ختام الشهر

أنشر تؤجر
1447/09/23 - 2026/03/12 14:25PM

الْحَمْدُ للهِ الذِي وَفَّقَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ ، وَشَرَحَ صُدُورَ أَوْلِيَائِهِ لِلإِيمَانِ بِمَا أَنْزَلَ مِنَ الْحِكَمِ وَالآيَات ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَرْجُو بِهَا رَفِيعَ الدَّرَجَات ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَاحِبُ الآيَاتِ , صَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

عباد الله : أَيَّامٌ قَلاَئِلُ تَبَقَّتْ لِتَوْدِيعِ شَهْرِ رِمَضَانِ ، فهَذَا شَهْرُكم قَدْ آذَنَ بِالرَّحِيلِ ، فخُصُّوا بَقِيَتَهُ بِمَزِيدِ العَمَلِ وَالإِكْثَارِ مِنَ الْحَسَنَات ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ ربكم فَإِنَّ للهِ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَات ، وَالعبرةُ بكمالِ النهايات ، لا بنقصِ البدايات ؛ ومَا زَالَ فِي الْوَقْتِ فُسْحَةٌ ، وَلِكَسْبِ الْخَيْرِ فُرْصَةٌ ؛ فَأَبْوَابُ الْجَنَّةِ مَا زَالَتْ مُفَتَّحَةً، وَأَبْوَابُ النَّارِ مُغْلَقَةً، وَالشَّيَاطِينُ مُصَفَّدَةً، وَعُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ، فَهِيَ فُرْصَةٌ لِمنْ كَان في حَيَاتِه مُقصِّـرًا لِيَلْحَقَ، ولِمنْ اِسْتحَقَّ بِذَنْبِه النَّارَ لِيُعتَقَ، ولِمنْ كَان في طَاعَاتِه مُتَأخِّرًا لِيَكُوْنَ الأسْبَقَ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ : لقد بَقِيَتْ لَيَالٍ هِيَ أَرْجَى مَا تَكُونُ لِلَيْلَةِ القَدْر؛ فَجِدُّوا وشَمِّروا، ولا تَتَوَاكَلوا؛ فكُلُّ لَيَالي العَشْرِ حَرِيَّةٌ بها، وأَرْجَاها لَيَالي الوِتْر، وأَرْجَاهُنَّ لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين ، وبقي من ليالي الأوتار ليلةِ خَمسِ وعشرين وتسعٍ وعشرين ، وهي كذلك مظنةٌ من مظانِ ليلةِ القدر ، فعَنْ عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم – قال :( تَحَرَّوا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَان ) متفق عليه.

فلِنَجْتَهِدْ - رَحِمَكُمُ اللهُ - فِي إِحْيَاءِ هَذِهِ اللَّيَالِي بِالصَّلَاةِ  وَالدُّعَاءِ ، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ ، وَتَدَبُّرِهِ ، وَذِكْرِ اللهِ تَعَالَى وَاسْتِغْفَارِهِ .

لِنَجْتَهِدْ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ؛ فَقَدْ جَاءَتِ البِشَارَةُ العَظِيمَةُ لِأَهْلِ القِيَامِ ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ؛ قَالَ : شَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسًا وَصَفَ فِيهِ الْجَنَّةَ حَتَّى انْتَهَى ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ :(  فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ثُمَّ اقْتَــرَأَ هَـذِهِ الْآيَــــةَ: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ]

ولِنَجْتَهِدْ فِي الدُّعَاءِ، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ فِي اللَّيْلِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ؛ كَمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ( يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ  فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ) [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ]

إنها فُرَصٌ ثَمِيْنَةٌ، وَمَغَانِمُ عَظِيْمَةُ؛ لَا يَنْبَغِي تَضْيِيعُهَا ؛ فَأَوْدِعُوهَا مِنَ الصَّالِحَاتِ مَا يَكُونُ خَيْرَ شَاهِدٍ لَكُمْ يَوْمَ تَلْقَونَ رَبَّكُمْ ، وَعُمُرُ اَلْإِنْسَانِ لَا قِيمَةَ لَهُ إِلَّا بِمَا أَوْدَعَهُ مِنْ أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 8].

وَرَوَى اَلتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ – رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلاً قَالَ : يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَيُّ اَلنَّاسِ خَيْرٌ ؟ قَالَ :« مَنْ طَالَ عُمُرُهُ ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ » قَالَ : فَأَيُّ اَلنَّاسِ شَرٌّ ؟ قَالَ :« مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ »

اَللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ ، وَبُورِكَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ .

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ :

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ..أَمَّا بَعْدُ :

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ مَسَالِكِ الإِحْسَانِ فِي خِتَامِ شَهْرِكُمْ:  إِخْرَاجَ زَكَاةِ الْفِطْرِ، فَهِيَ طَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ ، وَعَطْفٌ وَأُلْفَةٌ ، فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - طُهْرَةً لِلصَّائِمِ ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ ، وَهِيَ صَاعٌ مِنْ طَعَامِ قُوتِ الْبَلَدِ ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ :( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ, صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ, وَالذَّكَرِ وَالأنْثَى, وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

والصاعُ يساوي ثلاثُ كيلوات تقريبا ، وَوَقْتُ إِخْرَاجِهَا الْفَاضِلُ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ صَلاَةِ الْعِيدِ ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ، فَأَخْرِجُوهَا طَيِّبَةً بِهَا نُفُوسُكُمْ ، وَأَكْثِرُوا مِنَ التَّكْبِيرِ لَيْلَةَ الْعِيدِ إِلَى صَلاَةِ الْعِيدِ ، تَعْظِيمًا للهِ ، وَشُكْرًا لَهُ عَلَى التَّمَامِ ، كما قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- :﴿ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة:185].

وَاحْرِصُوا عَلَى شُهُودِ صَلاَةِ الْعِيدِ ، وَاحْضُرُوا الْخُطْبَةَ وَاسْتَمِعُوا وَأَنْصِتُوا وَأَمِّنُوا عَلَى الدُّعَاءِ ؛ فَفِي ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَاشْكُرُوا رَبَّكُمْ عَلَى تَمَامِ فَرْضِكُمْ ؛ وأحسنوا ختام شهركم بالاجتهاد في باقيه ، فالساعة من هذا الشهر غنيمةٌ عظيمة ، فكيف بأيام وليالي فلنجتهد فيها ، ولنُكثرْ من الدعاء بأن يتقبل الله منا .

اللهم تقبل صيامنا وقيامنا ، وتجاوز عن تقصيرنا وزللنا ، اللهم بلِّغنا ختامَ الشهرِ وأعده علينا بخير في ديننا ودنيانا يارب العالمين .

اللهم اختم لنا شهر رمضان برضوانك والعتق من نارك والفوز بجناتك يا حيّ يا قيوم ، اللهم أعتق رقابنا من النار يا أرحم الراحمين , اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُوفقُ لِقِيامِ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا يَا رَبَ العَالَمِينَ .

اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ , اللَّهُمَّ اشْرَحْ صُدُورَنَا لِطَاعَتِكَ , اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ,

اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلَامَ والمُسْلِمِيْنَ ، وأَذِلَّ الشِّـرْكَ والمُشْـرِكِيْنَ ، ودَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّيْنِ ، واجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا رَخَاءً وسَائِرَ بِلَادِ المسْلِمِيْنَ .

اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى ، وخُذْ بِهِمْ لِلْبِرِّ والتَّقْوَى ، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ لِهُدَاكَ واجْعَلْ عَمَلَهُمْ فِيْ رِضَاكَ .

اللهمَّ من أرادَنا وأَرادَ دينَنا ودِيارَنا وأَمنَنا وولاةَ أمرِنا وعُلماءَنا ورِجالَ أَمنِنا واجتماعَ كَلمتِنا بسُوءٍ ، اللهمَّ فأشغِله بنَفسِه ، واجعل كيدَه في نَحرِه ، واجعل تَدبيرَه تَدميرًا عَليهِ يا رَبَّ العَالمينَ .

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ، وَفِيْ الآَخِرَةِ حَسَنَةً ، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .

سُبْحَانَ رَبِّنا رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .

وصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبَيِّنَا مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .

المرفقات

1773314719_ختام الشهر 4.docx

المشاهدات 581 | التعليقات 0