خطبة تربية الابناء ( الجزء الثاني )
الشيخ منصور بن صالح الجاسر
خطبة تربية الأبناء ( الجزء الثاني )
(( الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَميِنَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ )). وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وليُّ الصَّالحين، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ سيِّدُ المرسلين صلَّى اللهُ عليه، وعلى آلِهِ وأصحَابِهِ وسلَّمَ تَسليمًا كَثِيرًا، أمَّا بَعْدُ:
فاتَّقُوا اللهَ يا عِبادَ اللهِ، واستمسِكُوا مِن الإسلامِ بالعُروَةِ الوُثْقَى، واعلمُوا أنَّ يَدَ اللهِ معَ الجمَاعةِ، ومَن شَذَّ شَذَّ في النَّارِ.
أيُّها المؤمنون: تَكلَّمنَا في الخطبةِ السَّابقَةِ عن تَربِيَةِ الأولادِ، وقُلْنَا أنَّ الأولادَ هُم ثِمَارُ القُلوبِ وعِمَادُ الْخُطُوبِ بإذنِ اللهِ، طِفْلٌ يملأ العينَ قُرَّةً والقَلْبَ مَسَرَةً حاجةُ الأُمَّةِ إليهم أَصْفِيَاءَ العقِيدةِ أقوِيَاءِ الأبْدَانِ أذكِيَاءَ العُقُولِ.
وذَكرْنَا مِن وسَائِل التَّربيةِ: الدُّعاءُ بِصَلاحِهم، واختِيَارُ الأُمِّ، وإقامَةُ حُقُوقِ الأولادِ، وذَكَرْنَا بعضَ أَحْكَامِ المولُودِ مِن التَّحنِيكِ، والْعَقِيقَةِ وتَحْصِيلِ الاسْمِ، وهَا نحنُ نُكمِلُ بإذنِ اللهِ تعالى الأُمورَ الَّتي تُعينُ الأبَوَيْن علَى تَربِيَةِ أَولادِهِم.
فعلَى الأبَوَيْنِ اسْتِشْعَاُر الْمَسْؤُوليَّةِ، مَسْؤُوليَّتُهُم تِجَاهَ أَبْنَائِهِم، قالَ بعضُ العُلمَاءِ: "إنَّ اللهَ سُبحانهُ وتَعَالى يَسْألُ الْوَالِدَ عَن وَلَدِهِ قبلَ أنْ يسألَ الْوَلدَ عَن وَالِدِه، قالَ تعَالى: (( يُوصِيكُم اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ )) . فَمَتَی شُخِّصَ الْمَرضُ سَهُلَ العِلاجُ.
إنَ صَلاحَ الولَدِ يَنْفَعُ وَالِدَهُ حَيًّا ومَيِّتًا قالَ ﷺ: "إذَا مَاتُ ابنُ آدَمَ انقَطَعَ عَمَلُهُ إلا مِن ثَلاثٍ، وذَكَرَ أو وَلَدٌ صَالِحٌ يَدعُو لَهُ".
ثُمَّ يبدَأُ الأَبَوَانِ بالتَّربيةِ واعلمُوا يا رَعَاكُم اللهُ أنَّ الحدِيثَ عن التَّربيَةِ بَحْرٌ لا سَاحِلَ له، فعلَى الوَالدَيْنَ أنْ يَنْطَلِقَا إلى نَظرَةٍ بَعِيدَةٍ إلى أولادِهِم فيَحْرِصَا على التَّربيةِ الصَّالِحَةِ لأنَّ الأولادَ أمَانَةٌ في عُنُقِ الْوَالِدَينِ، قالَ تَعَالى (( إِنَّا عَرَضْنَا الْأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا )).
عِبادَ اللهِ: ومِن وسائِلِ تَربِيَةِ الأولادِ: الْحِرصُ على التَّربيّةِ الإيمانِيَّةِ، وهِيَ رَبْطُ الْوَلَدِ مُنْذُ صِغَرِهِ بأُصُولِ الإيمانِ، وتَعْليمه أركَانِ الإسلامِ، وأَرْكَانَ الإيمانِ، وتَعرِيفُهُ ببعضِ النِّعَمِ الَّتي أَعْطَاُه اللهُ إيِّاهَا.
فَمَثلًا: عِنْدَ الطَّعَامِ تُخْبِرُ وَلَدَك أنَّ اللهَ هو الَّذِي رَزَقَنا وأعطَانَا هذَا مِن هم حَوْلٍ مِنَّا ولا قُوَّةٍ، وإذَا مَرِضَ تُعَوِّدُهُ الدُّعَاءَ قبلَ الذهَابِ إلى الطَّبِيبِ لِيَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ باللهِ، ويَتَعَلَّمُ مَحَبَّةَ اللهِ، وعَلِّمْهُ حُبَّ الرَّسُولِ ﷺ.
أيُّها الأبُ: ومِن حُقُوقِ التَّربيَةِ تَعْليمُ ولَدِكَ الصَّلاةَ مُنْذُ الصِّغَرِ حتَّى يَتَعَوَّدَ عَلَيهَا، وتَسْهُلَ عليه عندَ الْكِبَرِ قالَ تعَالَى: ((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ))
وقال ﷺ : "عَلِّمُوا أَوْلادَكُم الصَّلاةَ إذَا بَلَغُوا سَبْعًا، واضْرِبُوهُم عَلَيْها إذَا بَلَغُوا عَشْرًا" ، فيَتَعَلَّمَ أَحكَامَهَا ويَنْشَأَ عَلَيهَا. بَعْضُ الشَّبَابِ حينَمَا سُئِلَ عن تَرْكِهِ الصَّلاةِ، فيَقُولُ: أنَا لا أَستَطِيعُ أنْ أُصَلِّي، لأنَّي لم أَتَعَوَّدُ عَلَيْهَا مُنْذُ الصِّغَرِ، لِذَا وَجَبَ علَى الأَبِ أنْ يُعَوِّدَ أولادَهُ علَى الصَّلاةِ، ويُعَلِّمُهُم آدَابَ الْمَسْجِدِ لِئَلا يُزْعِجُوا الْمُصَلِّينَ .
أيُّها الأبُ الْمُبارَكُ، كمَا أنَّك حَريصٌ على ذِهَابِ أَوْلادِكَ للمَدرَسَةِ، ولا تَرضَى أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنها، وهذَا لا تَثْرِيبَ عليكَ فيهِ، فَلْتَكُن حريصًا على ذَهَابِ أبنائك إلى المسجد، ولا يَتَخَلَّفُوا عن الصَّلاةِ.
أيَّها الآبُ : إنَّ حضُورَ الأولادِ للمَسَاجِدِ وهُو التَّنشِئَةُ الْحَقِيقِيَّةُ على الطَّاعَةِ، فلمَاذَا بَعْضُ الآبَاءِ يَتَرُكُونَ أولادَهُم يَجُوبُونَ الشَّوَارِعَ ويَسْتَخْفُونَ في الْبُيُوتِ ولا يُقِيمُونَ للصَّلاةِ وَزْنًا ؟ .
عبادَ اللهِ: بسببِ إهمَالِ بَعْضِ الآبَاءِ، وُجِدَ مِن شَبَابِنَا مَن لا يَعْرِفُ اللهَ ولا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ إلى المسجِدِ، وإنَّ مِنْهُم مَن يُصَلِّي مُجَامَلَةً فَيُصَلِّي بلا وُضُوءٍ، إنَّ الْخيرَ كلَّهُ في الصَّلاةِ، فلنُعِّودْ أبنَاءَنَا على الصَّلاةِ مُنْذُ الصِّغَرِ لِيَسْهُلَ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا.
عبادَ اللهِ، ومِن وَسَائِلِ التَّربِيَةِ الْعَظِيمَةِ : الْقُدْوَةُ الصَّالحةُ ، فالابنُ يُحبُّ أنْ يُقَلِّدَ أبَاهُ ، فاتَّقِ اللهَ أيُّها الآبُ وكُنْ قُدوَةً صَالحةً .
ومِن وسَائِلِ التَّربيَةِ: اخْتِيَارُ الرُّفْقَةِ الصَّالحةِ للابنِ، لأنَّ الأبنَ بِطَبِيعَتِهِ يَحتَاجُ إلى مَن يُؤَانِسُهُ ويُجَالِسُهُ، فاختَرْ لابنِكَ الرُّفقةَ الصَّالحةَ ..
قالَ بعضُ السَّلفِ: "أَخْبِرْنِي مَن تُجَالِسُ، أُخْبِرُكَ مَن تَكُونُ"، ومَا أَحْسَنَ قَوْلَ الشَّاعِرُ:
عَن المرْءِ لا تَسْأَلْ وسَلْ عَن قَرينِهِ فَكُلُّ قَرين بِالمُقارِنِ يَقتَدِي
وأَصْدُقُ منه قولُهُ ﷺ : "الْمَرْءُ على دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدكم مَن يُخَالِلُ"
فَلْيَحذَرِ الآبُ أنْ يكونَ أبناؤُهُ في صُحبةٍ سَيئةٍ، ولْيَبحَثِ الآبُ عن الرُّفقةِ الصَّالحةِ، فكم ابنًا ضَلَّ ؟ ، وكم ابنًا ضَاعَ ؟ بسببِ رُفَقَاءِ السُّوءِ.
أيُّها الآبُ: اسألْ من رُفَقَاءِ ابْنِكَ، واحذَرْ مِن تَأَخُّرِهِم عَن الْبَيْتِ، واعلَمْ أنَّ الجليسَ يُؤثِّرُ على جَلِيسَهِ.
ومَن رَعَى غَنَمًا في أَرْض مُسْبَعَةٍ فنَامَ عنهَا تَوَّلى رِيعَها الأُسُودُ.
أيُّها الآبُ: رَاقبْ أولادَكَ مَع من يَجْلسُون، ومَن يُخَالِطُون، ومَع مَن يَذْهَبُون وإلى أيِّ الأمَاكِنِ يَرْتَادُون، فاحذَرِ الاهْمَالَ والتَّفْرِيطَ والتَضْبِيعَ.
عبادَ اللهِ: الضَّربُ ليس هو الوسيلةُ الوَحيدَةُ في التَّربيةِ، بل يُستخدَمُ بِقَدَرٍ، والأبُ كالطَّبيبِ والضربُ كالعِلاجِ، فَيُستَخدَمُ بقَدَر وعلى الأبِ أنْ يُنوِّعَ العِقَابَ مِن الهَجرِ ومِن الْحرِمَان بعضَ الشِّيْءِ.
ومِن وسَائِلِ التَّربيةِ: لَمْلَمَةُ الخلافِ بين الوالِدَينِ، فإنَّ استمرَارَ الخلافِ والنزاعِ بينَ الوالِدَين خاصَّةً في حُضُورِ الأبْنَاءِ يُوجِبُ رَدَّةَ فِعلٍ تُوثِّرُ على نفُوسِهم، فعلَى الوالِدَين أنْ يُلَمْلِمَا ما يَسْتَطِيعا مِن خِلافٍ خَاصَّةً عندَ حُضُورِ الأولادِ.
ومِن أسبَابِ انْحرَافِ الأولادِ: انْشِغَالُ الوَالِدَيْنِ عَن أَبْنَائِهِم، فَأَيُّ عَمَلٍ لا يُمكِنُ أنْ يكونَ عُذرًا في انْشِغَالِ الأبِ عن تَربيةِ أبْنَائِهِ، بلْ إنَّك تَعْجَبُ من بَعْضِ الآبَاءِ انَّهُ لا يعلَمُ من أولادِهِ الْيَوْمينِ والثَّلاثَةَ أو أَكْثَرَ، وللهِ دَرُّ القَائِلِ :
لَيْسَ اليَتِيمُ مَن انْتَهى أَبَوَاهُ مِن هَمِّ الحيَاةِ وخَلَّفَاهُ ذَلِيلًا
إنَّ اليَتِيمُ هُو الَّذِي تَلْقَى له أُمًّا تخلَّتْ أو أبًا مَشْغُولًا
ومِن أسبَابِ انْحِرَافِ الأولادِ: عَدَمُ الْعَدْلِ بَيْنهُم، قالَ ﷺ "اتَّقُوا اللهَ واعْدِلُوا بينَ أولادِكُم" ، فاحْرِصُوا يَا رعَاكُم اللهُ على الْعَدْلِ بينَ أولادِكُم، فلقَدْ كانَ السَّلَفُ يَعْدِلُونَ بينَ أولادِهِم حتَّى في الْقُّبَلِ .
ومِن أَسْبَابِ الانْحِرَافِ: إعْطَاءُ الأولادِ الأمْوَالِ الْكَثِيرَةِ بِلا رَقيبٍ ولا حِسَابٍ أو شِرَاءِ سَيَّارِة لهُم بلا رقيبٍ، فَتَجِدُ أنَّ هذا الابنَ يَجُوبُ بالسَّيارةِ الشَّوارعَ ويُؤْذِي عِبادَ اللهِ، فإنْ كانَ ابْنُك مُحتَاجًا إلى السَّيَّارَةِ فَأَعْطِهِ إيَّاهَا عندَ الحاجَةِ مع مُراقَبَتَكَ له، والحذَرَ مِن أَذِيِّةِ عبادِ اللهِ.
ومِن أسَبابِ صَلاحِ الابْنِ : السُّؤالُ عِن ابْنِكَ في المدرَسَةِ، وعَن سُلْوكهِ وعن تَعَامُلاتِهِ.
أيُّها الأبُ الْمبارَكُ: لَيْسَتِ التَّربيةُ هِي تَوفِيرُ الطَّعامِ والشَّرابِ فَقَط، فهذَا جُزءٌ مِن التَّربيةِ لكنِ التَّربيةُ الْحَقِيقَيَّةُ يومَ أنْ تُّخْرجَ ابنَكَ صَالحًا يَدْعُو لكَ ويَنْفَعُ اللهُ به أهلَهُ وبِلادَهُ ومُجْتَمَعَهُ. إنَّ الآبَ الْمُدْرِكَ هُو الَّذِي يُراقِبُ أَبْنَاءهُ، ويُراعِي مُسْتَواهُم ويَدْنُو منهم ويَتَحَبَّبُ إليهم.
يَا أيُّها الأبُ الْمُبَارَكُ : لا مانع أنْ تَقْرأَ في الْكُتُبِ في مَوْضُوعِ التَّربيةِ وتَسْتَمِعَ إلى الأشْرِطَةِ لتُطَوِّرَ نَفْسَك في ذلك، لأنَّ التَّربيةَ خَاصَّةً في هذَا الزَّمَنِ أَصْبَحتْ مِن الأمُورِ الشَّاقَّةِ، ولَكِنْ أجْرُها عَظِيمٌ.
قالَ بعضُ السَّلفِ: "لاعِبْ ابْنَكَ سَبْعًا، وأَدِّبْهُ سَبْعًا، وصَاحِبْةُ سَبْعًا.
أَعُوذُ باللهِ مِن الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ))..
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، والَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وأَخْرَجَ المرعَى. وأشهدُ أن لا إلَهَ إلا الله ُوحدَهُ لا شَريكَ لَهُ يعلَمُ السِّرَّ وأَخْفَى، وأَشْهَدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورَسُولُهُ، وجدَهُ رَبُّهُ ضَالًا فَهَدَى، وعَائلًا فَأغَنَى، ويَتِيمًا فَآوَى، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كَثِيرًا، أمَّا بَعْدُ:
فاتَّقُوا اللهَ أيُّها المسلِمُونَ، وَرَاقِبُوه وقَدِّرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ واخْشَوْه حقَّ خَشْيَتِهِ، ((وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولُهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ )).
في مِثْلِ هذِهِ الأيَّامِ الْبُيُوتُ تُعْلِنُ حَالةَ الاسْتِنْفارِ الْقُصْوَى ، الْوَلائِمُ والْمُنَاسَبَاتُ تَتَوَقَّفُ، والاسْتِرَاحَاتُ والسَّهراتُ تُلْغَى، الأبَاءُ في هَمِّ والأمَّهاتُ في غَمِّ والْكُلُّ تَتَسَاوَرُهُ المخَاوِفُ والقلَقُ، لماذَا؟ لأنَّ الامِتحَانَاتِ سَتَبْدَأُ غدًا وفي بداية الامتحَانَاتِ، لابُدَّ مِن وَقَفاتٍ:
الوقفةُ الأُولَى: إلى الأبِ الْمُبارَكِ.
ايُّها الآبُ العَزيزُ : أُكْبِرُ فِيكَ حِرْصَكَ علَى أَبْنَائِكَ، واهْتِمَامِكَ بأُمُورِهِم الدِّرَاسِيَّةِ والْحَيَاتِيِّةِ، وبَذْلِكَ أَمْوَالَكَ وأَوْقَاتَكَ في سَبِيلِ تَهْيئَةِ الظُّرُوفِ المنَاسِبَةِ لَهُم لِيَشُقُّوا طَريقَ الطَّلبِ ويَصِلُوا إلى نُقْطَةِ الَعَمَلِ، ولنْ يُضِيِّعَ اللهُ أَجْرَك بإذنِ اللهِ تَعَالَى.
لكن أيُّهَا الأبُ ألَا ُتَشاركُني أنَّ هُناك إفراطًا وتَفريطًا في رعَايَةِ الآبَاءِ لأبنائِهم أيَّامِ الامتحاناتِ، فهُناكَ مَن لا يكترثُ بِها ولا يَهُمُّه كثيرًا إنْ نجحَ أولادُه أو أخفَقُوا.
بينمَا بيتٌ آخرُ يُبالِغُ في هذا حتَّى يَبلُغَ حدَّ الإسرافِ، حتَّى إنَّ الابنَ يُصبحُ في هَمِّ وقَلَقٍ لا مِن أجْلِ الامتِحَانَاتِ، ولَكِنَّهُ مِن أجْلِ الشَّدِّ النَّفْسِي.
فالمتابعَةُ مَع اللِّينِ والحكمَةِ والتَربيةِ والتَّوجِيهِ في الطَّريقةُ الْمُثْلى لصَلاحِ الأولادِ واستِفَادتِهم بإذنِ اللهِ تعالى .
أما الوقفةُ الثانيةُ: أيُّها الأبُ هناك قضيةٌ أفلَقَتْ الغَيُورِينَ وأشغلَتْ بالَ رِجَالِ الأمْنِ والمحتَسِبِينَ، إنَّها قضيةٌ تَكثُر في الامتحاناتِ، وهي قضيةُ ما بعد الْخُروجِ من قاعَاتِ الامتِحَانِ.
أيُّها الآبُ المباركُ: الم يُثِرْ اهتمامَك ويَشْغَلْ بَالَك ما يحدثُ لأبنائِنا وبناتِنا بعد خُروجِهم من الامتحانَاتِ.
إنْ كنتَ تَدرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ وإنْ كَنْتَ لا تَدْرِي فالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُ
إنَّ خروجَ بناتِنا وأبنائِنا مِن مَدارسِهم في أوقاتٍ متفاوتَةٍ وبصورةٍ غَيرِ جَماعيةٍ خَاصةً بعضُ البناتِ يَجَعُلهن عُرضَةً للذِّئابِ البشريةِ ممن قَلَّ حياؤُهم واستطالَ شرُّهُم، وجعلُوا مُهمَّتَهم التَّحرُّشَ وأذيَّةَ بناتِ المسلمين ومُضَايقتَهُن بكلمةٍ أحيانًا أو برسَالةٍ مختصرةٍ.
فانتَبِهُوا أيُّها الآباءُ لهذِهِ المخاطِرِ وإيَّاكُم والتَّفرِيطَ، فاسأَلُوا عن ابنائِكُم وبِنَاتِكم متَى تخرجونَ ؟ واحرصوا على متابعتَهم ، وحَذِّروهم مِن الْمُشاجرَاتِ والمنازَعَاتِ التي تحصلُ بعد الامتحاناتِ.
أيُّها الأبُ المباركُ إني أَستأذِنُك في وقفةٍ وفي حديثٍ أُوَجِّهُةُ للأولادِ قائلًا لَهُم: اتَّقُوا اللهَ ويُعلمُكم اللهُ، ومَن يَتَّقِ اللهَ يجِعَلْ لهُ مخرجًا، ومَن يَتَوَكَّلْ على اللهِ فهو حَسْبُهُ.
أيُّها الطُّلابُ: إذا سألْتُم فاسألُوا اللهَ، وإذا استَعَنْتُم فاستعِينُوا باللهِ واحْفظُوا اللهَ يحفَظْكُم، واذكرُوهُ يَذكُرْكُم، تَعَرَّفُوا إلى اللهِ في الرَّخَاءَ يَعْرفْكُم في الشِّدَّةِ والإخفَاقُ في الدُّنيا أهونُ مِن الفضيحةِ في الآخرة. "ومَن غشَّنا فليسَ مِنَّا".
احذرُوا يا أبنائِي الطُّلابَ الْمُنِّبَهاتِ، فهي طريقٌ إلى المخدرَاتِ، وإيَّاكم السَّهرَ الطَّويلَ فإنَّهُ متعبٌ للجسدِ مُهلكٌ للذِّهنِ، وإذا حَزَبَكُم أمرٌ فافزَعُوا للصَّلاةِ، كمَا كانَ حبيبُكُم ﷺ يفعلُهُ (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )) ، وإذَا استَغْلَقَتْ عليكم مسألةٌ فأكثِرُوا مِن الاستغفَارِ.
يا معشَرَ الطُّلابِ: خذُوا بأسبابِ النَّجاحِ والصَّلاحِ والتَّوفيقِ والفَلاحِ . لا تعتَمِدُوا على الذَّكاءِ ولا على النبُّوُغِ والفَهمِ فَقَطْ، ولكن تَوكَّلُوا على الْحَيِّ الذِي لا يموتُ وسَبِّحُوا بحمِّدِهِ، فمَن تَوَكَّلَ على اللهِ كَفَاُه ، ومَن استعانِ باللهِ أعانَهُ.
عبادَ اللهِ: لم يَتِم مَوْضُوعُنا، فَفِي الجمعَةِ الْقَادِمَةِ إنْ أَمَدَّ اللهُ في الْعُمرِ وأَنْسَأَ في الأجَلِ، نُكْمِلُ بَعْضَ الإشَارَاتِ والرُّؤَى في تَربيةِ أبنَائِنَا رَزَقَنا اللهُ بِرَّهُم، وأصلَحَ أحْوَالَهُم وجعلَهُم قُرَّةَ عَيْنٍ لي ولَكُم. فاسْتَغْفِرُوا اللهَ إنهُ هُو الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . اللَّهم إنَّا نسألُك في هذا المقامِ المبَارَكِ أنْ تُوفِّقَ أبناءَنَا في امتحَانَاتِهم، وأنْ ترزُقَهم عالي الدَّرجاتِ في الدُّنيا والآخرةِ، وارزُقْهُم التَّفَوُّقَ يا أرْحَمَ الرَّاحمين، واجعَلْهُم يا ذا الجلال والإكرام قُرَّةَ عينٍ لنا يا حيُّ يا قيومُ.
اللَّهم أصلِحْ أولادَنا واجعلْهُم قُرَّةَ عينٍ لنا يا ربَّ العالمين. اللَّهم اكْفِهِم شرَّ الأشرارِ وكيدَ الفُجَّارِ ما اختلفَ اللَّيلُ والنَّهارُ يا ذا الجلال والإكرام. اللهَّم أصلحْ أَحوالنا، ويَسِّرْ أُمورَنا، واقْضِ دُيونَنا، واشْفِ مرضَانَا، وكْشفْ هُمُومَنا، وارْحَمْ مَوتَانا يا ذا الجلال والإكرام يا حيُّ يا قيومُ. اللَّهم إنَّا نسألُك الْهُدَى والتُّقى والعَفَافَ والغِنَى ...
اللهم وفقْ ولِيَّ أمرِنَا لما تُحبُّ وترضى، وهَيِّئْ له الجلساءَ النَّاصحين. اللَّهم اغفر لآبائِنا وأُمَّهاتِنا، واجمعْنَا بهم في دارِ الكرامَةِ يا حيُّ يا قيومُ يا أرحمَ الرَّاحمين يا ذا الجلال والإكرام. اللَّهم صلِّ وسلِّم على نَبيِّنَا محمدٍ.
عِبادَ اللهِ: (( إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )). فاذْكُرُوا اللهَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُم، واشْكُرُوهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُم، ولَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ واللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .
المرفقات
1770723957_خطبة تربية الأبناء(الجزء الثاني ).docx
1770723965_خطبة تربية الأبناء(الجزء الثاني ).pdf