جبال السماء

سامي بن محمد العمر
1447/10/07 - 2026/03/26 22:03PM

جبال السماء

8/10/1447

 

وفي السماء جبالٌ مِن بَرَد؛

وفي السماء جبالٌ مِن بَرَد: أنزل الله تعالى منها - في بعض مناطق مملكتنا الغالية والمناطق المجاورة لها – شيئاً من عجائب خلقه، وبديع صنعه، وآثار قدرته، وأجرى قبلها رياحاً تسوق السحاب وتجمعه، ثم أذن لها أن تخرج الودْق من خلالها، وترمي بحبات البرد مع تفاوت أحجامها، وعجيب تكوينها وإتقانها:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور:43- 44].

لقد أخبركم سبحانه وتعالى الحكمةَ من كل هذا؛ فهل أبصرت قلوبكم تلك الأسرار؟ وهل وَعَتْ أفئدتكم تلك المعاني والحكم؟

أعيدها عليكم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.

·   لما كان المرء يغفُلُ عن التأمل والتفكر في الأمر المعتاد عليه، كان من تربية الله لعباده ورحمته بهم؛ أن يريهم من آثار قدرته وجبروته في هذه الدنيا مِن تغيير ما اعتادوه، وتبديل ما ألِفوه ما ينبههم من غفلتهم، ويوقظهم من رقدتهم.

وأصحاب البصيرة الحية يعلمون أن من الظواهر الكونية والسنن الإلهية ما يُجريه الله على العباد إفزاعًا وتخويفًا كما قال سبحانه:

{وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59]

قال قتادة رحمه الله: إن الله يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يعتبرون، ويذكرون، ويرجعون([1]).

وتلك الآيات التي جعلها الله تخويفا لعباده:

 إما سماويةٌ: ككسوف الشمس، وخسوف القمر، والرعد، والبرق، والصواعق، وما يجري مجرى ذلك.

أو أرضيةٌ: كالزلازل، والخسف، والمحول، وغور ماء العيون وزيادتها ونحو ذلك.

أو لا سماويةٌ ولا أرضيةٌ: كالرياح العواصف وما يحدث عنها من (الغبار) وقلع الأشجار وتدمير الديار([2]).

إلا أن هناك أقوامًا غلبت عليهم المادة، وفرحوا بما عندهم من العلم؛ فذهبوا إلى أن هذه الآياتِ أمورٌ معلومة وأحوالٌ طبيعية؛ لا تستوجب حكمةً، ولا تستلزم اعتباراً، وإنما تحدث بأسبابٍ ومسببات، ونتائجَ ومقدمات.

وهذه النظرة المادية للكون تختلف تمامًا عن النظرة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم؛ والتي فيها - مع الإيمان بتلك الأسباب - تعليقُ القلوب بخالقها، واستجلابُ حكمته فيها، والاعتبارُ بها فيما يصلح الحال ويسعد في المآل. 

عن عائشة رضي الله عنها قال: "كان صلى الله عليه وسلم إذا رأى غيما أو ريحا عرف في وجهه، قلت: يا رسول الله، إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟ فقال: ((يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ عُذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: {هذا عارض ممطرنا}))([3]).

إن سرَّ تلك النظرة النبوية: أن كل ما في العالم علويِّه وسفليِّه دليلٌ على تفرد الله تعالى وقدرته وتمام قهره واستغنائه، وذلك كلُّه يوجب عند العلماء بالله خوفَه وخشيتَه؛ كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، فأصحاب المراقبة له ولأفعاله -سبحانه وتعالى- الذين عقدوا أبصارَ قلوبهم بوحدانيته، وعظيم قدرته على خرق العادة، واقتطاع المسببات عن أسبابها، إذا وقع عندهم شيء غريب، حدث عندهم الخوف؛ لقوة اعتقادهم في قدرة الله تعالى على ما يشاء ([4]).

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم....

 

الخطبة الثانية

أما بعد:

لقد نزل الناس جميعاً في بساتين رمضان فشبعوا وارتووا ثم انقسموا:

-   فمنهم من تزود منها همة وعزيمة وطاعة وعبادة، وما زال معه زاده ومتاعه ونشاطه.

-   ومنهم من تزود منها قليلا فهم على مشارف الانقطاع يوماً ما.

-   ومنهم من نقض عهده مع الله؛ حتى إذا أطلقت الشياطين من أصفادها وفكت من قيودها، هجمت عليهم هجمة التثبيط والتكسيل والتواني، حتى أردتهم قتلى أمام شهواتهم وملذاتهم.

أيها المؤمنون:

إن الله تعالى يأمركم أن تموتوا على التقوى والإسلام والاستقامة والالتزام؛ فهل أنتم فاعلون؟

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]

هل سألت نفسك يوماً: كيف أضمن أن أموت مسلماً؟

والجواب في أمرين:

1- أن تثبت على الطاعة حتى تلقى الله عز وجل، فلا تفرط في لحظة طاعة، ولا تستهن بلحظة معصية ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

2- أن تتخذ هواك ونفسك الأمارة بالسوء عدواً؛ فإنها مع الطاعات كالفرس الجموح والجمل الهائج، تجدها دوماً من الطاعات نافرة وفي اللذات والشهوات راغبة، فلا بد لها من لجام وخطام، وسياسة وترويض، وكف وعسف، وقطع ومنع، وإلا أوردتك الفضائح والمخازي، وألقت بك في المهالك والمهاوي.

‌اللهم إنا نسألك الثبات ‌في ‌الأمرِ، والعزيمة على الرُّشد،

ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، ونسألك شكر نعمتِك، وحسن عبادتك، ونسألك قلوباً سليمة، وألسنة صادقة، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذُ بك من شرِّ ما تعلم، ونستغفرُك لما تعلمُ؛ إنك أنت علامُ الغيوب([5]).



([1]) تفسير ابن كثير ت سلامة (5/ 91)
([2]) البحر المحيط في التفسير (7/ 73)
([3]) البخاري (4829) ومسلم (899).
([4]) العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (2/ 724)
([5]) انظر الصحيحة للألباني (3228).

المرفقات

1774551789_جبال السماء.docx

1774551799_جبال السماء.pdf

المشاهدات 486 | التعليقات 0