خُطبَة بِعِنْوَان: وَقَفَاتٌ تَربَوِيَّةٌ مَعَ سُورَةِ الْكَوْثَرِ.
رمضان صالح العجرمي
1447/07/05 - 2025/12/25 16:54PM
خُطبَة بِعِنْوَان: وَقَفَاتٌ تَربَوِيَّةٌ مَعَ سُورَةِ الْكَوْثَرِ.
1- مُقَدِّمَةٌ تَعرِيفِيَّةٌ بِسُورَةِ الْكَوْثَرِ.
2- أَوْصَافُ نَّهْرِ الْكَوْثَرِ، وَالحَوْضِ المُورُودِ.
3- الكَلَامُ عَنِ الصَّلَاةِ للَّهِ وَالنَّحرِ.
(الهَدَفُ مِنَ الخُطبَةِ)
بَيَانُ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالحَدِيثُ عَن نَّهْرِ الْكَوْثَرِ في الْجَنَّةِ، وَالحَوْضِ المُورُودِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
•مُقَدِّمَةٌ ومَدَخَلٌ للمُوْضُوعِ:
•أيُّهَا المُسلِمُونَ عِبَادَ اللهِ، فَهذِهِ وَقَفَاتٌ تَربَوِيَّةٌ مَعَ سورةٍ من قصار السور، قليلة آياتها، قليلة عدد كلماتها، ولكنَّها عظيمةٌ في عطائها، عظيمةٌ في دلالاتها، تَحْمِلُ أَعْظَمَ بِشَارَةٍ، وَأَكْرَمَ مِنَّةٍ، يَمُنُّ بِها رَبُّنَا جلَّ جلالُه عَلَى نَبِيِّنا صلى الله عليه وسلم، وعلى أُمَّتِهِ؛ إنَّها: [سُورَةُ الْكَوْثَرِ]
•سُورَةُ الْكَوْثَرِ: سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ، وَعَدَدُ آيَاتِهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ؛ (وَهِيَ إِحْدى ثلاثُ سورٍ هنَّ أقصرُ السُّورِ من حيث عدد الآيات: العصر، والكوثر، والنصر) ومع قلة عدد آياتها؛ إلا أنها سورة عظيمة في معانيها؛ يكفي أن فيها أحكامًا كثيرةً جدًّا فقهية وعقائدية.
•أَسْمَاءُ السُّورَةِ: سُورَةُ (الْكَوْثَرِ)، وَسُورَةُ (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)، وَ(سُورَةُ النَّحْرِ) وسُمِّيَت بالْكَوْثَرِ: لِأنَّها ذُكِرَ فيها اسمُ (الْكَوْثَرِ)؛ وهذا مما انفردت به عن جميع سور القرآن الكريم.
•ومن اللطائف: أنها أقصرُ سورةٍ في القرآن، وعدَدُ كلماتِها عشْرُ كلماتٍ، وقد انفردت عن بقية السور بخمس كلمات؛ وهي: (أَعْطَيْنَاكَ، والْكَوْثَرُ، وَانْحَر، وَشَانِئَكَ، والأَبْتَرُ)؛ أي أنَّ نصفَ كلِمَاتِها لم تُذكر إلا فيها.
•مَوْضُوعَاتُ السُّورَةِ: سُورَةُ الْكَوْثَرِ فيها بِشَارَةٌ، وأمرٌ، وَوَعِيدٌ؛
فَأمَّا البِشَارَةُ: فَهيَ تَبْشيرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ أُعْطِيَ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَهي سُورةُ العَطاء والتَّكريم، والمقام الرفيع، والتشريفِ للرَّسول الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم.
وَأَمَّا الأَمْرُ: بِأَنْ يَشْكُرَ اللهَ تعالى عَلَى ذَلِكَ بِالْإِقْبَالِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَالإخلَاصِ لَهُ.
وَأَمَّا الوَعِيدُ: فهو لكل من يُبغِضُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم من مشركي قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِم.
•وقيل في سبب نزول السورة: أنَّها نزلت في بعض المشركين؛ منهم: العاص بن وائل السهمي الذي كان إذا ذُكِرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعوه فإنما هو رجلٌ أبترُ لا عَقِبَ له؛ لو هلك انقطع ذكرُهُ واسترحتم منه؛ (وذلك بعد موت أحد أولاده)؛ فأنزل الله تعالى في ذلك: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر}؛ فجاءت هذه السورةُ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم يُبَشِّرهُ رَبُّهُ بهذا الخير العظيم؛ والنبيُّ صلى الله عليه وسلم كان له من الأولاد: عبدالله والقاسم، فمات القاسم أولا صغيرًا، ثم مات بعده عبدالله، وأما إبراهيم: فقد ولد في المدينة ومات قبل أن يتجاوز عمره السنتين.
قَولُهُ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر}؛ افتتحها الله تعالى بالجملة الخبرية؛ والمعنى: أَعْطَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ الْخَيْرَ الْكَثيرَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْهُ نَهْرُ الْكَوْثَرِ في الْجَنَّةِ.
وتأمل في قولِهِ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ}؛ تفيدُ العظمة والكمال، كمَا تُشْعِرُ بِالْخُصُوصِيَّةِ؛ فَهُوَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَليِنَ.
•وَالْكَوْثَرُ: نَهْرٌ في الْجَنَّةِ، أَعْطَاهُ اللهُ تعالى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم؛ ففي صحيح مسلم عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي الْمَسْجِدِ، إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُبْتَسِمًا، قُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أُنْزِلَتْ عَلِيَّ آنِفًا سُورَةٌ))، فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر}، ثُمَّ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟)) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عز وجل، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ.))، وعن عائِشةَ رَضِيَ الله عنها في قَولِه تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}؛ قالت: ((نَهرٌ أُعطِيَه نَبيُّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، شاطِئاه عليه دُرٌّ مُجَوَّفٌ، آنيَتُه كعَدَدِ النُّجومِ.))
•وهذا النَّهرُ له ميزابان يصُبَّان في الحوضِ في عرصات القيامة؛ وَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَوْصَافًا مُتَعَدِّدَةً لِحَوْضِهِ؛ تَرْغِيبًا لِلْأُمَّةِ فِي بَذْلِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِوُرُودِهِ وَالشُّرْبِ مِنْهُ؛ وَمن هَذِهِ الْأَوْصَافُ: قَدْرُهُ، وَطَعْمُهُ، وَلَوْنُهُ، وَرَائِحَتُهُ، وَكِيزَانُهُ، وَحَالُ مَنْ يَشرَبُونَ مِنْهُ، وَمَنْ يُذَادُونَ عَنْهُ:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا.))؛ [متفق عليه]
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ؟ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، أَلَا فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ، آنِيَةُ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ، يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ.))؛ [رواه مسلم]
وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِنَّ قَدْرَ حَوْضِيْ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنَ اليَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ))؛ [متفق عليه]؛ أَيْلَةُ: هي المسمَّاةُ الآنَ بالعَقَبةِ.
وعن ثَوْبَانَ رضي الله عنه، أَنَّ النبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ شَرَابِ حَوْضِهِ، فَقَالَ: ((أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَالْآخَرُ مِنْ وَرِقٍ))؛ [رواه مسلم]؛ يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ؛ أي: يدفقان فيه الماء دفقًا متتابعًا شديدًا.
وعن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ إِلَى عَدَنَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَلَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ.))
•فَبعدَ أن يأخذَ الناسُ أماكِنَهم، ويقفُ كُلُّ منهم في موضِعه المحدَّدِ بحسبَ عملهِ، وليس للإنسان يومَ القيامةِ إلا موضعَ قدميه في أرضِ المحشرِ، يُصِيبُهم من الأهوالِ والشدائدِ مالا يُحتملُ، وتدنو الشمسُ من الرؤوس ويعرقُ الناسُ عرقًا شديدًا؛ كما في صحيح مسلم عن الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ رضي الله عنه، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((تَدْنُو الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ.)) قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَ اللَّهِ مَا أَدْرِى مَا يَعْنِى بِالْمِيلِ أَمَسَافَةَ الأَرْضِ، أَمِ الْمِيلَ الَّذِى تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟!
•فإنَّ أشدَّ ما يُعانيهِ الناسُ في ذلك الموقفِ الرَّهيبِ الطَّويل، انعِدامُ الماء، حتى يصلَ العطشُ بالناس مبلغًا عظيمًا، ويكونونَ في كربٍ عظيم، وظمأٍ شديد، تحترقُ أجوافُهُم عطشًا، وتلتهب حلوقهم؛ فَتشتدُّ بهم الحاجةُ إلى الماءِ!
•وتَرِدُ أُمَّةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على حوضِه؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، ولَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْ أُمَّتِي حَتَّى إِذَا أَهْوَيْتُ لِأُنَاوِلَهُمْ؛ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: يا رَبِّ أَصْحَابِي، فيُقَالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ.))؛ [متفق عليه]
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ.))؛ [متفق عليه]
•ويعرفُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أُمَّتَه من آثَارِ الوُضوءِ؛ فعنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه، أَنَّ رسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى المقبرةَ، فَقَال: ((السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَار قَومٍ مُؤْمِنينِ وإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّه بِكُمْ لاحِقُونَ، ودِدْتُ أَنَّا قَدْ رأَيْنَا إِخْوانَنَا)) قَالُوا: أَولَسْنَا إِخْوانَكَ يَا رسُول اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَنْتُمْ أَصْحَابي، وَإخْوَانُنَا الّذينَ لَم يَأْتُوا بعد)) قالوا: كيف تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسولَ الله؟ فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلا لهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحجَّلَةٌ بيْنَ ظهْريْ خَيْلٍ دُهْمٍ بِهْمٍ، أَلا يعْرِفُ خَيْلَهُ؟)) قَالُوا: بلَى يَا رسولُ اللَّهِ، قَالَ: ((فَإِنَّهُمْ يأْتُونَ غُرًّا مَحجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ، وأَنَا فرَطُهُمْ على الحوْضِ))؛ [رواه مسلم]، وفي رواية: قالوا: يا رَسولَ اللهِ، أتَعْرِفُنا يَومَئِذٍ؟ قال: ((نَعَم، لَكم سِيما ليست لأحَدٍ من الأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلينَ من أثَرِ الوُضوءِ.))؛ [رواه مسلم]
•وأوَّلُ من يَرِدُ الحوضَ من أمته صلى الله عليه وسلم هُم فقراءُ المهاجربن؛ فعن ثوبان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إِنَّ حَوْضِي مَا بَيْنَ عَدنَ إِلَى أَيْلَةَ، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، أَكَاوِيبُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَأَوَّلُ مَنْ يَرِدُهُ عَلَيَّ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، الدُّنْسُ ثِيَابًا، وَالشُّعْثُ رُءُوسًا، الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُنَعَّمَاتِ، وَلَا يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ.)) [رواه أحمد، والترمذي، وصححه الألباني]
•وهناك من رجال هذه الأمة مَنْ يُذادُ ويُدفَعُ عن الحوضِ دفعًا شديدًا؛ كما في الحديث: ((أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ أَلا هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ؛ فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا.))؛ [رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه]، وفي رواية: ((فَيُقَالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي.))، وفي رواية: ((فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ: رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِيْ مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ))
وعن أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((وَسَيُؤْخَذُ أُنَاسٌ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي، فَيُقَالُ: أَمَا شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟ وَاللهِ مَا بَرِحُوا بَعْدَكَ يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ.))؛ [رواه مسلم] وكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وهو من رواة الحديث يَقُولُ: "اللهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا، أَوْ أَنْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا."
نسأل الله العظيم أن يوفِّقَنَا أجمعين لِلُزُومِ السُّنَّة والتَّمسُّك بها.
الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ: الكَلَامُ عَنِ الصَّلَاةِ للَّهِ تَعَالى وَالنَّحرِ.
قَولُهُ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ}؛ قال ابن كثير رحمه الله: "أي: كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر الذي تقدم صفته فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونحرك، فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له."
وقال السعدي رحمه الله: "ولما ذكر منته عليه، أمره بشكرها، فقال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} خصَّ هاتين العبادتين بالذكر؛ لأنهما من أفضل العبادات وأجل القربات."
وقَولُهُ: {لِرَبِّكَ}؛ أي أَقِم الصَّلَاة خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تعالى.
قَولُهُ: {وَانْحَر}؛ أي وَاذْبَحْ ذَبِيحَتَكَ للهِ تعالى.
•وَالذَّبْحُ عِبَادَةٌ لا تكون إلا لله وَحدهِ؛ قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِين}
•فمن ذبح لغير الله تعالى فقد وقع في اللعن؛ عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ.))؛ [رواه مسلم]
•حتى ولو كان شيئًا يسيرًا؛ عن طارق بن شهاب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((دخل الجنة رجلٌ في ذباب، ودخل النار رجلٌ في ذباب)). قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: ((مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحدٌ حتى يُقرِّبَ له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرِّب. قال: ليس عندي شيء أقرَّب. فقالوا له: قرِّب ولو ذبابًا. فقرَّبَ ذبابًا فخلَّو سبيله فدخل النار. فقالوا للآخر: قرِّب. قال: ما كنت لأقرِّب لأحد شيئًا دون الله عز وجل: فضربوا عنقه فدخل الجنة.))؛ [رواه أحمد]
•بل حرَّمت الشريعة: أن يُذبَحَ لله في مكان يُذبَحُ فيه لغير الله تعالى؛ فَعَن ثابِتِ بْنِ الضَّحّاكِ رضي الله عنه قالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَنْحَرَ إبِلًا بِبُوانَةَ، فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنِّي نَذَرْتُ أنْ أنْحَرَ إبِلًا بِبُوانَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((هَلْ كانَ فِيها وثَنٌ مِن أوْثانِ الجاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟)) قالُوا: لا، قالَ: ((هَلْ كانَ فِيها عِيدٌ مِن أعْيادِهِمْ؟)) قالُوا: لا، قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ((أوْفِ بِنَذْرِكَ؛ فَإنَّهُ لا وفاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، ولا فِيما لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ.))؛ [رواه أبو داود، والحاكم، وصححه الألباني].
ومن صور الذبح لغير الله تعالى:
•مَا ذُبِحَ تقربًّا إلى غير الله من الأولياء وأصحاب القبور وغيرها.
•مَا ذُبِحَ للحم وذكر عليه اسمُ غيرِ الله.
•ما قُصِدَ بذبحه تعظيم مخلوق ميت أو حي.
•مَا ذُبِحَ استنزالًا للبركة في مكان لم يحدده الشرع أو عند قبر.
•ما يُذبَحُ عند نزول البيوت خوفًا من الجنِّ أن تصيبَه، أو طلبًا لنفع أو دفع ضر من الجنِّ؛ كما يفعله السحرةُ.
وَقَولُهُ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر}؛ استدل بها العلماء: على أَنَّ الْأُضْحِيَةَ لَا تُجْزِئُ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ فعن الْبَراءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَومِنَا هَذَا نُصَلِّي، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ.))؛ [متفق عليه]
قَولُهُ: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر}؛ أي: إِنَّ مُبْغِضَكَ يَا مُحَمَّدُ هو الَّذِي لَا عَقِبَ لَهُ، إذْ لَا يَبْقَى لَهُ نَسْلٌ، وَلَا حُسْنُ ذِكْرٍ، وَأَمَّا أَنْتَ فَتَبْقى ذُرِّيَّتُكَ وَحُسْنُ صِيتِكَ، وَآثَارُ فَضْلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك}
وقِيلَ: أنَّ الأَبْتَر: هو المنقطعُ عن كل خيرٍ في الدنيا والآخرة؛ فكل من ابغض النبيَّ صلى الله عليه وسلم، أو ابغضَ شيئًا من سُنَّتِهِ فهو داخلٌ في هذا الوعيدِ الشَّديدِ.
نسأل الله العظيم أن يسقيَنا من حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدًا.
#سلسلة_خطب_الجمعة
#دروس_عامة_ومواعظ
(دعوة وعمل،هداية وإرشاد)
قناة التيليجرام:
https://t.me/khotp