((خطبة الإستسقاء)) يوم الخمييس (1447/8/24ه)
يوسف العوض
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ، وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَأَجْرَى السَّحَابَ فِي الجَوِّ، وَجَعَلَ المَاءَ كُلَّ شَيْءٍ حَيًّا، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا.
وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا النَّجَاةَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وَكَشَفَ اللهُ بِهِ الغُمَّةَ، فَصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ التَّقْوَى خَيْرُ زَادٍ لِيَوْمِ المَعَادِ، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ سُنَنِ اللهِ فِي خَلْقِهِ أَنْ يُقَلِّبَ الأَحْوَالَ، فَيَبْتَلِي بِالشِّدَّةِ كَمَا يَبْتَلِي بِالرَّخَاءِ، وَيَمْنَعُ كَمَا يُعْطِي، وَيَقْبِضُ كَمَا يَبْسُطُ؛ لِيَظْهَرَ صِدْقُ العُبُودِيَّةِ، وَتَتَحَقَّقَ الإِنَابَةُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ.
وَإِنَّ مِمَّا يُبْتَلَى بِهِ العِبَادُ حَبْسُ المَطَرِ، وَقِلَّةُ الغَيْثِ، وَجَدْبُ الأَرْضِ، وَيَبَاسُ الزَّرْعِ وَالضَّرْعِ؛ تَذْكِيرًا لِلْغَافِلِ، وَإِنْذَارًا لِلْمُقَصِّرِ، وَرَفْعًا لِدَرَجَاتِ الصَّابِرِينَ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ فَالمِحَنُ مَدْرَسَةُ تَرْبِيَةٍ، وَالشِّدَّةُ بَابُ إِنَابَةٍ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ فَلْيُفَتِّشْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي نَفْسِهِ، وَلْيُجَدِّدِ التَّوْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، فَمَا نَزَلَ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ نُزُولِ الغَيْثِ صِدْقَ التَّوْبَةِ وَكَثْرَةَ الِاسْتِغْفَارِ ، اسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ نَبِيِّ اللهِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ فَجَعَلَ الِاسْتِغْفَارَ سَبَبًا لِلْمَطَرِ، وَمِفْتَاحًا لِلْبَرَكَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ فَالبَرَكَاتُ مَرْهُونَةٌ بِالإِيمَانِ وَالتَّقْوَى.
وَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَحَطَ المَطَرُ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا، رَافِعًا يَدَيْهِ، يَسْأَلُ رَبَّهُ الغَيْثَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا» ثَلَاثًا، قَالَ: فَوَاللهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، فَمَا نَزَلَ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى مُطِرْنَا.
فَيَا عِبَادَ اللهِ: ارْفَعُوا أَيْدِيَ الضَّرَاعَةِ، وَأَظْهِرُوا الِافْتِقَارَ وَالمَسْكَنَةَ، فَإِنَّ اللهَ عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِهِ.
وَمِنْ أَسْبَابِ حَبْسِ القَطْرِ مَنْعُ الزَّكَاةِ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا البَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» فَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَتَصَدَّقُوا، فَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَسَبَبٌ لِلْخَيْرِ وَالنَّمَاءِ.
وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَارْفَعُوا الظُّلْمَ عَنِ المُسْتَضْعَفِينَ، فَإِنَّ الذُّنُوبَ لَهَا آثَارٌ، وَإِنَّ الطَّاعَاتِ لَهَا أَنْوَارٌ وَبَرَكَاتٌ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: إِنَّنَا فُقَرَاءُ إِلَى اللهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ فَلْنُظْهِرِ الفَقْرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلْنُحْسِنِ الظَّنَّ بِهِ، فَهُوَ القَائِلُ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي».
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا، مَا عَلِمْنَا مِنْهَا وَمَا لَمْ نَعْلَمْ.
اللَّهُمَّ أَسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا، مَرِيعًا غَدَقًا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ، تُحْيِي بِهِ البِلَادَ، وَتُغِيثُ بِهِ العِبَادَ، وَتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ وَالبَادِ.
اللَّهُمَّ أَغِثْنَا غَيْثًا مُغِيثًا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ المَيِّتَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ، وَارْفَعْ عَنَّا القَحْطَ وَالجَدْبَ وَالغَلَاءَ وَالوَبَاءَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سُوءَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المرفقات
1770788767_استسقاء الخميس.docx