خطبة تربية الابناء ( الجزء الثالث )

الحَمْدُ للهِ مَالِكِ الْمُلْكِ يُؤْتِي المُلْكَ مَن يَشَاءُ، ويَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمِّنْ يَشَاءُ وَيُعِزُّ مَن يَشَاءُ، وَيُذِلُّ مَن يَشَاءُ، وأَشْهَدُ أن لا إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ بِيَدِهِ الْخيْرُ وهُوَ علَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمدًا عبدُهُ ورَسُولُهُ صَلَّى اللهُ علَيْهِ، وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أمَّا بَعْدُ :

فَاتَّقُوا اللهَ يَا عِبَادَ اللهِ، واعْلَمُوا أنَّ التَّقْوَى هِيَ خَيْرُ زَادٍ، قَالَ تَعَالَى : (( وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْألبَابِ)) ..

عِبَادَ اللهِ: تَكَلَّمْنَا في خُطْبَةٍ سَابِقَةٍ عَن صَلاحِ الأوْلادِ، وتَكَلَّمْنَا عَنْ الدُّعَاءِ بِصَلاحِهِم واخْتِيَارِ الأمِّ، والْحِرْصِ علَى التَّرْبِيَّةِ الإيمانِيَّةِ وتَعْوِيدِهِم علَى الصَّلاةِ، واخْتِيَارِ الرُّفْقَةِ الصَّالِحَةِ، والْعَدْلِ بَيْنَهُم وعَدَمِ الْخِلافِ والشقَاقِ أَمَامَهُم، والسُّؤالِ عنهم وغَيرِهَا مما ذكرنا، وهَا نحنُ الآنَ نُكْمِلُ مشوَارنا ، نَسْأَلُ اللهَ الإعانةَ .

عبادَ اللهِ: ومن أسبابِ صَلاحِ الأولادِ:

الرَّحمةُ بهم والعطفُ عليهم، فقد جَاء أعرابيٌ إلى النَّبي ﷺ ورآه يُقبِّلُ أبناءَه، فقال الأعرابيُّ: اتُقبِّلُون أبناءَكم فقالَ الرَّسولُ ﷺ : "نعم"، فقالَ الأعرابيُّ: إنَّ في صبيةً ما قَبَّلْتُهم، فقال النبيُّ ﷺ : "أو أَمْلكُ أنْ نزعَ اللهُ من قلبكَ الرَّحمةَ"، والرَّحمةُ مطلوبةٌ بشرطِ أن لا تؤدِّي إلى ضَياعِ شيءٍ من الواجباتِ.

 ايُّها الأبُ: نَوِّعْ العقوباتِ على الأولادِ إذَا اخْطَؤوُا، فمرَّةً يكونُ بالوَعظِ، ومرةً بالكَلامِ الطَّيبِ، ومرةً بالْهَمْزِ، ومرةً بالمنعِ مِن شيء. يحبُّونَهُ، ومرةً بالضَّربِ.

عبادَ اللهِ: الفراغُ والأولادُ مِن أعظمِ أسبابِ الانحرافِ خاصَّةً في الإجَازاتِ، فبَعْدَ فَراغِهِم من الدِّراسةِ يشعرُ الأولادُ بالفراغِ، فينبغِي إشغَالهُم بأشياءَ مُباحَةٍ.

إنَّ الشَّبابَ والفَراغَ والْجِدَةَ                                           مفسدةٌ للمرءِ أيُّ مفسدةٍ

ومِن أسبابِ انحرافِ الأولادِ: القسوةُ الدَّائمةُ بالمعاملةِ، أو التَّوبيخِ الدَّائمِ، أو التَّحقيرِ، أو السُّخْريَّةِ منهم أمامَ زُملائِهم، قالَ اللهُ تعالى: (( وَلَوْ كُنْتَ فَظًا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَا نْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )). قالَ بعضُ السَّلفِ: "لاعِبْ ابنكَ سبعًا وأدبْهُ سبعًا، وصَاحبهُ سَبعًا". وليحرصْ الأبُ على تعويدِ أولادِهِ على الأخلاقِ الفَاضلَةِ مِن الصِّدقِ في القولِ واحترامِ الآخرينَ والتَّرفُعِ عن سَفَاسِفِ الأمُورِ.

ويَنشَأ ناشِئُ الفِتيانِ منَّا                                             على ما كانَ عوَّدَهُ أَبُوهُ

قال الفيلسوفُ الأخلاقُ مِن غير دينٍ عبثٌ، وأصدقُ منه قولُه ﷺ "أكرمُوا أولادَكم وأحسِنُوا أدبَهم".

ومن أسبابِ انحرافِ الأولادِ إعجابُهم بالكفَّار ومحاولةُ تقليدِهم قالَ ﷺ : "مَن تشبَّهَ بقومِ فهو منهم" ، فنجدُ في بعضِ شبابِنَا أخْلاقًا غربيةً وقَصَّاتٍ عجيبةً وإطالةً للأظفَارِ، فاللهُ المستعانُ.

 ومِن أسباب الانحرافِ: السَّماحُ لهم بشراءِ المجلاتِ الماجِنَةِ ومطالعةِ القِصَصِ الْغريبةِ.

ومِن أسبابِ صَلاحِ الأبناءِ: تعليمُهم حياةَ الجدِّ والرُّجولةِ والابتعادُ عن التَّراخي والميوعَةِ والانحرافِ قال ﷺ : "احرصْ على مَا ينفعُك واستعنْ باللهِ ولا تعجزَنْ".

عبادَ اللهِ: يتصوَّرُ بعضُ الآباءِ وهم قلةٌ أنَّ التَّربيةَ خاصةٌ بالذُّكورِ فَقَط، فكما أنَّ للذكور حقًا في التَّربيةِ فكذلك للبناتِ حقٌ في ذلك، قالَ ﷺ: "مَن عالَ جَاريتين حتَّى تَبلْغَا جَاء يومَ القيامةِ أنَا وهو كهاتين" ، وضمَّ إصبعَيهِ. فعلينا أنْ نَهتمَّ بتربيةِ البناتِ كما نهتمُّ بتربيةِ الأولادِ. قال الضَّحاكُ: "حقٌ على المسلمِ أنْ يُعلِّمَ أهلَهُ".

عبادَ اللهِ: فلنجعلْ في بيوتِنا شيئًا مِن مجالسِ الذِّكرِ والعِلمِ.

ومِن وسائلِ التَّربيةِ: صلاةُ النَّافلةِ في البيتِ قالَ ﷺ : "خيرُ صلاةِ المرءِ في بيتهِ إلا المكتوبةُ ".

ومِن وسائل التَّربيةِ: التفريقُ بينهم في المضَاجعِ.

أيُّها الرجلُ: اتقِ اللهَ في بناتِك، فليستْ التربيةُ في توفير الطَّعامِ والشَّرابِ، نعم... أنت مطالبٌ بذلك لكن هناكَ مطالبٌ عاليةٌ، مطلبُ العفُّةُ والسَّلامةُ والكرامةُ، واحذرْ من الظَّنِ السَّيئِ في أهلِك، والحذَر من الثِّقةِ الزَّائدةِ، بل كُنْ وسَطًا وكِلا قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمٌ.

خذْ مثلًا على ذلك: الهاتفُ وسيلةٌ حضاريةٌ تختصرُ المسافاتِ وتوفِّرُ كثيرًا مِن الأوقاتِ لكنْ بعضًا ممن لا يتَّقُونَ اللهَ في أعراضِ المسلمين يُؤذُون المسلمينَ في عورَاتِهم ويحاولون اقتناصَ الفريسةِ عن طريقِ الهاتفِ، ويحاولُونَ أن يتكلَّمُوا مع الفتاةِ بكلامٍ معسولٍ، ثم تنجرفُ هذه المسكينةُ مع هذا الخبيثِ، فلله كم مِن بنتٍ زلَّتْ وذهبَ شرَفُها بسببِ مكالمةٍ هاتفيةٍ.

أخي الأبُ: إنَّ كلَّ جُرْحٍ له دواءٌ إلا جُرحَ العِرضِ والشَّرفِ، إنَّ أعراضَنا غاليةٌ علينا وهي تاجٌ فوقَ رُؤُوسِنا، إنَّ بعضَ الآباءِ وهم قلةٌ في مجتمعِنا يرضُون لبناتِهم أن يَخرجُنَ إلى الأسواق عارضَاتٍ مفاتِنِهنَّ مائلاتٍ مُميلاتٍ يَجُبنَ الأسواقَ طولًا وعرًضا غالبَ أيَّام الأسبوعِ لحاجةٍ وغيرِ حاجةٍ. فيجبُ للرجلِ أنْ يكونَ له قِوَامةٌ، فلا ينبغي للمرأةِ أن تخرجَ إلى السُّوق إلا في أضيقِ الظُّروفِ. قال تعالى: (( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِليَّةِ الْأولَى ))، وإنَّ شرَّ المساكنِ الأسواقُ.

أيُّها الرجلُ: أين غَيْرتُك علَى أهلِ بيتِك، وهُنَّ يَجُبنَ الأسواقَ طولًا وعرًضا فاتناتٍ مفتوناتٍ؟ أهذِه الأمانةُ! فإنَّ هذا مِن تضييعِ الأمانَةِ فاتَّقِ اللهَ. تخرجُ البنتُ إلى السُّوق عند الحاجةِ ومعها محرمُها غيرَ متزينةٍ بزينةٍ.

اللَّهم أهدِ أولادَنا وأصلحْهُم واجعلهُم مِن بعدنا خَلفًا صَالحًا. أقولُ ما تَسمعونَ وأستغفرُ اللهَ لي ولكم فاستغفرُوه انَّه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

الخطبة الثانية :

الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضَى. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولهُ ﷺ . تسليمًا كثيرًا، أمَّا بَعْدُ:

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ))

عِبادَ اللهِ ومِن الفتنِ: فتنةُ العينِ والنَّظرةُ حتى ولو لم تتكلمْ المرأةُ، وهناك خَطٌّ موصولٌ بين القلبِ والعينِ، ولذلك نحذرُ من النِّقابِ.

قال الشَّيخُ ابنُ عثيمين -رحمهُ اللهُ تعالى - محذِّرًا مِن النقابِ: "لا شكَّ أنَّ النقابَ معروفٌ في عهدِ النَّبي ﷺ ، ولكنْ في وقتنَا أصبحَ ذريعةً إلى التَّوسُّعِ، ولهذا لم نُفْتِ بجوازِ النِّقابِ للنِّساءِ لا مِن قريبٍ ولا مِن بعيدٍ" . انتهى كلامُه بتصرفٍ.

عبادَ اللهِ: ولا ينبغي التَّساهُلُ في بنتٍ قد سَرَتْ نحو البلوغِ وبدأَتْ تظهرُ على حسمِها علاماتُ الأنوثَةِ، وأصبحَتْ محطَّ أنظارِ الرِّجالِ ومع ذلك لا يأمُرُها والدُهَا بالحجابِ، والقَرارُ في البيتِ يظنُّها صغيرةً، فيطمَعَ الذي في قلبهِ مرضٌ.

ومِن أسبابِ صَلاحِ الأهلِ: عدمُ سفرِ المرأةِ إلا مع ذِي محرمٍ.

فلا يجوزُ سفرُها إلا مع محرمٍ لها، وهُو الذي لا يجوزُ أنْ ينكحَها ابدًا، حتى ولو كانت مع أُنَاسٍ ثِقَاتٍ، لقولهِ ﷺ : "لا تسافرُ المرأةَ إلا مع ذِي محرمٍ" . وبِهذهِ المناسبةِ أُنبِّهُ على مسألةٍ، وهي أنَّ بعضَ أولياءِ المرأةِ يُرسلُ أُختَهُ أو بنتَهُ أو زَوجَتَهُ في الطَّائرةِ بغيرِ محرمٍ بحجةِ أنَّ الطائرةَ مأمونةٌ. وقد أفتى بِهذه المسألةِ فضيلةُ الشَّيخِ محمدٌ بنُ عثيمينَ - رحمهُ اللهُ تعالى – "بأنَّهُ لا يجوزُ أنْ تسافرَ المرأةُ بدونِ محرمٍ، ولو في الطَّائرةِ حتى ولو وَدَّعَها قريبُها في المطارِ واستقبَلَها قريبٌ لها آخرُ في المطارِ، فهذا لا يجوزُ، لعمومِ قَوْلِهِ ﷺ: "لا تسافرُ المرأةُ إلا مع ذِي مَحْرَمٍ"، انتَهى بتصرفٍ.

عبدَ اللهِ: إنَّ المرأةَ أمانةٌ في عنقِكَ.

أصُونُ عِرضِي بمالي لا أدنِّسُهُ                                          لا باركَ اللهُ بعده بالمالِ

عبادَ اللهِ: لِنُعَلِّمْ أبناءَنا الحياءَ، لأنَّه يدلُّ على مكارمِ الأخلاقِ ومِن شُعبِ الإيمانِ، وقالَ ﷺ : "الحياءُ لا يأتِي إلا بخير"ٍ .

ومِن أسبابِ صَلاحِ الأولادِ: الشُّورَى بينَهْم، كمَا قالَ تعَالى: (( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر ِ)) ، فالشُّورَى تُعوِّدُ الأولادَ على تحمُّلِ المسؤوليةِ، والشُّورى تجعلُ الأولادَ يشعُرُون بدورِهم في الأسْرَةِ، فاحْرِصْ يا أيُّها الأبُ على تربيةِ أبنائِكَ تربيةً صالحةً حتى يَصلُحَ بهم المجتمعُ، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا اَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمِرُونَ )) .

ثم صَلُّوا وسلِّموا على مَن أمركُم اللهُ بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليه. اللَّهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وارضَ اللَّهم عن الخلفاءِ الأربعةِ، أبي بكرٍ وعمرُ وعثمانَ وعلِيٍّ ، وعَنَّا معهم بفضلِك وإحسانِك وجودِك يا ذا الجلال والإكرام.

اللَّهم أصلحْ أحوالَنا وأصلحْ أولادَنا، واجعلْهُم مِن بعدِنا خلَفًا صَالحًا، اللَّهم أصلِحْ لنا وأصلِحْ بِنَا، واجعلْ أولادَنا هادِين مَهدِيِّين يا ذا الجلال والإكرام. اللَّهم إنَّا نسألُك أنْ تُصلحَ أحوالَ أُمَّةِ محمدٍ في كلِّ مكانٍ، واغفرْ لآبائِنا وأُمَّهاتِنا يا ربَّنا يا أكرمَ الأكرمِين .

(( رَبَّنَا أتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآِخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )) ، (( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))، وصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وأصحابهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.

المرفقات

1770724145_خطبة تربية الأبناء(الجزء الثالث ).docx

1770724153_خطبة تربية الأبناء(الجزء الثالث ).pdf

المشاهدات 39 | التعليقات 0