حديث مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي ‌هَؤُلَاءِ ‌ 2 وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ

حديث مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي ‌هَؤُلَاءِ ‌الكَلِمَاتِ 2 وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ

أما بعد أيها الإخوة: يقول الله تعالى آمرًا بتقواه: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [البقرة:281] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ يَأْخُذُ ‌عَنِّي ‌هَؤُلَاءِ ‌الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ»؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ: «اتَّقِ المَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ». رواه الإمام أحمد في المسند، والترمذي في صحيحه وقال: هذا حديث غريب. وحسنه الألباني -رَحِمَهُ اللهُ-.

أيها الإخوة: هذه وصايا نبوية عظيمة من نبينا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- اشتملت على توجيهات نبوية سلوكية واجتماعية رائعة تُصلحُ الفردَ والمجتمع.. جميل أن نجعلها لنا منهج حياة.. فمن وفق للأخذ بها أدركَ خيرًا كثيرًا وسلمَ من شرٍ مستطيرٍ..

وحديثي اليوم عن وصيته -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- الثانية وهي: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ»..

أيها الإخوة: "الرْضَا خلاف السّخط. وهو: طيب نفسيّ للإنسان بما يصيبه أو يفوته مع عدم التَّغَيُّرِ.. وفي هذه العبارة من الحديث يقول-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ» أي بما أعْطاكَ اللهُ من رِزْقٍ، ولا تَأْسَفْ على ما فاتَكَ، من الدُّنيا، فالكَوْنُ يَسيرُ بِحِكْمَةِ اللهِ سُبحانَه.. "ورضا العبد عن الله: بألا يكره ما يجري به قضاؤه.. ورضا الله عن العبد: أن يراه مؤتمرًا بأمره ومنتهيًا عن نهيه".. ذكره والرّاغب. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّضَا مُسْتَحَبُّ، مُؤَكَّدٌ اسْتِحْبَابُهُ.. وليس بواجب كالصبر؛ لأنَّ كثيراً من الناس قد لا يُطيق الرضا أو لا يصل إلى درجته؛ لصعوبته عليهم. والرضا هو أعلى منازل التوكل على الله -سُبْحَانَهُ- ولم يوجبه الله تعالى على خلقه؛ رحمةً بهم، وتخفيفاً عنهم، وأخبر أنَّ ثوابه رضاه عنهم.. قال ابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ-: "وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ أَهْلَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ وَنَدَبَهُمْ إِلَيْهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَقْدُورٌ لَهُمْ".. وقال-رَحِمَهُ اللهُ-: "وَطَرِيقُ الرِّضَا طَرِيقٌ مُخْتَصَرَةٌ، قَرِيبَةٌ جِدًّا، مُوصِلَةٌ إِلَى أَجَلِّ غَايَةٍ.. وَلَكِنَّ فِيهَا مَشَقَّةً، وَعَقَبَتُهَا هِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَنَفْسٌ زَكِيَّةٌ، وَتَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى كُلِّ مَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنَ اللَّهِ.. انتهى مختصرًا.

والفرقُ بين الرضا والصبرِ: أنَّ الصبرَ هو حَبْسُ النفسِ عن التَّسخُّط، وأمَّا الرضا فهو انشراحُ الصدر بالقضاء.. والإنسان عند حلول المصيبة له أربعُ حالات: إما أن يتسخط، أو يصبر، أو يرضا، أو يشكر..  وهو أعلى مقامات الإيمان، وكان من دعاء النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ». رواه النسائي وغيره عَنْ عَمَّارَ بْنِ يَاسِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وصححه الألباني. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ-: سَأَلَهُ ‌الرِّضَا ‌بَعْدَ ‌الْقَضَاءِ. لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَبَيَّنَ حَقِيقَةَ الرِّضَا، وَأَمَّا الرِّضَا قَبْلَهُ: فَإِنَّمَا هُوَ عَزْمٌ عَلَى أَنَّهُ يَرْضَى إِذَا أَصَابَهُ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الرِّضَا بَعْدَهُ.. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الرِّضَا، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَرْضَى وَإِلَّا فَاصْبِرْ".. وقال ميمون بن مهران رحمه الله: "مَنْ لم يرضَ بالقضاء؛ فليس لِحُمقِه دواء".. وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ الحِـيـْرِيِّ: "مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَا أَقَامَنِي اللَّهُ فِي حَالٍ فَكَرِهْتُهُ، وَمَا نَقَلَنِي إِلَى غَيْرِهِ فَسَخِطْتُهُ".

أيها الإخوة: قوله "تكُنْ من أَغْنى الناسِ". هذه نتيجة الرضا وهي أن يَمْلَأَ اللهُ قَلْبَ الراضي، ويَدَيْه غِنًى؛ لأنَّ مَنْ رَضِيَ بما قُسِمَ له، ولم يَطمَعْ فيما في أيْدي الناسِ اسْتَغْنى عنهم، والغِنَى غِنَى النَّفْسِ" ولقد أكد رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- هذا المعنى بِقَوْلِهِ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ». أخرجه البُخاري وأحمد والترمذي عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-

وللرضا فوائد جمة وثمار يانعة في الدنيا، وتمتد مع من رضي إلى الآخرة، وهذه الثمار لا يدركها إلا من رضي.. منها: أنَّ الراضي بما قسم اللهُ له يورثه غنى نفسيًا لا يتوقعه العبد قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ؛ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ». رواه أحمد والترمذي. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وحسنه الألباني. والرضا يكفي الإنسان من همومٍ كثيرة، ومشكلات نفسية مستعصية، ويُخَفِّفُ المآسي، ويطردُ القلقَ والضجرَ عند فوات المُرادٍ أو حصول المكروه؛ فينعمُ الإنسانُ بلذةِ الرضا عند وقوع المصائب؛ فيتبدل همه وحزنه راحةً وطمأنينة.. والرضا يُسَلِّمُ العبد من الاعتراض على أحكام الله الشرعية وأقداره الكونية، المنافية للتوحيد الخالص لأن الاعتراض على قدر الله تعالى، طعن بحكمته، وهو من التسخط، ومن كبائر الذنوب، وقد يؤدي به إلى الكفر المخرج من الملة، وهو طريقٌ موصلٌ إلى الردة، والله تعالى له الحكمةُ البالغة فيما يفعل ويقدِّر، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ». رواه الترمذي وابن ماجة عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وحسنه الألباني. والرضا يورث حُسنَ ظنِّ العبد بربِّه؛ لعِلْمِه أنَّ الله تعالى لا يقضي قضاءً إلاَّ وفيه تمام العدل والرحمة والحكمة. جعلنا الله من الراضين بما قسم وأراد، وأصلح قلوبنا وحفظ الله لنا عقولنا وأبصارنا وأسماعنا وزادنا علمًا وتقى وصلاحًا وصلى الله وسلم..

الخطبة الثانية:

أما بعد أيها الإخوة اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن الرضا يغرس في القلب عبوديات قلبية لا تتم إلا به كالاستعانةِ بالله تعالى، والتوكلِ عليه، والاستغاثةِ به، وخشيتِهِ تعالى، والإنابةِ إليه سبحانه وغيرها.. والقلب الراضي بقدر الله يكون سليمًا ونقيًّا من الغش والحقد، والحسد والشحناء؛ لعلمه، بحِكمةِ الله تعالى البالغة في إعطاء مَنْ يشاء، ومنعِ مَنْ يشاء، وإعزازِ مَنْ يشاء، وإذلال مَنْ يشاء.. والرضا يُورِث العبد الاتزان في السراء والضراء، فلا تُبطره نعمة، ولا تُيَئِّسُه مصيبة.. ويستشعر أن المِحَنَ مِنَحًا، والمصائبَ سببًا للأجور لعلمه بأن ذلك كله من الله.

معاشر الإخوة: والرضا يُثمر القناعةَ وعدم اللهث المسعور وراء طلب المال ليقينه بأنَّ رزقه مكتوب، وأنه لن يموت حتى يستوفيَ رِزقَه، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ ‌حَتَّى ‌تَسْتَوْفِيَ ‌رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ» رواه ابن ماجة عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- وصححه الألباني. وهذا يقطعُ الطمع مما في أيدي الناس. وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ ‌كَمَا ‌يَطْلُبُهُ ‌أَجَلُهُ». رواه ابن حبان في "صحيحه"، والبزار، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وقال الألباني صحيح لغيره. والرَاضِي بما قسمَ الله لا ييأسُ عند إصابته بمكروه، ولا تراه إلاَّ متفائلًا في جميع أحواله، منتظرًا الفرج من ربه..

وبعد أحبتي: لقد ضرب لنا رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- النموذج والمثل الأعلى في الرضا بما قسم الله تعالى والزهد في الدنيا. فعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: قَالَ: اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- عَلَى حَصِيرٍ، فَأَثَّرَ في جَنْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ، جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَا أَنَا وَالدُّنْيَا.؟ إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ‌ثُمَّ ‌رَاحَ ‌وَتَرَكَهَا». أخرجه أحمد وابن ماجة والتِّرمِذي وصححه الألباني.

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا..

 

المشاهدات 77 | التعليقات 0