(خطبة) كيف تهيئ نفسك قبل رمضان ؟
خالد الشايع
الخُطْبَةُ الأُولَى
(كيف تهيئ نفسك قَبْلَ رَمَضَانَ؟) 25 شعبان 1447
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ عَلَى أَبْوَابِ شَهْرٍ عَظِيمٍ، وَمَوْسِمٍ كَرِيمٍ، لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إِلَّا أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ، خمسة أَيَّامٍ فَقَطْ أو أقل ، وَالسَّعِيدُ مَنْ أَحْسَنَ الِاسْتِعْدَادَ قَبْلَ الدُّخُولِ.
إِنَّ رَمَضَانَ لَيْسَ شَهْرًا يُفَاجِئُ المُؤْمِنَ، بَلْ هُوَ مَوْسِمٌ يُهَيَّأُ لَهُ القَلْبُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ.
أَوَّلًا: بالتَّوْبَةُ النَّصُوحُ قَبْلَ الدُّخُولِ
قَالَ تَعَالَى:
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].
هذه الأَيَّامُ هِيَ أَيَّامُ فتحِ صَفْحَةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ اللَّهِ، فَتُبْ مِنْ ذَنْبٍ أَخْفَيْتَهُ، وَمَعْصِيَةٍ أَصْرَرْتَ عَلَيْهَا، وَقَطِيعَةِ رَحِمٍ طَالَتْ.
أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ».
فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ فِي رَمَضَانَ فَلْيَبْدَأْ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ رَمَضَانَ ، ليدخل الشهر نقيا من الذنوب ، بنفسه مطمئنة ، مهيأة للعمل الصالح .
ثَانِيًا: قَضَاءُ مَا عَلَيْكَ مِنْ صِيَامٍ
إِنْ كَانَ عَلَيْكَ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ المَاضِي فَبَادِرْ بِهِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ.
أَخْرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:
«كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ».
فَإِنْ بَقِيَ عَلَيْكَ شَيْءٌ فليسارع بالقضاء ، ومن لم يدرك بلا عذر فعليه التوبة فقد أذنب ، وعليه بعد رمضان القضاء والكفارة .
ثَالِثًا: تَدْرِيبُ النَّفْسِ عَلَى الصِّيَامِ
مَنْ لَمْ يَتَعَوَّدْ عَلَى الصِّيَامِ فَلْيُجَرِّبْ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ، لِيَدْخُلَ رَمَضَانَ وَقَدِ اسْتَعَدَّتْ نَفْسُهُ.
أَخْرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ». فصم السبت والأحد والاثنين ثم توقف إلا َمَنْ كَانَ لَهُ عَادَةُ صِيَامٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَمِرَّ.
رَابِعًا: تَنْظِيفُ القَلْبِ مِنَ الشَّحْنَاءِ
قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ…».
فَصَافِحْ، وَسَامِحْ، وَأَصْلِحْ، لِتَدْخُلَ رَمَضَانَ وَقَلْبُكَ سَلِيمٌ.
خَامِسًا: وَضْعُ خُطَّةٍ عِبَادِيَّةٍ
قَالَ تَعَالَى:
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148].
اُكْتُبْ خُطَّتَكَ:
كَمْ خَتْمَةً؟
كَمْ صَدَقَةً؟
كَمْ قِيَامًا؟
فَإِنَّ مَنْ دَخَلَ بِلَا خُطَّةٍ خَرَجَ بِلَا حَصِيلَةٍ.
سَادِسًا: الإِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ بِالْبُلُوغِ وتيسير الأعمال الصالحة والقبول .
كان السلف رحمهم الله يسألون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ، فإذا صاموه سألوه ستة أشهر أن يتقبل منهم .
فَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، وَأَنْ يُبَلِّغَكُم رَمَضَانَ وَأَنْتُمْ فِي صِحَّةٍ وَإِيمَانٍ.
اللهم بلغنا رمضان وارزقنا فيه صالح الأعمال
أَقُولُ قولي هذا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
⸻
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، هَذِهِ الأَيَّامُ فُرْصَةٌ لِتَهْيِئَةِ البُيُوتِ، لَا بِالطَّعَامِ فَقَطْ، بَلْ بِالطَّاعَةِ.
رَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى فَضْلِ رَمَضَانَ ، وصوموهم ولو لم يبلغوا ليعتادوا عليه .
عَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ مَعْنَى الصِّيَامِ، وَحَقِيقَةَ الإِخْلَاصِ.
أَغْلِقُوا أَبْوَابَ المَعَاصِي
قَالَ تَعَالَى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9].
مَنْ أَرَادَ رَمَضَانَ نَقِيًّا فَلْيُغْلِقِ القَنَوَاتِ المُحَرَّمَةَ، وَلْيُبَادِرْ بِحَذْفِ مَا يُغْضِبُ اللَّهَ، لِيَدْخُلَ الشَّهْرُ وَقَدْ نَقَّى بَيْتَهُ.
أَكْثِرُوا مِنَ الذكر خصوصا الِاسْتِغْفَارِ ، فقد أفلح من وجد فيه صحيفته استغفارا كثيرا .
فَأَكْثِرُوا مِنْهُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ.
عِبَادَ اللَّهِ،
أَيَّامٍ قلائل قَدْ تَكُونُ هِيَ الفَاصِلَةُ بَيْنَ رَمَضَانٍ مُثْمِرٍ وَرَمَضَانٍ ضَائِعٍ، فَمَنْ أَحْسَنَ الزَّرْعَ أَحْسَنَ الحَصَادَ.
واعلموا أن أجر رمضان قد تكفل به الكريم الرحمن ، فلا يخطر على بالك كمية الحسنات وعظيم الهبات من رب الأرض والسموات .
أَخْرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».
في هذا الحديثِ يُخبِرُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قال: «كلُّ عمَلِ ابنِ آدمَ له»، أي: فيه حَظٌّ ومَدخَلٌ لاطِّلاعِ النَّاسِ عليه؛ فقدْ يَتعجَّلُ به ثَوابًا مِن النَّاسِ، ويَحُوزُ به حَظًّا مِن الدُّنيا، إلَّا الصِّيامَ؛ فإنَّه خالِصٌ لي، لا يَعلَمُ ثَوابَه المُترتِّبَ عليه غَيري، «وأنا أَجْزي به»، أي: أتولَّى جَزاءَه، وأنْفَرِدُ بعِلمِ مِقدارِ ثَوابِه، وتَضعيفِ حَسَناتِه، وأمَّا غيرُه مِن العِباداتِ، فقدِ اطَّلَعَ عليها بعضُ النَّاسِ؛ فالأعمالُ قدْ كُشِفَت مَقاديرُ ثَوابِها للناسِ، وأنَّها تُضاعَفُ مِن عَشْرةٍ إلى سَبْعِمئةٍ، إلى ما شاء اللهُ، إلَّا الصِّيامَ؛ فإنَّ اللهَ يُثيبُ عليه بغَيرِ تَقديرٍ، كما جاء في رِوايةِ صَحيحِ مُسلِمٍ: «كلُّ عمَلِ ابنِ آدَمَ يُضاعَفُ، الحَسَنةُ عشْرُ أمثالِها إلى سَبْعِ مِئةِ ضِعفٍ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: إلَّا الصَّومَ؛ فإنَّه لي وأنا أَجْزي به»، ولَمَّا كان ثَوابُ الصِّيامِ لا يُحْصِيه إلَّا اللهُ تعالَى، لم يَكِلْه تعالَى إلى مَلائكتِه، بلْ تَولَّى جَزاءَه تعالَى بنفْسِه، واللهُ تعالَى إذا تَولَّى شَيئًا بنفْسِه دلَّ على عِظَمِ ذلك الشَّيءِ وخَطَرِ قَدْرِه.
اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ، وَأَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ، وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ المَقْبُولِينَ.
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ.
وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِين
المرفقات
1770906596_كيف تهيئ نفسك لرمضان.docx