خُطبَة بِعِنْوَان: نِعمَةُ الأَمْنِ مِنَ الخَوْفِ.

رمضان صالح العجرمي
1447/09/16 - 2026/03/05 15:10PM
خُطبَة بِعِنْوَان: نِعمَةُ الأَمْنِ مِنَ الخَوْفِ.
 
1- نِعمَةُ الأَمْنِ مِنَ الخَوْفِ.
2- أَسبَابُ الأَمْنِ مِنَ الخَوْفِ.
 
(الهَدَفُ مِنَ الخُطبَةِ
التَّذكِيرُ بِنِعَمة الأَمْنِ مِنَ الخَوْفِ، وأسبابِ حُصُول الأَمْنِ.
 
مُقَدِّمَةٌ ومَدَخَلٌ للمُوْضُوعِ:
•أيُّهَا المُسلِمُونَ عِبَادَ اللهِ، فإن من النعم التي أنعم الله تعالى بها على عبادة: [نِعمَةُ الأَمْنِ مِنَ الخَوْفِ]
•فمن حازَهَا مع نعمة الإطعامِ مِنَ الجُوعِ فقد حازَ الدُّنيَا كُلِّها؛ فعن سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا.))؛ [رواه الترمذي، وابن ماجه]؛ لأن الإنسانَ بدنٌ وروحٌ؛ فغذاء البدن بِالْإِطْعَامِ، وغذاء الروح بالأمن.
• ولذلك امتَنَّ اللهُ تعالى بهما على قُرَيشٍ؛ بل وعلى جميعِ الخَلقِ؛ كما في قَولِه تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}؛ فَلَا يَعْتَدِي عَلَيْهِمْ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ حَرَمِ اللهِ، وَلا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ، بَيْنَمَا غَيْرُهُمْ يُغَارُ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَأْمَنُون؛
•وهذه هِيَ دعوةُ الخليلِ إبراهيمَ عليه السلام لأهل مكة؛ كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}
•فجَعَلَ اللهُ تعالى مكةَ بلدًا حرامًا آمنًا إلى يوم الدين؛ كما قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}، وقال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا}
•والعربُ قبلَ الإسَلَامِ كانت تعيشُ في حالةٍ من الفَوْضَىٰ وعدمِ الأمْنِ والاستقرَار؛ نتيجةُ ما يدورُ بينهم من الحروبِ الطاحنةِ، والمعاركِ الشديدةِ، وعلت مكانةُ قُرَيشٍ من بينهم؛ لاحتضانها البلدَ الأمين؛ كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}، وقال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ}
•وأقسم الله تعالى بذلك؛ فقال: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} 
•وَالأَمنُ مِنْ أعظَمِ النِّعَم:
1- فقد امتنَّ اللهُ تعالى بهذه النعمة على قومِ سبأٍ فكانوا آمنين في سيرهم ليلًا ونهارًا في قُرَاهُمْ؛ كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ}
2- وامتنَّ اللهُ تعالى بالأمن على ثمود قوم صالح عليه السلام، فكانوا ينحتون بيوتَهم في أَمْنٍ من غير خوفٍ؛ كما قال تعالى عنهم: {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ}
3- ورجَّحَ بعضُ أهل العلم: أن نعمة الأمن أعظم من نعمة الصحة؛ قال الرازي رحمه الله: "سُئِلَ بعضُ العلماء: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال: الأمن أفضل؛ والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل. ولو أنها ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناوله إلى أن تموت، وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الضرر الحاصل من ألم الجَسَد."
•ولذلك جَمعَ الله تعالى لقريشٍ بَيْنَ نعمة الْإِطْعامِ مِنَ الجُوعِ وَالْأَمْنِ مِنَ الخَوْفِ؛ وإنما قدَّمَ نعمة الْإِطْعامِ: لأن السورة هيَ خطاب للمشركين، وعند مخاطبة هؤلاء يحسن البدء بالقليل قبل الكثير، وباليسير  قبل العظيم.
•فالْإِنْسَانُ لَا يَنْعَمُ وَلَا يَسْعَدُ إِلَّا بِتَحْصِيلِ هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ مَعًا؛ إذْ لَا عَيْشَ مَعَ الجُوعِ، وَلَا أَمْنَ مَعَ الْخَوْفِ، وَتَكْمُلُ النِّعْمَةُ بِاجْتِمَاعِهِمَا؛ وَلِذَا جَاءَ في الحَدِيثِ: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا.))
•قيل لأحد الحكماء: ما النعيم؟ قال: "الأمن، فإني رأيت الخائف لا يهنأ بعيش، قيل: زدنا؟ قال: العافية، فإني رأيت المريض لا يهنأ بعيش، قيل: زدنا؟ قال: الشباب، فإني رأيت الهَرِمَ لا يهنأ بعيش".
4- ومِمَّا يبيِّنُ أهمية الأمْنِ: فإن كثيرًا من العبادات لا يتأتى القيامُ بها على وجهها إلا في ظِلِّ الأَمْنِ:
•فالصلاة قال الله تعالى عنها: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ * فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}
•ومن شروط وجوب الحج: الأمن، فإذا وجد الإنسان نفقة الحج ولم يكن الطريق إليه آمنًا فلا يجب عليه الحج؛ كم قال تعالى: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}
 
نسألُ اللهَ العظيم أن يُنعِمَ علينا وعلى جميع بلاد المسلمين بالأمن والاستقرار.
 
الخُطْبَةُ الثَّانِيةُ: أَسبَابُ الأَمْنِ مِنَ الخَوْفِ.
•أيُّهَا المُسلِمُونَ عِبَادَ اللهِ، فإنَّ مِنْ أَعظَمِ أَسبَابِ الأَمْنِ: 
1- عبادةُ الله تعالى وحدَه، والاستقامةُ على طاعته، وعدمُ الإشراكِ به شيئًا؛ كما قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}
2- ومنها: الدعاءُ واللجوءُ إلى الله تعالى وحده؛ فقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وآمِنْ رَوْعَاتِي.))؛ [رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه]، وكان إذا رأى الهلال قال: ((اللهم أَهِلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لِمَا تُحِبُّ وترضى، ربُّنا وربُّكَ اللهُ.))؛ [رواه ابن حبان]
3- ومنها: شُكْرُ نِعَمة الله تعالى علينا بالأمن؛ فإنَّهُ بالشُّكرِ تَدُومُ النِّعَمُ وتزدَادُ؛ كما قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}، وبعدمِ شُكْرِ هذة النِّعمَة فإنَّها تزولُ، ويَحِلُّ مَحِلَّهَا الخوفُ وعَدَمُ الأَمَانِ؛ كما قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}
4- ومنها: تَجَنُّبُ أسبَابِ زَعزَعَةِ الأَمْن وعَدَمُ استِقْرَارِه؛
•فقد نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يتسبَّبَ الإنسانُ فِي فعلٍ يؤدِّي إلى المَساسِ بالأمن والاستقرار؛ ففي الصحيحين عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه، عنْ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَال: ((لاَ يشِرْ أحَدُكُمْ إلَى أخِيهِ بِالسِّلاَحِ، فَإنَّهُ لاَ يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ.))، وفي رِوَايةٍ: ((مَنْ أشارَ إلَى أخيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإنَّ المَلائِكةَ تَلْعنُهُ حتَّى يَنْزِعَ، وإنْ كَان أخَاهُ لأبِيهِ وأُمِّهِ.))
•وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ رَوَّعَ مُؤْمِنًا: لَمْ يُؤَمِّنِ اللهُ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.))؛ [رواه البيهقي]، وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يُرَوِّعَنَّ مُسْلِمًا.))؛ [رواه الطَّبَرَانِيُّ]
•وعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ نَعْلَ رَجُلٍ فَرَوَّعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ رَوْعَةَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ.))؛ [رواه البَزَّارُ]
•وبوَّب الإمام مسلم في صحيحه: [بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْإِشَارَةِ بِالسِّلَاحِ.]، وبوَّب الإمام النووي رحمه الله، في كتاب رياض الصالحين، كتاب الأمور المنهي عنها: [بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْإِشَارَةِ إلى مُسلِمٍ بسِلَاحٍ ونَحوِهِ، سَوَاءٌ كان جَادًّا أو مَازِحًا.]، وفي الصحيحين عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وقَالَ: ((إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، ولَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، ولَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وتَفْقَأُ الْعَيْنَ.))
 
نسألُ اللهَ العظيم أن يُنعِمَ علينا وعلى جميع بلاد المسلمين بالأمن والاستقرار.
 
#سلسلة_خطب_الجمعة
#دروس_عامة_ومواعظ
(دعوة وعمل،هداية وإرشاد)
قناة التيليجرام:
https://t.me/khotp
 
 
 
المشاهدات 469 | التعليقات 2

.


.