(خطبة) المحافظة على نعمة الأمن والتحذير من الشائعات والخوض في الأحداث
أحمد بن علي الغامدي
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ تَوْفِيقِ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ ثَبَاتَهُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَتَمَسُّكَهُمْ بِدِينِهِمْ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِمْ؛ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَفِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، فَالْمُؤْمِنُ الْحَقُّ شَاكِرٌ عِنْدَ السَّرَّاءِ صَابِرٌ عِنْدَ الضَّرَّاءِ، مُلْتَزِمٌ منَهْجَ سَيِّدِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِياءِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، الَّذِي مَا تَرَكَ خَيْرًا إِلَّا وَدَلَّنَا عَلَيْهِ، وَلَا شَرًّا إِلَّا وحَذَّرَنا مِنْهُ.
وَإِنَّنَا نَعِيشُ فِي هِذِهِ الْأَيَّامِ أَوْضَاعًا تَتَطَلَّبُ مِنَّا التَّعَامُلَ مَعَهَا مُعَامَلَةَ الْعُقَلَاءِ، وَالْوُقُوفَ فِيهَا مَوْقِفَ الْحُكَمَاءِ، فَالْمُسْلِمُ الْحَصِيفُ الْعَاقِلُ يَرْكَنُ إِلَى رَبِّهِ عِنْدَ وُقُوعِ الْمُدْلَهِمَّاتِ، وَيَفْزَعُ إِلَى مَوْلَاهُ عِنْدَ حُدُوثِ الْخُطُوبِ وَالْأَزَمَاتِ، فَيَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ، وَيُدِيمُ الدُّعَاءَ وَالِاسْتِغَاثَةَ وَالِابْتِهَالَ بَيْنَ يَدَيِ الْعَظِيمِ الْحَلِيمِ، وَيُوَاجِهُ مَا يُوَاجِهُهُ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ مُوقِنٍ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ: ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) ، وَمَنْ عَرَفَ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللهِ هَانَتْ عَلَيْهِ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ وَسَكَنَ؛ قَالَ تَعَالَى: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [ وقرأَها عكرمة : يَهدَأْ قلبُه]وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) .
فَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِرَبِّكُمُ الْكَرِيمِ، وَاعْتَمِدُوا عَلَيْهِ وَفَوِّضُوا الْأُمُورَ إِلَيْهِ، فَذَلِكُمْ سَبَبٌ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ وَرَاحَةِ الْبَالِ وَانْشِرَاحِ الصَّدْرِ؛ قَالَ تَعَالَى: ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي».
وتذكَّروا أنَّ نبيَّكم ﷺ كانَ في أشدِّ المِحَنِ وأعظمِ الفتنِ متفائلًا ، يُحسِنُ الظنَّ باللهِ، ويبشِّرُ أصحابَه، فاقتدوا بنبيِّكم ﷺ في ذلك، وفي صدقِ التوكلِ على الله وتفويضِ الأمور إليه.
عِبَادَ اللهِ:فِي مِثْلِ هَذِهِ الظُّرُوفِ يَجِبُ عَلَيْنَا الِالْتِفَافُ حَوْلَ وُلَاةِ أُمُورِنَا، وَعَدَمُ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِمْ، وَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَاتِّبَاعُ التَّعْلِيمَاتِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةِ فِي الْبِلَادِ؛ قَالَ تَعالَى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْنَا جَمِيعًا الْحَذَرُ مِنَ الشَّائِعَاتِ، وَإِيقَافُهَا وَعَدَمُ تَدَاوُلِهَا، فَإِنَّها سَبَبٌ لِضَعْفِ النُّفُوسِ، وَحُلُولِ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ الْمَذْمُومِ فِي الْقَلْبِ، وَمِنْ ذَلِكَ تَرْكُ التَّدَخُّلِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِنَا، وَالِامْتِنَاعُ عَنْ تصوير المقاطعِ المتعلقةِ بالأحداثِ الأمنية، أو تداولِها بين الناس؛ فإن في ذلك إرجافًا، وإشاعةً للخوف، وتعريضًا للأنفسِ والمصالحِ للخطر ؛ إِذِ الْوَاجِبُ إِسْنَادُ الْأُمُورِ إِلَى أَهْلِهَا وَمَنْ وَلَّاهُمُ اللهُ أُمُورَنَا وَخَاصَّةً فِي مِثْلِ هِذِهِ الظُّرُوفِ وَالْأَحْوَالِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ [ أي :أفشوه وأعلنوه]وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) .
عِبَادَ اللهِ: أَكْثِرُوا مِنَ الطَّاعَاتِ، وَدَاوِمُوا عَلَى الْعِبَادَاتِ، وَالْهَجُوا بِالْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ الصادقاتِ في أوقاتِ الإجابات، وَتُوبُوا إِلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، فَذَلِكُمْ وَاللهِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْحِفْظِ وَالنَّصْرِ وَالْقُوَّةِ وَالتَّمْكِينِ؛ قال ابنُ القيمِ رحمه الله :" َكَانَ عُمَرُ رضي الله عنه يَسْتَنْصِرُ بِالدعاءِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَكَانَ أَعْظَمَ جُنْدَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: لَسْتُمْ تُنْصَرُونَ بِكَثْرَةٍ، وَإِنَّمَا تُنْصَرُونَ مِنَ السَّمَاءِ".
فادْعُوا اللهَ بِأَنْ يَحْفَظَ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ وَبِلَادَكُمْ وَوُلَاةَ أُمُورِكُمْ وَالْمُسْلِمِينَ أجمعين )(فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ))، وَطِيبُوا نَفْسًا، فَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يُضَيِّعَكُمْ؛ فَأَنْتُمُ الصَّائِمُونَ الْقَائِمُونَ الْمُصَلُّونَ.
عباد الله : أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
أَمَّا بَعْدُ:
مَعَاشِرَ الصَّائِمِينَ:يَتَفَضَّلُ رَبُّنَا عَلَى عِبَادِهِ بِنَفَحَاتِ الْخَيْرَاتِ وَمَوَاسِمِ الطَّاعَاتِ، فَيَغْتَنِمُ الصَّالِحُونَ نَفَائِسَهَا، وَيَتَدَارَكُ الْأَوَّابُونَ أَوَاخِرَهَا، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا، كَانَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَفِي بِهَذِهِ الْعَشْرِ أَيَّمَا احْتِفَاءٍ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، فَاعْرِفُوا -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- شَرَفَ زَمَانِكُمْ، وَجَمِّلُوهُ بِجَمِيلِ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ قَصَّرَ فِي الْأَوَائِلِ فَدُونَهُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ اللهَ أَكْرَمَنَا فِي هَذِهِ الْعَشْرِ بِلَيْلَةٍ شَرِيفَةٍ وَسَاعَاتٍ نَفِيسَةٍ؛ لَيْلَةٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَهُوَ الْمَحْرُومُ، وَمِنْ تَمَامِ حِكْمَةِ الْمَوْلَى جَلَّ وَعَلَا أَنَّهُ أَخْفَاهَا لِتَظَلَّ النُّفُوسُ مُتَطَلِّعَةً، تَطْلُبُ رِضَا سَيِّدِهَا وَمَوْلَاهَا؛ فَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ، وَالسَّابِعَةِ، وَالْخَامِسَةِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَهَذَا يَدُلُّ أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ: أَنَّ الشِّقَاقَ وَالْمُنَازَعَةَ يَصْرِفَانِ كَثِيرًا مِنَ الْفَضَائِلِ، وَيَجْلِبَانِ كَثِيرًا مِنَ الْمَعَايِبِ وَالرَّذَائِلِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ منّا الِاجْتِمَاعَ وَالِائْتِلَافَ، وَنَهَانا عَنِ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ، وَلَا شَيْءَ -يَا عِبَادَ اللهِ- أَكْثَرُ إِخْلَالًا بِالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ مِنِ اخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ وَافْتِرَاقِ الْقُلُوبِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
فاللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالأَمَانِ. اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِتْنَةٍ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى. اللَّهُمَّ احْفَظْ جُنُودَنَا وَرِجَالَ أَمْنِنَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
عباد الله : صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة السلام عليه..
المرفقات
1772730069_(خطبة) المحافظة على نعمة الأمن والتحذير من الشائعات والخوض في الأحداث.docm
1772730085_(خطبة) المحافظة على نعمة الأمن والتحذير من الشائعات والخوض في الأحداث.docm