خُطْبَةٌ: آدَابُ التَّنَزُّهِ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْبِيئَةِ
د صالح بن مقبل العصيمي
خُطْبَةٌ: آدَابُ التَّنَزُّهِ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْبِيئَةِ. الْخُطْبَةُ الْأُولَى:
إنَّ الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهدِ اللهُ فلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتَامَى، وَوَعَدَ عَلَى ذَلِكَ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ وَالْفَضْلَ الْجَزِيلَ، وَتَوَعَّدَ مَن ظَلَمَهُمْ أَوْ قَهَرَهُمْ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ - صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا . أمَّا بَعْدُ ... فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ - حقَّ التَّقْوَى؛ واعلَمُوا أنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى. وَاِعْلَمُوا بِأَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
1- أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اعْلَمُوا أَنَّ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ بِالأَمْطَارِ وَمَا تُنْبِتُ الأَرْضَ، وَالذَّهَابِ بِالنَّفْسِ وَالأَهْلِ إِلَى النُّزْهَةِ، وَالنَّظَرِ إِلَى أَمَاكِنِ السَّيْلِ، وَمَجْرَى الْمَاءِ، وَالأَرَاضِي الْمُخْضَرَّةِ، أَمْرٌ مَشْرُوعٌ.
2- فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يَذْهَبُ إِلَى التِّلاَعِ، كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ فِيْ الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيْحٍ.
3- فَمِنْ شُكْرِ اللهِ تَعَالَى: الاِعْتِنَاءُ بِالْبِيئَةِ، وَإِظْهَارِها فِي أَجْمَلِ مَظْهَرٍ وَأَحْسَنِ مَنْظَرٍ؛ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَاحْتِسَابُ الأَجْرِ فِي ذَلِكَ، وَالْعَمَلُ عَلَى أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ يُصْلِحُ وَلاَ يُتْلِفُ، وَيَبْنِي وَلاَ يَهْدِمُ، وَيُحْسِنُ وَلاَ يُؤذِي؛ مِفْتَاحَ للخَيْرٍ، مِغْلاَقَ للشَرٍّ.
4- قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
5- وَقَالَ الله عز وجل فِيِ ذَمِّ بَعْضَ النَّاسِ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.
6- وَمِنَ الإِفْسَادِ الْمُحَرَّمِ: أَذِيَّةُ الْمُسْلِمِ قَوْلاً أَوْ عَمَلاً، وَإِنَّ مِنْ أَذِيَّتِهِمْ مَا يُوضَعُ فِي طُرُقَاتِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ، وَأَمَاكِنِ تَنَزُّهِهِمْ؛ مِمَّا يُؤْذِيهِمْ وَيُدَنِّسُ ثِيَابَهُمْ، وَأَقْدَامَهُمْ وَنِعَالَهُمْ.
7- أَوْ بِمَا يَجْرَحُ أَبْدَانَهُمْ وَيُعَرِّضُهُمْ لِمَا يُؤْلِمُهُمْ كَالأَحْجَارِ، وَالأَخْشَابِ، وَالزُّجَاجِ، وَالْمَسَامِيرِ، وَالْمُخَلَّفَاتِ.
8- أَوْ قَطْعُ مَا يَسْتَظِلُّونَ بِهِ مِنْ أَشْجَارٍ.
9- أَوْ إِشْعَالُ النَّارِ فِي أَمَاكِنِ تنزههم فَيُفْسِدهَا عَلَيْهِمْ.
10- بَلْ وَالْبَعْضُ يَتَسَاهَلُ فِي إِشْعَالِ اَلنِّيرَانِ فِي أَمَاكِنِ اَلْمُتَنزَهَاتِ، وَاَلَّتِي قَدْ تَتَسَبَّبُ بِحَرَائِقَ تَصْعبُ اَلسَّيْطَرَةُ عَلَيْهَا؛ وَتُتْلِفُ اَلْغِطَاءَ اَلنَّبَاتِيَّ، وَتُعَرِّضُ اَلْمُتَنَزَّهَات، وَالنَّاسَ لِأَخْطَارِ اَلْحَرِيقِ.
11- وَعِنْدَمَا يَحْتَاجُ اَلْمُتَنَزّهُ لِإِشْعَالِ اَلنَّارِ عَلَيْهِ أَنْ يَسْلُكَ اَلطُّرُقَ اَلصَّحِيحَةَ اَلسَّلِيمَةَ، وَالشُّرُوطَ اَلَّتِي وَضَعَتْهَا جِهَاتُ اَلِاخْتِصَاصِ، كَالدِّفَاعِ اَلْمَدَنِيِّ، وَوِزَارَةَ اَلْبِيئَةِ، وَالْمِيَاهِ، وَالزِّرَاعَةِ.
12- عِبَادَ الله: عندما وَدَّعَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ- أصحابه فِي غَزْوَةِ أوصاهم بِوَصَايَا عَظِيمَةٍ، يفَكَانَ مِمَّا قَالَ: «لاَ تَحْرِقُوا نَخْلاً، وَلاَ تَقْلَعُوا شَجَرًا، وَلاَ تَهْدِمُوا بَيْتًا، وَلاَ تَقْتُلُوا امْرَأَةً، وَلاَ صَغِيرًا، وَلاَ رَضِيعًا، وَلاَ كَبِيرًا فَانِيًا».
13- وَرَوَى ابْنُ كَثِيْر فِيْ مُسْنَدِ الصَّدِيْقِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ «أنَّ أبا بكرٍ لما بَعث جيوشًا إلى الشامِ فخرج يمشي مع يزيدَ بنِ أبي سفيانَ وكان يزيدُ أميرَ رَبعٍ من تلك الأرباعِ فقال: إني موصيكَ بعشرِ خِلالٍ: لا تقتلوا امرأةً، ولا صبيًّا، ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعوا شجرًا مثمرًا، لا تخربن عامرًا، ولا تعقرنَّ شاةً، ولا بعيرًا إلا لمأكلةٍ، ولا تُغرِقن نخلًا، ولا تحرِقنَّهُ، ولا تغلُلْ، ولا تجبنْ».
14- عِبَادَ الله: إن مَا نُشَاهِدُهُ مِنْ تَشْوِيهٍ من البعض لِلمُتَنَزَّهَاتِ؛ أَمْرٌ مُحَرَمٌ حَيْثُ يَتْرُكَ بَعْضَ المُتَنَزِّهَيْن، الَّذِينَ أُتُوا لِيَسْتَجِمُّوا مُخَلَّفَاتِهِمْ، عِنْدَ مُغَادَرَتِهِمْ بِمَنَاظِرِ بَشِعَةٍ، تَتَقَزَّزُ مِنْهَا الأَنْفُسُ، وَتَضِيقُ مَنْهَا الصُّدُورُ، وَلَا تُسَرُّ بِـمَرْآهَا العُيُونُ.
15- فَإِذَا أَتَى إِلَى هَذِهِ الْأَمَاكِنِ زُوَّارٌ وَمُتَنَزِّهُونَ جُدُدٌ؛ ضَاقَتْ عَلَيْهُمْ الأَمَاكِنُ النَّظِيفَةُ.
16- وَقَدّْ لَا يَسْلَمُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ سَخَطِ اللهِ عَلَيْهِ وَدُعَاءِ النَّاسِ عليه، أَيَلِيقُ بِمُسْلِمٍ تَرَبَّى عَلَى الْأَخْلَاقِ الَّتِي حَثَّ عَلَيْهَا القُرْآنُ، وَعَرَفَ نَهْجَ النُّبُوَّةِ؛ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا؟!
17- وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ أَشْرَفُ السُّنَنِ، وَأَعْلَاهَا، وَأَكْمَلُهَا، وَأَوْفَاهَا، وَأُفَضَلُهَا فِي مَعْرِفَةِ حَاجَاتِ النَّاسِ، وَمُتَطَلَّبَاتِ الحَيَاةِ، وَمِنْهَا المُحَافَظَةُ عَلَى البِيئَةِ.
18- قَالَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
19- وَفِي الحَدِيثِ: التَّحْذِيرُ مِنْ الأَفْعَالِ الَّتِي يَلْعَنُ مِنْ خِلَالِهَا النَّاسُ فَاعِلِيهَا.
20- كَمَنْ يُلَوِّثُ قَارِعَةَ الطَّرِيقِ، أَوْ ظِلَّ الشَّجَرَةِ، أَوْ ضِفَاف الأَنْهَارِ، وَمَجَامِعَ السُّيُولِ بِفَضَلَاِتِه؛ مِمَّا يَحْرِمُهُمْ الجُلُوسَ فِيهَا وَالاِسْتِمْتَاعَ بِهَا، وَيُقَاسُ عَلَيْهَا مَنْ يُلَوِّثُهَا بِفَضَلَاتِ طَعَامِهِ.
21- وَالْـمُرَادُ أَنَّ هَذِهِ الأَفْعَالَ تَجْلِبُ اللَّعْنَ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَهَا يَلْعَنُهُمْ الـمَارَّةُ عَلَى فِعْلِهُمْ القَبِيحِ، حَيْثُ أَفْسَدُوا عَلَى النَّاسِ مَنْفَعَتَهُمْ، فَكَانَ ظُلْمًا، وَكُلُّ ظَالِمٍ مَلْعُونٌ.
22- وَقَدْ تَأْتِي رِيَاحٌ تَنْقُلُ هَذِهِ المُخَلَّفَاتِ إِلَى آخَرِينَ؛ فَيَزْدَادُ عَدَدُ المُتَضَرِّرِينَ مِنْ هَذِهِ الأَفْعَالِ المَشِينَةِ، وَكَانَ مِنْ المُفْتَرَضِ يَـجْـمَـعُوا مُخَلَّفَاتِهِمْ، وَيَضَعُوهَا فِي الأَمَاكِنِ المُخَصَّصَةِ لَهَا، وَيَفْصِلُوا الطَّعَامُ عَنْهَا، وَيَضَعُوهُ فِيمَا خُصِّصَ لَهُ، أَوْ يُقَدِّمُوهُ لِلْحَيَوَانَاتِ.
23- وَإِذَا كَانَتْ بَعْضُ هَذِهِ المُتَنَزَّهَاتِ البَرِّيَّةِ، لَا تُوجَدُ فِيهَا أَمَاكِنُ مُخَصَّصَةٌ لِلمُخَلَّفَاتِ، فَعَلَيْهُمْ أَنْ يَضَعُوهَا فِي أَقْرَبِ مَكَانٍ مُخَصَّصٍ لَـهَا، أَوْ أَنْ يَدْفِنُوهَا، أو يَـحْرِقُوهَا فِي أَمَاكِنَ أمنة بمشيئة الله عزوجل: غَيْرِ مُعْشِبَةٍ.
24- وَالمَقْصُودُ أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِنْهَا بِأَيِّ طَرِيقَةٍ مُمْكِنَةٍ وَمَشْرُوعَةٍ.
25- فَلَيْسَ الإِنْسَانُ بِحَاجَةٍ إِلَى رَقِيبِ بَشَرِي، يُوَجِّهُهُ طَالَمَا أَنَّ الخَوْفَ مِنْ الجَلِيلِ مَوْجُودٌ بِقَلْبِهِ.
26- كَمَا أَنْصَحُ نَفْسِي وَغَيْرِي بِأَنْ نَتَوَاضَعَ لِلهِ، وَمَتَى رَأَيْنَا مِثْلَ هَذِهِ المُخَلَّفَاتِ فِي طُرُقِ النَّاسِ، وَفِيَّ مُتَنَزَّهَاتِـهِمْ؛ فَلِنُبَادِرْ بإزَالَتِهَا إِمَّا بِأَنْفُسِنَا، أَوْ بِتَنَبيه أَهْلِ الاِخْتِصَاصِ.
27- وَمِنْ شُكْرِ اللهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ: احْتِسَابُ الأَجْرِ فِي إِزَالَةِ الأَذَى مِنَ الْمُنْتَزَهَاتِ، وَالطُّرُقَاتِ.
28- قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» [رواه مُسْلِمٌ].
29- وَبَيَّنَ رَسُولُنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الأَجْرَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَى إِزَالَةِ مَا يُؤْذِي النَّاسَ بِطُرُقَاتِهِمْ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، أَوْ شَوْكٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَقَالَ ﷺ: «مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ، فَقَالَ: وَاللهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ؛ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ» [رواه مُسْلِمٌ].
30- فَهَذَا عَمَلٌ يَسِيرٌ، وَافَقَ إِخْلاَصًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الْبَصِيِرِ، فَكَانَ سَبَبًا فِي مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ وَدُخُولِهِ الْجَنَّةَ.
31- عِبَادَ الله؛ وَمِنَ الأُمُوْرِ المُخْزِيَةِ مَا نَسْمَعُ عَنْهُ مِنْ تَصَرُفَاتِ بَعْضِ المُتَنَزِّهِيْنَ مِمَّنْ يَتَكَلَّفُ بِالْذَهَابِ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ إِلَى بُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَسَالِكِ الشِّعَابِ، وَيُعَرِّضُ نَفْسَهُ وَأُسْرَتَهُ لِلْخَطَرِ وَالهَلَاكِ!
32- وَاللهُ يَقُولُ: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
33- وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
34- وَلَا يَقِلُّ عَنْهُ ضَرَرَاً مَا يَفْعَلُهُ الْبَعْضُ مِنَ اَلنَّوْمِ فِي بُطُونِ اَلْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ، فِي أَوْقَاتِ هُطُولِ اَلْأَمْطَارِ، مُسْتَهِينِيْنَ بِسَيْلِ اَلْأَوْدِيَةِ اَلَّتِي قَدْ تُغْرِقُهُ وَمَنْ مَعَهُ؛ فَهَذِهِ تَصَرُّفَات لَا يَفْعَلُهَا أَصْحَابُ اَلْخِبْرَةِ، وَالتَّجْرِبَةِ، وَتَحَمُّلِ اَلْمَسْؤُولِيَّة.
35- وَمِنَ الأُمُورِ الَّتِيْ يَنْبَغِيْ الْحَذَرُ مِنْهَا: الْتَّعَدِّي عَلَى الْمَحْمِيَّاتِ، وَمُخَالَفَة الأَنْظِمَةِ، وَالَّلوَائِح الَّتِيْ تَضبُطُ الأُمُورَ، كَذَلِكَ الاحْتِطَابُ بِالْطُرُقِ المُخَالِفَة لِلأَنْظِمَةِ، وَالَّتِيْ تَضُرُّ بِالْنَّاسِ، وَتُعَرِّضُ المُخَالِفَ لِلْعُقُوْبَاتِ الَّتِيْ هُوَ بِغِنَى عَنْهَا؛ فَإِنَّ هُنَاكَ فِئَةٌ مِنَ النَّاسِ يَظُنُّوْنَ أَنَّ الاحْتِطَابَ كَلَأٌ مُباح. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
خُطْبَةٌ: آدَابُ التَّنَزُّهِ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْبِيئَةِ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ - عِبَادَ اللَّهِ - حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.
1- عِبادَ اللهِ: وَمِنَ الأُمورِ الَّتي يَنْبَغي التَّنبيهُ عَلَيْها أَنَّ هُناكَ مَنْ يَعْتَدي عَلَى غَيْرِهِ، وَيُعَرِّضُهُ لِلْخَسائِرِ الماليَّةِ العَظيمَةِ، وَهُوَ ما يَقومُ بِهِ البَعْضُ مِنْ ضُعَفاءِ الدِّينِ مِنْ إِلْقاءِ مُخَلَّفاتِ البِناءِ في أَراضي الغَيْرِ، وَفي هذا إِضْرارٌ لِصاحِبِ الأَرْضِ الَّذي قَدْ يَدْفَعُ عَشَراتِ الآلافِ مِنْ أَجْلِ تَرْحيلِ هذِهِ المُخَلَّفاتِ، وَلا شَكَّ بِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذلِكَ مِمَّنْ أَكَلُوا أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ، كَما أَنَّ في ذلِكَ مُخالَفَةً لِوَلِيِّ الأَمْرِ، وَمَعْصِيَتُهُ جُرْمٌ عَظيمٌ؛ حَيْثُ حَدَّدَ أَماكِنَ تَحْتَ إِشْرافِ الأَماناتِ، حِمايَةً لِمُمْتَلَكاتِ النّاسِ، وَحِمايَةً لِبِيئَتِهِمْ.
2- كَذلِكَ هُناكَ مَنْ يَتَساهَلُ في رَمْيِ العُلَبِ الَّتي يَشْرَبُ مِنْها الماءَ أَوْ غَيْرَهُ، وَيَرْميها بِكُلِّ اسْتِهْتارٍ في طُرُقاتِ النّاسِ، وَفيها ضَرَرٌ عَلَى النّاسِ، وَتَحْميلٌ لِلْقائِمينَ بِالنَّظافَةِ فَوْقَ طاقَتِهِمْ، فَأَجْبَرَهُمْ عَلَى مُتابَعَةِ إِهْمالِهِ وَاسْتِهْتارِهِ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُقَصِّروا، وَوَضَعوا أَماكِنَ مُخَصَّصَةً لِمِثْلِ هذِهِ المُخَلَّفاتِ، لكِنَّ ضُعَفاءَ الدِّينِ وَأَهْلَ الِاسْتِهْتارِ وَالِاسْتِهانَةِ لا يُبالونَ؛ فَهُمْ لا يُراقِبونَ إِلَّا الرَّقيبَ البَشَرِيَّ، وَصَنيعُ هذا مِنَ الظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي المُحَرَّمِ، وَاللهُ سُبْحانَهُ يَقولُ: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتَيْهِمَا لِلْبَرِّ وَالتَّقْوَى، اللَّهُمَّ احْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ وَأَحِطْهُم بِعِنَايَتِكَ، وَاجْعَلْهُم هُدَاةً مُهْتَدِينَ، غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ. وَأَصْلِحْ بِهِمَا الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، وَاحْفَظْ لِبِلَادِنَا الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ وَالسَّلَامَةَ وَالْإِسْلَامَ. اللَّهُمَّ انْصُرِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى حُدُودِ بِلَادِنَا، وَانْشُرِ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِنَا. اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. اللَّهُمَّ احْفَظْنَا بِحِفْظِكَ، وَأَكْلَأْنَا بِرِعَايَتِكَ، وَاحْطِنَا بِعِنَايَتِكَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنَا لِلْيُسْرَى، وَجَنِّبْنَا الْعُسْرَى. وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَامْدُدْ عَلَيْنَا سِتْرَكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَصْلِحْ لَنَا النِّيَّةَ وَالذُّرِّيَّةَ وَالْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ. «رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا». اللَّهُمَّ احْفَظِ الأَبْنَاءَ وَالْبَنَاتَ، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ وَأَحِطْهُمْ بِعِنَايَتِكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا وَإِيَّاهُمْ مِنْ مُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمُؤَدِّي الزَّكَاةِ.
اللَّهُمَّ نَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ فَأَرْسِلْ عَلَيْنَا السَّمَاءَ مِدْرَارًا، اللَّهُمَّ نَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ وَنَـجْأَرُ إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا غَدَقًا مُجَلَّلًا عَامًّا طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ. اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، وَلا سُقْيَا عَذَابٍ وَلا بَلاءٍ وَلا هَدْمٍ وَلا غَرَقٍ، "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللهم صيّباً نافعاً، اللهم صيّباً نافعاً، اللَّهُمَّ اِفْتَحْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ! اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ عَامِلْنَا بِـمَا أَنْتَ أَهْلُهُ، وَلَا تُعَامِلْنَا بِـمَا نَـحْنُ أَهْلُهُ، أَنْتَ أَهْلُ الْـجُودِ وَالْكَرَمِ، وَالْفَضْلِ والإِحْسَانِ، اللَّهُمَّ اِرْحَمْ بِلَادَكَ، وَعِبَادَكَ، اللَّهُمَّ اِرْحَمْ الشُّيُوخَ الرُّكَّعَ، وَالْبَهَائِمَ الرُّتَّعَ اللَّهُمَّ اِسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَـجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِيـنَ. اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا، اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا، اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا، يَا ذَا الجـلَالِ، والإِكْرامِ، يَا ذَا الجـلَالِ، والإِكْرامِ، أَكْرِمْنَا وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا هَنِيئًا مَرِيئًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا هَنِيئًا مَرِيئًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا هَنِيئًا مَرِيئًا. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. هَذَا فَصَلُّوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَلَى مَن أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَلَا وَقُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ، يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ.
المرفقات
1767625612_خطبة أَدَابُ التَنَزُّهِ وَالمُحَافَظَةُ عَلَى البِيئَةِ.pdf
1767625624_خطبة أَدَابُ التَنَزُّهِ وَالمُحَافَظَةُ عَلَى البِيئَةِ.docx
شبيب القحطاني
عضو نشطجزاك الله خيرا
تعديل التعليق