَمِيعًا، وَأَنْ يَجْعَلَ كَيْدَهُمْ فِي نُحُورِهِم وَأَن يَجْعَلَ بِأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَنْ يُجَنِّبَ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ الشَّرَّ، فَهُمْ جَمِيعًا لا يُرِيدُونَ لَنَا خَيْرًا وَلا يَفْعَلُونَ شَيْئًا لِمَصْلَحَتِنَا.
وَيَجِبُ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ بِتَقْدِيرِ اللهِ وَبِحِكمَتِهِ، فَلا رَادَّ لُحُكْمِهِ وَلا مُعَقِّبَ لِقَضَائِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، ثُمَّ يَجِبُ أَنْ نَعِيَ وَنَفْهَمَ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْنَا بِهِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَرَغَدِ الْعَيشِ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: هَذِهِ تَوْجِيهَاتٌ نَافِعَةٌ صَدَرَتْ مِنْ وُلاةِ أَمْرِنَا حَفِظَهُمُ اللهُ وَسَدَّدَهُمْ، وَكَتَبَ النَّفْعَ عَلَى أَيدِيهِمْ، وَإِذَا مَشَيْنَا عَلَيْهَا نَنْجُو بِإِذنِ اللهِ وَحَولِهِ وَقُوَّتِهِ، كَمَا حَصَلَ فِي أَزَمَاتٍ سَابِقَةٍ قَدْ تَكُونُ أَشَدَّ مِنْ هَذِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ سَلِمَتْ بِلادُنَا بِفَضْلِ اللهِ أَوَّلًا ثُمَّ بِالتَّصَرُّفِ الْحَكِيمِ الْمُتَعَقِّلِ مِنْ وُلاةِ أَمْرِنَا.
(فَأَوَّلًا) عَلَيْنَا أَنْ نَحْذَرَ مِنَ التَّسَرُّعِ فِي بَثِّ الْأَخْبَارِ وَتَنَاقُلِهَا، فَرُبَّما نَكُونُ سَبَبًا فِي نَشْرِ الشَّائِعَاتِ وَتَدَاوُلِهَا، وَهَكَذَا جَاءَتِ التَّوْجِيهَاتُ النَّبَوِيَّةُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ, فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(ثَانِيًا) فَلْنَدَعِ الْخَوْضَ فِي الْأَحْدَاثِ وَالْأَزَمَاتِ فِي الْمَجَالِسِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ، وَلْنَتْرُكْ ذَلِكَ لِأَهْلِ الاخْتِصَاصِ وَمَنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَنا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِنَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْخَوْضِ إِلَّا انْشِغَالُنَا عَنْ عِبَادَتِنَا وَصِيَامِنَا وَصَلاتِنَا وَتِلَاواتِنَا لَكَفَى بِهِ مَفْسَدَةً، فَهَذَا الذِي يَعْنِينَا، وَأَمَّا خَوْضُنَا فِي الْأَحْدَاثِ فَلا يَعْنِينَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ النَّوَوِيُّ.
(ثَالِثًَا) عَلَيْنَا أَنْ نَتَوجَّهَ إِلَى رَبِّنَا بِالضَّرَاعَةِ، وَنُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَحْفَظُ بِلادَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ، وَأَنْ يُدِيمَ عَلَى الْمَمْلَكَةِ عِزَّهَا وَقُوَّتَهَا وَمَنَعَتَهَا، وَأَنْ يَحْفَظَهَا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمينَ وَأَنْ يُدِيمَ عَلَى الْجَمِيعِ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ، وَأَنْ يَحْفَظَ جُنُودَنا الذِينَ يَذُودُونَ عَنْ بِلَادِنَا جَوًّا وَبَرًّا وَبَحْرًا، وَأَنْ يُسَدِّدَ رَأْيَهُمْ وَرَمْيَهُمْ.
(رَابِعًا) الْحَذَرَ مِنْ تَصوِيرِ مَا يَكُونُ مِنْ أَحْدَاثٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ صَدِيقَةً أَوْ مُعَادِيَةً، كَالصَّوَاريِخِ وَالطَّائِرَاتِ، أَوِ الآثَارِ النَّاتِجَةِ عَنْهَا، وَهَذَا فِيهِ مَفَاسِدُ، مِنْ إِشَاعَةِ الرُّعْبِ بَيْنَ النَّاسِ، وَبَثِّ البَلْبلَةِ بَيْنَ مُجْتَمَعِنَا الآمِنِ، وَكَشْفٍ أَسْرَارٍ لِلْعَدُوِّ، وَتَحْقِيقِ مَا يُرِيدُ الْعَدُوُّ، مِنْ إِيقَاعِ الْجُبْنِ وَإِثَارَةِ الْفَزَعِ، ثُمَّ فِيهِ مُخَالَفَةٌ صَرِيحَةٌ لِوَليِّ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ الذِي مَنَعَ تَصْوِيرَ أَيِّ حَدَثٍ، أَوْ آثَارِهِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفُرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّنَا عَلَى مَشَارِفِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخُصُّهَا بِمَزِيدِ عِنَايَةٍ وَاجْتِهَادٍ وَيُمَيِّزُهَا بِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلْهَا فِي غَيْرِهَا.
فَمِنْ ذَلِكَ: الاعتكافُ وإِحْيَاءُ اللَّيْلِ كَامِلًا، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. وقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ – أَيْ: الْعَشْرُ الْأَخِيرُ مِنْ رَمَضَانَ - شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهما، فَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُحْيِي اللَّيْلَ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, تَحَرِّيًا لِليْلَةِ القَدْرِ, الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهَرٍ, مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الخَيْرَ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ العَشْرَ هَذَا العَامَ تَدْخُلُ بِغُرُوبِ شَمْسِ يَومِ الاثْنَينِ القَادِمِ، فَمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ لِاعْتَكَافِ العَشْرِ فَلْيَدْخُلِ المسْجِدَ قَبْلَ غُروبِ الشَّمْسِ، وَلَا يَخْرُجْ حَتَّى يُرَى هِلَالُ شَوَّالٍ، أَوْ يَتِمَّ رَمَضَانُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَلْيَشْتَغِلْ بِالطَّاعَاتِ مِنَ القِيَامِ وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ.
وَمِمَّا يُؤْسَفُ لَهُ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ الْيَوْمَ, وَخَاصَّةً النِّسَاءُ وَالشَّبَابُ يَسْهَرُونَ طُولَ اللَّيْلِ وَلا يُفَكِّرُ أَحَدُهُمْ فِي اغْتِنَامِ وَقْتِ النُّزُولِ الِإلَهِيِّ آخِرَ اللَّيْلِ بِرَكْعَةٍ أَوْ دَمْعَةٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ، يَنْزِلُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ) رَوَاهُ مُسْلِم.
فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنِ اسْتَمَعَ الْقَوْلَ فَاتَّبَعَ أَحْسَنَهُ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِلْمًَا نَافِعًا وَعَمَلًا صَالِحًا اَللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا وَخَيْرَ أَعْمَارِنَا آخِرَهَا وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ لِقَاكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا التِي فِيهَا مَعَاشُنَا وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا التِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، اللَّهُمَّ وفِّقْ إَمَامَنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا فِيهِ عِزُّ الإِسْلَامِ وَصَلَاحُ الْمُسْلِمِينَ, اللَّهُمَّ اجْزِهِمْ خَيْرًا عَلَى دِفَاعِهِمْ، وَبَذْلِهمْ لِرَعَيَّتِهِمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ, اللَّهُمَّ سَدِّدْهُمْ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ، اللَّهُمَّ احْفَظْ جُنُودَنَا فِي كُلِّ الْقِطَاعَاتِ، وَسَدِّدْ رَمْيَهُمْ وَرَأْيَهُمْ، وْاخْلُفْهُمْ فِي أَهْلِيهِمْ بِخَيْرٍ، اللَّهُمَّ احْفَظْ أَجْوَاءَنَا وَأَرْجَاءَنَا، وَأَرْضَنَا وَسَمَاءَنَا، وَخَلِيجَنَا وَشَامَنَا، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ, وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينْ .
المرفقات
1772600932_تَوْجِيهَاتٌ فِي الأَحْدَاثِ، وَالاجْتِهَادُ فِي الْعَشْر 17 رَمَضَانَ 1447هـ.pdf
شبيب القحطاني
عضو نشطجزاك الله خيرا
تعديل التعليق