خُطْبَةُ عِيْدِ الأَضْحَى
وليد بن إبراهيم بن علي جعر
✦ ✦ ✦ الخُطْبَةُ الأُولَى✦ ✦ ✦
إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا. من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ آل عمران [102]
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ النساء [1]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ الأحزاب [70، 71]
أما بعد:
فاتقوا اللهَ، عبادَ الله، حقَّ التقوى، واعلموا أنكم في يومٍ عظيمٍ من أعظمِ أيامِ الله؛ يومِ النحر، يومِ الحجِّ الأكبر، يومٍ تعظمُ فيه الشعائر، وترتفعُ فيه الأصواتُ بالتكبير، وتجتمعُ فيه القلوبُ على ذكرِ الله وشكرِه.
اللهُ أكبرُ كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا، وسبحانَ اللهِ بُكرةً وأصيلًا.
ومن أعظمِ ما يُشرعُ في هذه الأيامِ المباركة: الإكثارُ من التهليلِ والتكبيرِ والتحميد، كما جاء في الحديث: «فأكثروا فيهنَّ من التهليلِ والتكبيرِ والتحميد».
ومن أشهرِ صيغِ التكبير: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد».
﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المؤمنون: العيدُ في الإسلام ليس لهوًا مجردًا، ولا فرحًا خاليًا من الإيمان، بل هو عبادةٌ وشكرٌ وتعظيم، وفيه تظهرُ هويةُ الأمةِ واعتزازُها بدينِها.
فعيدُنا عيدُ توحيدٍ وتكبير، وصلةٍ وإحسان، ومحبةٍ وائتلاف، لا عيدَ غفلةٍ ومعصيةٍ وإسراف.
فما أجملَ العيدَ حين تمتلئُ المساجدُ بالمكبرين، والبيوتُ بالذكر، والقلوبُ بالمحبةِ والصفاء.
وكم من فقيرٍ ينتظرُ لقمةً، وابتسامةً، وكلمةً طيبة؛ فارحموا الضعفاء، وصلوا الأرحام، وأصلحوا ذاتَ البين، فإن العيدَ فرصةٌ لتصافي القلوبِ واجتماعِها.
الله أكبرُ ما لبَّى ملبٍّ وكبَّر، الله أكبرُ ما طاف بالبيتِ طائفٌ واستغفر.
أيها المؤمنون: إن عيدَ الأضحى يربطُنا بقصةٍ من أعظمِ قصصِ الإيمان؛ قصةِ إبراهيمَ الخليلِ عليه السلام، ذلك النبيِّ الذي ابتلاه اللهُ بأعظمِ ابتلاء.
رُزقَ الولدَ بعد سنينَ طويلةٍ من الانتظار، ثم لما بلغ معه السعيَ جاءه الأمرُ من السماء: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾.
تأملوا، يا عبادَ الله.
لم يكنْ مشهدَ ذبحٍ فقط، بل كان مشهدَ إيمانٍ وتسليمٍ ويقين.
أبٌ يقدمُ أمرَ الله على عاطفةِ الأبوة، وولدٌ يمضي مطمئنَّ القلبِ ثقةً بربِّه.
فماذا كان جوابُ الابنِ الصالح؟
﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
الله أكبر! أيُّ إيمانٍ هذا؟! وأيُّ يقينٍ هذا؟! وأيُّ تسليمٍ لربِّ العالمين؟!
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾.
فلما صدقا مع الله، خلَّد اللهُ ذكرَهما، وجعل هذه الشعيرةَ باقيةً في الأمةِ إلى يومِ القيامة.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المؤمنون: إن دينَ الله يريدُ منا أن نضحيَ بالمعاصي والشهوات، وأن نقدمَ طاعةَ الله على هوى النفوس، وأن نكونَ كما أراد اللهُ لنا؛ عبادًا مسلمين، مستسلمين لأمرِه.
فما قيمةُ الأضحية إذا ذُبحتِ البهيمة، ولم تُذبحِ الذنوبُ والخطايا؟!
وما قيمةُ العيد إذا فرحتِ الأجساد، وبقيتِ القلوبُ بعيدةً عن الله؟!
فالمؤمنُ يضحي بهواه من أجلِ رضا الله، ويضحي براحتِه لطاعةِ ربِّه، ويضحي بنومِه للصلاة، وبراحتِه لبرِّ والديْه، وبمالِه للصدقةِ والإحسان، ويقدمُ مرضاةَ الله على شهواتِ النفس.
الله أكبرُ ما خضع قلبٌ لله واستسلم، والله أكبرُ ما فاضت عينٌ من خشيته وندم.
عباد الله: ليستِ الأضحيةُ ذبحَ بهيمةٍ فقط، بل هي شعيرةُ إيمانٍ وتقوى، ومدرسةُ إخلاصٍ وتسليم.
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾.
وكلما عظمتِ التضحيةُ لله، عظم الأجرُ والثوابُ والفتحُ من الله.
واعلموا، رحمكم الله، أن ذبحَ الأضاحي من أفضلِ القرباتِ في هذه الأيام، وقد ضحى النبيُّ ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمَّى وكبَّر.
فضحوا، عبادَ الله، وطيبوا بها نفسًا، وأطعموا الفقراءَ والمساكين، وأظهروا شكرَ الله على نعمِه.
أيها المسلمون: إن من أعظمِ نعمِ الله على العباد: نعمةَ الأمنِ والاجتماعِ والائتلاف.
والأممُ لا تسقطُ فجأةً، ولكنها تتفككُ حين تضعفُ ديانتُها، ويقلُّ تعظيمُها لربِّها، وتتنازعُ قلوبُها.
فتمسكوا بدينِكم، واعتصموا بحبلِ ربِّكم، والزموا الجماعة، واحذروا الفرقةَ والنزاع.
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين؛ فاستغفروه، إنه هو الغفورُ الرحيم.
✦ ✦ ✦ الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ ✦ ✦ ✦
الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن نبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المؤمنون: هذه الأيامُ أيامُ ذكرٍ وشكرٍ وتعظيمٍ لله، أيامُ تهليلٍ وتكبيرٍ وتحميد. قال نبيكم ﷺ: «أيامُ التشريقِ أيامُ أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله».
فأكثروا من ذكرِ الله في هذه الأيامِ المباركة، وزينوا عيدَكم بالطاعةِ والإحسان، وإياكم والمعاصي والغفلة؛ فإن العبدَ قد يبني بالطاعةِ صرحًا عظيمًا، ثم يهدمُه بذنبٍ وغفلة.
الله أكبر ملءَ السماواتِ والأرض، وملءَ ما شاء ربُّنا من شيءٍ بعد.
عباد الله: إن من أعظمِ مقاصدِ هذا العيد نشرَ المحبةِ والتراحمِ بين المسلمين، وإظهارَ التكافلِ والإحسان.
فلا يكوننَّ العيدُ للأغنياءِ وحدهم، بل ليفرحْ به الفقراءُ والمساكينُ والأيتامُ والمحتاجون.
تفقدوا أحوالَ المعسرين، وأطعموا الجائعين، وأدخلوا السرورَ على المنكسرين؛ فإن من أعظمِ العباداتِ في العيد إدخالَ السرورِ على المسلمين.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المؤمنون: إن من شكرِ النعم شكرَ من كان سببًا في تيسيرِها وإظهارِها.
فادعوا لإخوانِكم القائمين على خدمةِ ضيوفِ الرحمن، من رجالِ الأمن، والقواتِ المشاركة، والكادرِ الصحي، ومنسوبي شؤونِ الحرمين، والمتطوعين والعاملين.
يبذلون جهودَهم؛ ليلقى الحاجُّ أمنًا وراحةً وطمأنينة، ويسَّر اللهُ بهم شعيرةً من أعظمِ شعائرِ الإسلام.
يسهرون بينما ينامُ الناس، ويخدمون الحجاجَ شرفًا واحتسابًا؛ فاللهم اجزِهم خيرَ الجزاءِ، وباركْ في جهودِهم، واخلفْ عليهم بالخيرِ والعافية.
هذا، وصلوا وسلموا، رعاكم الله، على محمدِ بنِ عبدِ الله، كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
وقال ﷺ: «من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا».
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدِك ورسولِك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وارضَ اللهم عن الخلفاءِ الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابةِ أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنا معهم بمنِّك وكرمِك وإحسانِك، يا أكرمَ الأكرمين.
اللهم لك الحمدُ على ما هديتَ وأعطيتَ ووفقتَ ويسرتَ، ولك الحمدُ على ما أوليتَ وأنعمتَ وسترتَ.
اللهم اجعل عيدَنا هذا عيدَ خيرٍ وإيمان، وأمنٍ وأمان، ورحمةٍ ومغفرة، وعزٍّ للإسلامِ والمسلمين.
اللهم تقبلْ من الحجاجِ حجَّهم، ومن المضحين ضحاياهم، ومنا ومنهم صالحَ الأعمال.
اللهم اغفرْ للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياءِ منهم والأموات.
اللهم أصلحْ أحوالَ المسلمين، واجمعْ كلمتَهم على الحقِّ والهدى، وادفعْ عنهم الفتنَ ما ظهر منها وما بطن.
اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، وانصرْ عبادَك الموحدين، واحمِ حوزةَ الدين.
اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا رخاءً، وسائرَ بلادِ المسلمين، يا ربَّ العالمين.
اللهم وفقْ خادمَ الحرمين الشريفين الملكَ سلمانَ بنَ عبد العزيز، ووليَّ عهده الأميرَ محمدَ بنَ سلمان، لما تحبُّ وترضى، وأعنْهم على البرِّ والتقوى، واجزِهم عن الإسلامِ والمسلمين خيرَ الجزاء.
اللهم أجزِلْ لهم الأجرَ والثوابَ على ما يبذلونه للحرمين الشريفين وقاصديهما من الحجاجِ والمعتمرين والزائرين.
اللهم واجزِ جميعَ العاملين في خدمةِ ضيوفِ الرحمن خيرَ الجزاء.
اللهم انصرْ رجالَ أمنِنا وجنودَنا على ثغورِنا، وكنْ لهم عونًا ونصيرًا، ومؤيدًا وظهيرًا؛ فإنهم يسهرون لأمنِ البلاد، ويخدمون ضيوفَ الرحمن شرفًا واحتسابًا.
اللهم يسِّرْ للحجاجِ إتمامَ نسكِهم، وتقبلْ سعيَهم، وارددْهم إلى أهليهم سالمين غانمين.
اللهم لا تجعلْ عيدَنا هذا آخرَ عهدِنا بذكرك وطاعتك، واجعلْ خيرَ أيامِنا يومَ لقائك.
ربنا تقبلْ منا، إنك أنت السميعُ العليم، وتبْ علينا، إنك أنت التوابُ الرحيم.
اللهم لا تدعْ لنا ذنبًا إلا غفرتَه، ولا همًّا إلا فرجتَه، ولا مريضًا إلا شفيتَه، ولا ميتًا إلا رحمتَه، ولا حاجةً من حوائجِ الدنيا والآخرة هي لك رضًا ولنا فيها صلاحٌ إلا يسرتَها وأعنتَنا على قضائها، برحمتك يا أرحمَ الراحمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذابَ النار.
الله أكبرُ كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا، وسبحانَ اللهِ بكرةً وأصيلًا.
سبحان ربك ربِّ العزةِ عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
المرفقات
1779186726_خُطْبَةُ عِيْدِ الأَضْحَى 1447هـ.docx
1779186727_خُطْبَةُ عِيْدِ الأَضْحَى 1447هـ.pdf