خطبة في الحث على حسن الخلق والتحذير من ضده

صالح محمد السعوي
1447/07/10 - 2025/12/30 14:36PM

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة في الحث على حسن الخلق والتحذير من ضده

 

بقلم وتأليف / صالح بن محمد السعوي

 

الحمد لله الذي جعل مكارم الأخلاق من صفات المصطفين الأخيار، واتباعهم من الأتقياء الأبرار.

أحمده تعالى على ما أولانا من نعم الأمن والاستقرار، وأشكره على فضله المدرار.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار.

وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله المجتبى المختار.

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً وسلامًا دائمين بدوام الليل والنهار وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وابتغوا فيما يحببكم إلى الله عز وجل ويحببكم إلى عباده ويبلغكم ما يسعدكم ويسعد به معاصريكم، وبنو مجتمعكم، وتنالون بسببه الأجر والمثوبة من الرب، الذي يجزي المحسنين، وإن من أقرب الوسائل لذلك هو التحلي بمكارم الأخلاق.

والله أكد أن رسوله ﷺ على خلق عظيم، فقال سبحانه: ((وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم الآية ٤].

 وأخبرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حينما سئلت عن خلق رسول الله ﷺ قالت: "كان خلقه القرآن" الحديث رواه مسلم.

وأنس رضي الله عنه يخبر عن خلق النبي ﷺ ومعاشرته للناس فيقول: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي أفٌ قط ولا قال لشيء فعلتُه لم فعلتَه، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلته، وكان أحسن الناس خلقاً، ولا مسست خزاً ولا حريراً ولا شيئاً كان ألين من كف رسول الله ﷺ ولا شممت مسكاً ولا عطراً كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ متفق عليه.

وأمر ﷺ بالتقوى والخلق الحسن.

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السَّيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسنٍ" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

ومن أعظم الوسائل التي يرجى بها دخول الجنة التقوى وحسن الخلق وحفظ الفم والفرج.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله ﷺ سُئِلَ عن أكثرِ ما يُدخِلُ الناسَ الجنةَ؟ فقال: "تقوى اللهِ وحسنُ الخُلقِ" وسُئِل عن أكثرِ ما يُدخِلُ الناسَ النارَ؟ فقال: "الفمُ والفرجُ" رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب وهو صحيح شواهده.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: جمع النبي ﷺ بين تقوى الله وحسن الخلق. لأن تقوى الله تُصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يُصلح ما بينه وبين خلقه، فتقوى الله توجبُ له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته انتهى.

وبحسن الخلق يكمل الايمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "أكمَلُ المؤمنين إيمانًا أحسَنُهم خُلقًا" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

ورسول الهدى ﷺ بعثه ربه ليتم مكارم الأخلاق، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّما بُعِثْتُ لأُتممَ صالحَ الأخلاق" رواه الإمام أحمد والحاكم وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

وقال ﷺ: "البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ ما حَاكَ في صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليه النَّاس" رواه مسلم.

والفضل من الله كبير لمن حسنت أخلاقهم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ من أحَبَّكم إليَّ وأقرَبَكم مني مجلِسًا يومَ القيامةِ أحاسَنُكم أخلاقًا، وإن أبغضكُم إلي وأبعدكُم منّي مجلِسًا يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ المتشَدِّقونَ المُتفَيهِقونَ" قالوا: يا رسول قد علمنا الثرثارون والمتشَدِّقونَ فما المُتفَيهِقونَ؟ قال: "المتكبرون" رواه الترمذي وقال: حديث حسن وصححه ابن حبان.

ويعظم الثواب لمن حسنت أخلاقهم من المسلمين.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ما شيءٌ أثقَلَ في ميزانِ المؤمِنِ يومَ القيامَةِ من خُلُقٍ حسنٍ، وإن اللهَ تعالى يُبْغِضُ الفاحِشَ البذيءَ" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح ورواه أبو داود بإسناد حسن والحديث صحيح.

وقال عليه الصلاة والسلام: "ما من شيءٍ يُوضَعُ في المِيزانِ أثْقلُ من حُسْنِ الخُلُقِ، وإنَّ صاحِبَ حُسنِ الخلُقِ ليَبلُغُ بهِ درَجةَ صاحِبِ الصَّومِ والصلاةِ" رواه الترمذي وأبو داود وإسناده حسن.

والخلق الحسن يتولد منه التواضع والرفق واللين، والحلمُ والأناة والتؤدة

والسهالة والعفو والتجاوز، والتبشر بالخير والتيسير، والرحمة بالناس والشفقة عليهم، والأخذ بما يصلح أحوالهم، ومحبة الخير لهم وإصلاح ذات بينهم.

وحسن الخلق ينبئُ عن صلاح القلب وطهارته من أدناس الغل والحقد والحسد والكراهة والبغضاء، وإذا صلح القلب أعلمت عليه الجوارح بما تقوم به من صالح الأعمال.

اللهم حسَّنت خلقنا فأحسن خلقنا، ومنَّ على الأزواج والذراري بحسن الخلق وملازمته.

اللهم أصلح إمامنا واحفظه وانصر به الدين، وأصلح ولي عهده والعلماء والأمناء والحراس والمستشارين، وشد عضده بهم لما فيه صلاح الإسلام

والمسلمين يا رب العالمين.

أعوذ بالله من الشيطان الرحيم: ((خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)) [الأعراف الآية ١٩٩].

بارك الله لي ولكن في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بالآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

خطبة أخيرة في الحث على حسن الخلق والتحذير من ضده

 

الحمد لله الذي أمتن بالأجر والمثوبة لمن حسنتْ أخلاقهم من المسلمين.

أحمده تعالى أن شرح للإسلام قلوب المؤمنين.

وأشكره سبحانه ويا فوز الشاكرين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المتقين.

وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله إمام الأنبياء والمرسلين.

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه هداة العالمين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وأكرموا أنفسكم بالتحلي بمكارم الأخلاق.

والله يقول: ((وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)) [آل عمران الآية ١٥٩].

وعن حارثة بن وهب رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يدخلُ الجنَّةَ الجوَّاظُ، ولا الجعظَرِيُّ" رواه أبوداود، وقال الألباني صحيح.

والجوَّاظُ: الجموع المنوع المختال في مشيته.

والجعظَرِيُّ: الفظ الغليظ المتكبر الذي يتمدح بما ليس فيه.

وقال عليه الصلاة والسلام: "إنَّ العبدَ لَيبلغُ من سوءِ خُلقِه أسفلَ دركِ جهنَّمَ" رواه الطبراني وإسناده جيد

وعن أبي حازم رحمة الله تعالى قال: السيء الخلق أشقى الناس به نفسه ثم زوجته، ثم ولده، حتى إنه ليدخلُ بيته، وإنهم لفي سرور، فيسمعون صوته فينفرون عنه، فرقًا منه، وحتى إنّ دابته لتحيد مما يرميها بالحجارة، وإنّ كلبه ليراه فينزو على الجدار، حتى إن قطه ليفر منه انتهى.

وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: لا تخالط سيئُ الخلق فإنه لا يدعو إلا إلى شر انتهى.

وقال الحسن رحمه الله تعالى: من ساء خلقه عذب نفسه انتهى.

وقال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات انتهى.

وقال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: الأخلاق السيئة هي السُّموم القاتلة، والمهلكات الدامغة والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائثُ المبعدة عن جوار رب العالمين.

المنخرطةُ بصاحبها في سلك الشياطين، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة انتهى.

وجمع بعض السلف رحمهم الله تعالى علامات سوء الخلق فقال: أن يكون قليل الحياء كثير الأذى، قليل الصلاح، كذوب اللسان، كثير الكلام، قليل العمل، كثير الزلل، كثير الفضول، لا برًا ولا وصولاً ولا وقوراً ولا صبوراً، ولا شكوراً، غير راض، ولا حليماً ولا رفيقاً ولا عفيفاً ولا شفيقاً لعاناً سباباً نماماً مغتاباً، عجولاً حقوداً، بخيلاً حسوداً، غضوباً نكداً، يحب في شهواته، ويبغض فيها، فهذا هو سوء الخلق انتهى.

الله افتح علينا وعلى الناشئة بالبصيرة النافعة في أمر الدين والدنيا والآخرة اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين.

واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء سخاء وسائر بلاد المسلمين.

اللهم أصلح ولاة أمورنا وكل من تولى للمسلمين أمراً، وخص إمامنا بالتوفيق والعون والتسديد، وصلاح البطانة من ولي عهده والعلماء وصالح المؤمنين المؤتمنين.

اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا واحفظ لنا إيماننا وأمننا واحفظ القائمين عليه الساهرين على حفظه. 

اللهم اجعل لنا ولقادتنا ولرجال أمننا من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ومن كل بلاء عافية واكفنا جميعاً ما أهمنا ومالا نهتم به من أمر ديننا ودنيانا.

اللهم ارحمنا وارحم عبادك المستضعفين، وفرج كرب المكروبين، وسد عوز المعوزين واجبر كسر المنكسرين، وارفع الضر عن المتضررين والبأس عن البائسين، واغفر لنا ولوالدينا ولقادتنا بالعلم والسلطة، ولمن أحسن إلينا ودلنا عليك، ورغبنا فيما عندك، وشد أزرنا في الأخذ بأوامرك والانتهاء عن نواهيك، واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وافسح لهم في قبورهم ونورها عليهم يا رب العالمين.

المشاهدات 140 | التعليقات 0