خطبة نعمة الأمن وفضائل العشر الأواخر من رمضان

حسين بن حمزة حسين
1447/09/16 - 2026/03/05 08:40AM

إخوة الإيمان: نحمد الله تعالى أن شرَّفنا بالعيش في هذه البلاد المباركة، المملكةِ العربية السعودية، بلادِ الحرمين الشريفين، وقبلةِ المسلمين أجمعين، ومهبط وحي سيّد المرسلين ، نعيش على ثرى هذه الأرض الطيبة في وافرٍ من النّعم : نعمةِ الإسلام، ونعمةِ التوحيد والسُّنّة، نعمةِ الأمن والأمان، نعمةِ إقامة شرع الله، أمْنٌ وافر، وعيشةٌ رغيدة، وحياةٌ هنيئة، مساجد مفتوحة، شعائر مرفوعة، حرمٌ آمن تُشد إليه الرحال، قيادةٌ حكيمةٌ راشدة، ولُحمةٌ وطنيةٌ متينة، فلله الحمد والمنة، شرْعُ الله فينا قائم، والحُكم لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، رضينا بذلك حكاماً ومحكومين، مواطنين ومقيمين، فمن على وجْه الأرض في هذا الزمان يضاهينا ويبارينا بوافر النعم، فلله الحمدُ أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا؛ نعمٌ تتوالى، وأفضالٌ لا تُحصى، نسأل الله دوام الشكر، وحسن القيام بحقِّ النعمة، قال تعالى ( وإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.

وإنَّ من تمام الشكر لهذه النعم بعد شكر المُنعم جلّ جلاله، أن نحافظ على وحدتنا، ونقوي لحمة صفّنا، ونعاهد الله تعالى على السمع والطاعة لحكّامنا في المعروف، وأن ندعو لهم بأن يحفظ الله عليهم دينَهم ودنياهم، وأن يسدّدَهم لما فيه صلاح ديننا ودنيانا وبلادنا وبلاد المسلمين كافة، وأن يجزيهم عنا وعن المسلمين خير الجزاء، قال النبي ﷺ (خِيارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تحبُّونَهُم ويحبُّونَكُم وتُصلُّونَ علَيهِم ويصلُّونَ علَيكُم) رواه مسلم.

إخوةَ الإيمان: نحن في زمنٍ تعصفُ فيه الحروب، وتُدكُّ فيه الأوطان، وتُهدم المدن على ساكنيها، ونيرانُ الصراعات مشتعلةٌ على مقربةٍ من حدودنا، وجنودُنا هناك مجاهدون مرابطون، يبذلون أرواحهم، ويسهرون على ثغور الوطن، يحرسون أمنَه، ويدفعون عنه العدوان، فحقٌّ علينا أن نصون الداخل كما يصونون الثغور، وأن نحفظ الأمن كما يحفظونه، وأن نكون لهم عونًا بالثبات، واجتماع الكلمة، وحفظ الوطن، لا أن نكون ثغرةً يُؤتى منها الوطن أو بابًا تنفذ منه الفتنة، فنعمة الأمن في الأوطان لا تُصان – بعد فضل الله – بالشعارات الجميلة والكلمات الرنّانة فقط، بل تحفظ باجتماع الكلمة، والتحام الصف، وردِّ الأمور إلى أهلها، وعدم الخوض في أمور الحرب والأزمات من غير أهلها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فردُّ الأمور إلى أهلها حصنٌ من الفوضى، وعصمةٌ من الزّلل، وإيّاكم أن تكونوا سببًا في فتح جبهةِ شرٍّ داخلية، يتلقّفها صغارُ الأحلام، فيَخْدمون الأعداء وهم يحْسبون أنهم مصلحون، فمِن حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه.

وتثبّتوا من الأخبار واحذروا الشائعات قبولها أو نشرها، فإنها سلاحٌ عظيم من أسلحة الحروب الحديثة، أخطرُ من المدافع في بعض الأحوال، وقودُها الكذب، وغرضُها زعزعة الأمن، وتمزيق الصف، وفتح ثغراتٍ ينفذ منها الأعداء، فالمؤمنُ حصنٌ يحمي الصفَّ، ويمنعُ الفوضى، فمن ينشر الخوف والرعب، ويزعزع الصف والأمن متعمداً كان أو متهاوناً جاهلا، جريمةٌ عظمى وخيانةٌ كبرى للدين والأهل والوطن.

ثم إياكم وتصوير الوقائع الأمنية أو بثّها؛ فهو تجاوزٌ مجرّم نظاماً، قبل أن يكون إخلالًا وإضرارًا بالأمن، فيه إرجافٌ بالناس، وإشاعةُ للخوف، وكشفٌ لمواقعَ وثغراتٍ قد يستغلها عدوٌّ متربص، فلا تكونوا ثغرةً على الوطن، وكونوا صفًّا واحدًا وسدًّا منيعًا، فالله خيرُ حافظًا، وهو أرحم الراحمين،

نسأله سبحانه أن يحمينا من الحروب، ويردَّ كيد أعدائنا في نحورهم، وأن يحفظ بلادنا وأمننا، إنه ولي ذلك والقادر عليه

الخطبة الثانية :

الدنيا ساعاتٌ وأيامٌ، وعمر الإنسان فيها عمله؛ والسعيدُ من خلَّدها بالأعمال الصالحة، والمغبونُ من انفرط أمره وغفل قلبه واتبع هواه، والمحرومُ من حُرِم الخيرَ في رمضان، والشقيُّ من دخل عليه رمضانُ وولم يُغفر له. وها أنتم تستقبلون خيرَ ليالي العام، العشر الأواخر من رمضان، فقد كان النبي ﷺ يجتهد فيها ما لم يجتهد في غيرها، كان إذا دخلت العشرُ أحيَا ليله وأيقظ أهلَه، وجدَّ وشدَّ المئزر. فاستغلوها بالقيام، واطلبوا ليلةَ القدر فهي خير من عمل ألف شهر، تحروها في كامل العشر، وارجاها ليالي الأوتار، وأولاها ليلة السابع والعشرين، كتب الله لنا قيامها وفضلها وأثبت لنا أجرها بمنّه وجوده. فأكثروا في هذه الليالي المباركة من ذكر الله، وتلاوة القرآن، والدعاء لأنفسكم، ولولاة أمركم، ولأحبتكم، وللمسلمين جميعًا أن يصلح حالهم وينصرهم الله، ويهلك أعداءهم. ومن أنفع الأدعية ما قالت عائشة رضي الله عنها: «يا رسول الله! أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقُول فيها؟» فقال ﷺ: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» (رواه أحمد). وتذكروا أن الأعمال بالخواتيم، والعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، فمن أساء فيما مضى فليتُب فيما بقي؛ فباب التوبة مفتوح، وعطاء الله واسع.        

المشاهدات 3184 | التعليقات 0