حِينَ تَتَكَلَّمُ العَظَمَةُ: آيَةُ الكُرْس
فهد فالح الشاكر
1447/06/27 - 2025/12/18 17:10PM
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ .
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُنِيرُ القُلُوبَ، وَتُثَبِّتُ الإِيمَانَ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، المَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ القُلُوبَ تَمْرَضُ كَمَا تَمْرَضُ الأَبْدَانُ، وَإِنَّ دَوَاءَهَا كَلَامُ الرَّحْمَنِ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِهِ شِفَاءً وَحِرْزًا وَأَمَانًا
وَأَعْظَمَ مَا يُقَوِّي الإِيمَانَ فِي القُلُوبِ: مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وَتَعْظِيمُ اللَّهِ، وَالوُقُوفُ بَيْنَ يَدَي كَلَامِ اللَّهِ وَقْفَةَ تَدَبُّرٍ وَخُشُوعٍ
عِبَادَ اللَّهِ،
إِنَّ فِي القُرْآنِ آيَاتٍ عَظِيمَةً، تَهْتَزُّ لَهَا القُلُوبُ، وَتَخْضَعُ لَهَا النُّفُوسُ،
لَكِنَّ أَعْظَمَ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ، كَمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، هِيَ
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
إِنَّهَا آيَةُ الكُرْسِيِّ ...
آيَةٌ لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ تُتْلَى فَحَسْبُ، بَلْ عَقِيدَةٌ تُغْرَسُ، وَتَوْحِيدٌ يُرَسَّخُ، وَإِيمَانٌ يُبْعَثُ مِنْ جَدِيدٍ
عِبَادَ اللَّهِ،
تَأَمَّلُوا كَيْفَ افْتُتِحَتْ هَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾
نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ،
نَفْيٌ لِكُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ،
وَإِثْبَاتٌ لِلْأُلُوهِيَّةِ الكَامِلَةِ لَهُ وَحْدَهُ
ثُمَّ قَالَ
﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
حَيٌّ حَيَاةً كَامِلَةً لَا مَوْتَ بَعْدَهَا،
قَيُّومٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، قَائِمٌ عَلَى غَيْرِهِ،
تَقُومُ بِهِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَتَقُومُ بِهِ القُلُوبُ وَالأَرْوَاحُ
عِبَادَ اللَّهِ،
كَمْ مِنْ قَلْبٍ تَعَلَّقَ بِمَخْلُوقٍ فَانْكَسَرَ،
وَكَمْ مِنْ نَفْسٍ اسْتَنَدَتْ إِلَى بَشَرٍ فَخُذِلَتْ،
وَلَوْ عَرَفَ العَبْدُ مَعْنَى الحَيِّ القَيُّومِ، لَمَا ذَلَّ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَا سَأَلَ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا خَافَ إِلَّا اللَّهَ
ثُمَّ يَقُولُ سُبْحَانَهُ :
﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾
يَنَامُ الخَلْقُ كُلُّهُمْ،
وَتَغْفُلُ العُيُونُ،
وَتَضْعُفُ الحَوَاسُّ،
إِلَّا رَبَّ العَالَمِينَ ....
لَا يَنَامُ عَنْ عِبَادِهِ،
وَلَا يَغْفُلُ عَنْ دُعَائِهِمْ،
وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ شُؤُونِهِمْ
يَا مَنْ أَثْقَلَتْكَ الهُمُومُ ....
يَا مَنْ طَالَ لَيْلُكَ بِالقَلَقِ ...
اعْلَمْ أَنَّ رَبَّكَ لَا يَنَامُ .
ثُمَّ قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ:
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾
أَنْتَ مِلْكُهُ،
وَرِزْقُكَ مِنْ عِنْدِهِ،
وَأَمْرُكَ بِيَدِهِ،
فَلِمَ الخَوْفُ؟ وَلِمَ الجَزَعُ؟ وَلِمَ القَلَقُ؟
ثُمَّ يَقُولُ
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
لَا وَاسِطَةَ، وَلَا شَفَاعَةَ، وَلَا نَجَاةَ،
إِلَّا بِإِذْنِهِ وَرِضَاهُ
ثُمَّ قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ
:﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾
يَعْلَمُ مَاضِيَكَ،
وَيَعْلَمُ حَاضِرَكَ،
وَيَعْلَمُ مُسْتَقْبَلَكَ،
وَيَعْلَمُ مَا أَخْفَيْتَ فِي صَدْرِكَ وَلَمْ تَنْطِقْ بِهِ شَفَتَاكَ
ثُمَّ قَالَ
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾
فَمَهْمَا بَلَغَ الإِنْسَانُ عِلْمًا،
يَبْقَى عَبْدًا ضَعِيفًا،
يَعْلَمُ قَلِيلًا، وَيَجْهَلُ كَثِيرًا
ثُمَّ تُخْتَمُ الآيَةُ بِعَظَمَةٍ تَهْتَزُّ لَهَا القُلُوبُ
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾
يَحْفَظُ الكَوْنَ كُلَّهُ،
وَلَا يُثْقِلُهُ حِفْظُهُ،
وَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
ثُمَّ الخَاتِمَةُ
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
عُلُوٌّ فِي ذَاتِهِ،
وَعُلُوٌّ فِي قَدْرِهِ،
وَعُلُوٌّ فِي قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ.
عِبَادَ اللَّهِ،
هَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ لِلْحِفْظِ فَقَطْ،
بَلْ لِلْعَيْشِ مَعَهَا،
لِلطُّمَأْنِينَةِ،
لِلْأَمَانِ،
لِلثَّبَاتِ فِي زَمَنِ الفِتَنِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
عِبَادَ اللَّهِ،
لَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِآيَةِ الكُرْسِيِّ فَضْلًا عَظِيمًا، وَأَثَرًا جَلِيلًا فِي حِفْظِ العَبْدِ وَثَبَاتِهِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي قِصَّةٍ عَجِيبَةٍ، صَحِيحَةٍ، رَوَاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ :
وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِرَاسَةِ طَعَامِ الصَّدَقَةِ، فَأَتَانِي آتٍ، يَجْعَلُ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
فَقَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَبِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ
فَرَحِمَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ
فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ
«يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟»
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ
فَقَالَ ﷺ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ»
فَعَادَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَأَخَذَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ»
فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَخَذَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: دَعْنِي، وَأُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا
قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ،
فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ،
وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ.
فَلَمَّا أَخْبَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ
«أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟»
قَالَ: لَا
قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ»
عِبَادَ اللَّهِ،
إِذَا كَانَ الشَّيْطَانُ نَفْسُهُ يَعْلَمُ فَضْلَ آيَةِ الكُرْسِيِّ،
فَكَيْفَ نَغْفُلُ عَنْهَا نَحْنُ؟
وَكَيْفَ نَتْرُكُ حِرْزًا عَظِيمًا، وَوِقَايَةً رَبَّانِيَّةً، وَأَمَانًا مِنَ الشَّيْطَانِ؟
فَاحْفَظُوهَا،
وَاقْرَؤُوهَا دُبُرَ الصَّلَوَاتِ،
وَعِنْدَ النَّوْمِ،
وَعَلِّمُوهَا أَهْلَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ،
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ،
وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، اجْعَلْ آيَةَ الكُرْسِيِّ نُورًا فِي قُلُوبِنَا،
وَحِفْظًا لَنَا مِنَ الشَّيْطَانِ،
وَثَبَاتًا عَلَى دِينِكَ حَتَّى نَلْقَاكَ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ.
عِبَادَ اللَّهِ،
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾
المرفقات
1766067037_حِينَ تَتَكَلَّمُ العَظَمَةُ- آيَةُ الكُرْس.pdf