(خطبة) غض البصر زمن الفتنة
خالد الشايع
[٤:٢٩ م, ١/١/٢٠٢٦] خالد بن عبدالله الشايع: غض البصر في زمن الفتنة 13رجب 1447
الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار .
الحمدلله الحي الستيّر، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، واشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، حرّم على الخلق كل ضار، وأباح لهم كل نافع، واشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله خير عباد الله، وأطهرهم وأزكاهم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:
معاشر المؤمنين:
إنَّ من عرف خطر الزنا على نفسه ومجتمعه، بل على دينه ودنياه، فرّ منه فراره من الأسد، كيف لا، وهو خرْق للفطرة، وهبوط إلى مستوى البهيمية، إلاَّ أنَّه ينبغي أن يعلم كل مكلّف أنَّ الشيطان لا يدعو العبد إلى الزنا الصريح مباشرة وإنَّما يستدرجه ويستغويه ويوقعه في حبائله حتى يسير عليها إلى تلك الجريمة البشعة، ولهذا نهى سبحانه الخلق أن يقعوا في حبائل الشيطان حتى لا يستدرجهم .
يا أيها…
[٤:٥٠ م, ١/١/٢٠٢٦] خالد بن عبدالله الشايع: َضُّ البَصَرِ في زَمَنِ الفِتْنَة
13 رَجَب 1447هـ
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحمدُ للهِ الواحدِ القهّار، العزيزِ الغفّار، الحمدُ للهِ الحيِّ السِّتِّير، لا تُدرِكُه الأبصارُ وهو يُدرِكُ الأبصار، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، حرَّم على الخلقِ كلَّ ضارٍّ، وأباحَ لهم كلَّ نافع، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، خيرُ عبادِ الله، وأطهرُهم وأزكاهم، صلّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِه، والتابعينَ لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعد:
معاشرَ المؤمنين:
إنَّ من عَرَفَ خطرَ الزِّنا على نفسِه ومجتمعِه، بل على دينِه ودُنياه، فَرَّ منه فرارَه من الأسد؛ كيف لا، وهو خَرْقٌ للفطرة، وهبوطٌ إلى مستوى البهيمية. غيرَ أنَّه ينبغي أن يعلمَ كلُّ مكلَّفٍ أنَّ الشيطانَ لا يدعو العبدَ إلى الزِّنا الصريحِ مباشرةً، وإنَّما يستدرجُه ويستغويه، ويُوقِعُه في حبائلِه، حتى يسيرَ عليها إلى تلك الجريمةِ البشعة؛ ولهذا نهى سبحانه الخلقَ أن يقعوا في حبائلِ الشيطان حتى لا يستدرجَهم.
قال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
عبادَ الله:
إنَّ من رحمةِ الله بخلقِه أنَّه لمّا حرَّم عليهم المحرَّمات، حرَّم كلَّ طريقٍ يُوصِلُ إليها؛ ولهذا لمّا حرَّم الزِّنا، حرَّم كلَّ داعٍ يدعو إليه، حتى يُصبِحَ العبدُ الملتزمُ بشرعِ الله تعالى من أبعدِ الناس عن المحرَّمات.
فانظروا رحمكم الله إلى كلِّ من وقع في جريمةِ الزِّنا كيف وقع فيها؛ تجدوا أنَّ الشيطانَ استدرجَه من خلال دواعي الزِّنا حتى أوقعَه في تلك الجريمة.
ولأهميةِ معرفةِ دواعي الزِّنا حتى لا يقعَ فيها العبدُ، نعرضُ لها؛ فمن أخطرِها إطلاقُ البصر في المحرَّمات من صورٍ وذوات، فالنظرُ هو رائدُ القلبِ إلى الوقوع في الزِّنا.
قال ابنُ القيِّم رحمه الله:
إنَّ الشيطانَ يقولُ لأوليائِه وجُندِه: دونكم ثغرَ العين؛ فإنَّه منه تنالون بُغيتَكم، فإنّي ما أفسدتُ بني آدمَ بشيءٍ مثلَ النظر، فإنّي أبذرُ به في القلبِ بذرَ الشهوة، ثم أسقيه بماءِ الأمنية، ثم لا أزالُ أعدُه وأُمنِّيه حتى أُثويَ عزيمتَه، وأقودَه بزمامِ الشهوة إلى الانخلاعِ من العصمة، فلا تُهمِلوا هذا الثغر.
وقال تعالى:
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ.
ولمّا كان الخطرُ على الفرجِ يبدأُ من النظرِ الحرام، أمر سبحانه بغضِّ البصرِ أوّلًا، ثم ثنّى بحفظِ الفرج.
فإنَّ الحوادثَ مبدؤُها من النظر، كما أنَّ معظمَ النارِ من مستصغرِ الشرر.
عبادَ الله:
إنَّ البصرَ من نعمِ الله على العبد، فإذا استُعمِلَ في الحرام صار نقمةً تُورِدُه المهالك؛ فالنظرةُ تُولِّدُ خطرة، والخطرةُ تُولِّدُ فكرة، والفكرةُ تُولِّدُ شهوة، والشهوةُ تُولِّدُ إرادة، ثم تقوى فتصيرُ عزيمةً جازمة، فيقعُ الفعلُ لا محالة ما لم يمنعْ منه مانع.
الصبرُ على غضِّ البصرِ أيسرُ من ألمِ ما بعده.
اللهم أعنَّا على غضِّ أبصارِنا، وحفظِ فروجِنا، يا سميعَ الدعاء.
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.
⸻
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الرحمنِ الرحيم، مالكِ يومِ الدين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عدوانَ إلا على الظالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريكَ له، إلهُ الحقِّ المبين، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وحبيبُه وخليلُه، صلّى اللهُ عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابتِه الكرام الميامين، والتابعينَ لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعد، معاشرَ المؤمنين:
وممّا ورد في السنةِ المطهَّرة في الأمر بغضِّ البصر والنهي عن إطلاقِه، ما رواه الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:
اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة، وذكر منها: غُضُّوا أبصارَكم.
وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال:
لا ينظرُ الرجلُ إلى عورةِ الرجل، ولا المرأةُ إلى عورةِ المرأة، ولا يُفضي الرجلُ إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا تُفضي المرأةُ إلى المرأة في الثوب الواحد.
عبادَ الله:
يظهر من هذا الحديث أنَّ غضَّ البصر يكون عن العورات، وعن كلِّ ما من شأنِه إثارةُ الشهوة، أيًّا كان المنظورُ إليه.
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله:
أمرَ اللهُ في كتابِه بغضِّ البصر، وهو نوعان: غضُّ البصر عن العورة، وغضُّه عن محلِّ الشهوة؛ فالأول كغضِّ الرجل بصرَه عن عورة غيره، وأما الثاني فهو غضُّ البصر عن الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية، وهو أشدُّ.
أيها المؤمنون:
غُضُّوا أبصارَكم عند تقليبِ الجوالات في عفنِ الشبكة، وراقبوا ربَّكم؛ فإنَّه مطَّلعٌ عليكم، والمرأةُ كالرجل لا تسترسل في النظر إلى الرجال، فتخسر دينَها وزوجَها.
وإيّاكم أن تقولوا: إنَّها نظرةٌ عابرةٌ بريئة.
قال ابنُ مسعود رضي الله عنه: الإثمُ حَوَّازُ القلوب، وما من نظرةٍ إلا للشيطانِ فيها مطمع.
وقال أنسُ بن مالك رضي الله عنه: إذا مرَّت بك امرأة فاغمض عينيك حتى تجاوزَك.
أيها الناس:
ليس غضُّ البصر مقصورًا على النساء فقط، بل كلُّ ما يُخشَى منه أن يُحدِقَ بالقلبِ الشهوةُ، يجبُ غضُّ البصرِ عنه.
قال الزهري رحمه الله:
لا يصلح النظرُ إلى شيءٍ من البنات ممّا يُشتهى النظرُ إليه، وإن كانت صغيرة.
وممّا يجب غضُّ البصر عنه كذلك: غضُّه عن المُردان، وهم الذكور دون سنِّ البلوغ ممّن لم ينبتْ في وجهِه شعر.
قال القرطبي رحمه الله:
إنَّ كثيرًا من السلف كانوا ينهون أن يُحدَّ الرجلُ نظرَه إلى الأمرد، وحرَّمه طائفةٌ من أهل العلم لما فيه من الافتتان.
عبادَ الله:
غُضُّوا أبصارَكم تصحَّ قلوبُكم، وتطمئنَّ نفوسُكم إلى أزواجِكم، وتنبسطَ نفوسُكم إلى ذكرِ ربِّكم ومولاكم.
اللهم نعوذُ بك من خائنةِ الأعين؛ إنَّك تعلم.
اللهم أعنَّا على غضِّ أبصارِنا.
ربَّنا اغفرْ لنا ولإخوانِنا الذين سبقونا بالإيمان
المرفقات
1767275664_غض البصر) عن المحرمات.doc