خُطْبَةٌ: وَمَضَى الثُّلُثُ الأَوَّلُ مِنْ رَمَضَانَ

عادل بن عبد العزيز الجهني
1447/09/09 - 2026/02/26 17:37PM

 


خُطْبَةٌ: وَمَضَى الثُّلُثُ الأَوَّلُ مِنْ رَمَضَانَ

 


الخُطْبَةُ الأُولَى

 


الحمدُ للهِ الَّذي أكرمَنا برمضانَ، وفضَّلَهُ على سائرِ الأزمانِ، وجعلَ أيّامَهُ ميادينَ للتزوُّدِ من الطاعاتِ والإحسانِ، نحمدُهُ سبحانه حمدًا يليقُ بجلالِه، ونشكرُهُ على نعمِهِ وإفضالِهِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ تعظيمًا لشأنِهِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الدالُّ على رضوانِهِ، صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعدُ:

فيا عبادَ اللهِ، اتقوا اللهَ حقَّ التقوى، وراقبوهُ في السرِّ والنجوى، واعلموا أنَّ تقوى اللهِ هي غايةُ الصيامِ وثمرتُهُ، كما قال ربُّنا جلَّ وعلا:

﴿يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكمُ الصيامُ كما كُتِبَ على الذين من قبلكم لعلَّكم تتقون﴾.

فمَن حقَّق التقوى في رمضانَ فقد فاز بخيرٍ عظيمٍ، ومَن ضيَّع أيّامَهُ ولياليَهُ فقد خسر خسرانًا مبينًا.

أيها المؤمنون،

رمضانُ طريقٌ لكلِّ خيرٍ، وسبيلٌ لكلِّ فوزٍ؛ فمن اغتنم هذا الموسمَ فهو المؤمنُ حقًّا، الناصحُ لنفسِهِ صدقًا، المحسنُ إليها أعظمَ إحسانٍ.

عبادَ اللهِ،

رمضانُ شهرٌ سريعُ الانقضاء، أيّامُهُ تمضي ولياليهِ تنقضي كمضيِّ السحابِ، وها قد انقضى ثلثُ شهرِنا، فيا سعادةَ من وُفِّق فيهِ للطاعاتِ والباقياتِ الصالحاتِ، ويا حسرةَ من ظلم نفسَهُ فيهِ بالتقصيرِ في الواجباتِ وارتكابِ المحرَّماتِ، ويا بؤسَ من فرَّط وتكاسل، ﴿وما الحياةُ الدنيا إلا متاعُ الغرور﴾.

عشرُ ليالٍ انقضت، وأيّامٌ مضت سريعًا، فانظروا –يا عبادَ اللهِ– بعينِ التفكُّرِ:

كم ربح فيها من رابحٍ؟ وكم خسر فيها من مفرِّطٍ؟

وهكذا –إن مدَّ اللهُ في الأعمار– ستمضي العشرةُ الثانية، ثم الثالثة، وينقضي شهرُنا، فيا ربحَ الرابحين!

عبادَ اللهِ،

فرصةُ اغتنامِ رمضانَ بين أيدينا، ومن أراد اغتنامهُ حقًّا فلينظر إليه نظرةً تليقُ به؛ فهو شهرٌ لا كالشهورِ، وموسمٌ لا كالمواسمِ، والاجتهادُ فيه هديُ المؤمنِ الصادقِ، والشحُّ بالزمنِ وصرفُهُ في الطاعةِ هو النهجُ النبويُّ الثابتُ، قال تعالى:

﴿لقد كان لكم في رسولِ اللهِ أسوةٌ حسنة﴾.

انظروا –رعاكمُ اللهُ– إلى هديِ النبيِّ ﷺ في رمضانَ، وهو أكملُ الهدي؛ كان يقومُ من ليلِهِ حتى يقاربَ الفجرَ، يراوحُ بين ركوعٍ وسجودٍ، يناجي ربَّهُ ويقفُ بين يدي مولاهُ، فالتكاسلُ عن قيامِ رمضانَ ليس من شأنِ أهلِ الإيمانِ، والعجزُ عنه علامةُ حرمانٍ وخسرانٍ.

ولئن كان المؤمنون يحيون ليالي رمضانَ، فإنَّ هناك أوقاتَ غفلةٍ من عمرها بالطاعةِ كان من المصطفين الأخيار؛ ومن خلا فيها بربِّهِ كان من المجتبين الأبرار.

ومن هذه الأوقات: ما بين الظهرِ والعصرِ، وما بين المغربِ والعشاءِ، فيتقدَّمُ العبدُ إلى الطاعةِ بتلاوةٍ وركعاتٍ، وقلبٍ حاضرٍ خاشعٍ.

وأمّا وقتُ السَّحَرِ فهو الزمنُ النفيسُ للخلوةِ باللهِ، وهذا حالُ من أثنى اللهُ عليهم بقوله:

﴿أمَّن هو قانتٌ آناءَ الليلِ ساجدًا وقائمًا يحذرُ الآخرةَ ويرجو رحمةَ ربِّه﴾.

فاحرصوا –عبادَ اللهِ– على ملءِ أوقاتِكم بالطاعاتِ، واغتنامِ ساعاتهِ قبل أن تمضي وتنقضي.

وكان النبيُّ ﷺ يدارسُهُ جبريلُ القرآنَ في رمضانَ؛ لشرفِ الزمانِ وعظيمِ القرآنِ، فاختار اللهُ هذا الشهرَ ميقاتًا لتدارسِ كتابِهِ، فاصرفوا جلَّ أوقاتِكم لتلاوتِهِ وتدبُّرِهِ.

ورمضانُ شهرُ الجودِ، ونبيُّنا ﷺ أجودُ الناسِ، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضانَ؛ لشرفِ الزمانِ وعظيمِ الأجرِ، فورثَ السلفُ الصالحُ هذا الهديَ، فاجتهدوا في هذا الشهرِ اجتهادًا عظيمًا؛ لعلمِهم أنه أشرفُ الأزمنةِ للعملِ.

عبادَ اللهِ،

رمضانُ شهرُ المغفرةِ، فمن لم يتعرَّضْ لهذه المغفرةِ فهو المحرومُ حقًّا، قال النبيُّ ﷺ:

«رغمَ أنفُ رجلٍ دخلَ عليه رمضانُ ثم انسلخَ قبلَ أن يُغفَرَ له».

ومعنى: رغمَ أنفُه؛ أي لصقَ أنفُهُ بالترابِ ذلًّا لحرمانِهِ.

وقال ابنُ رجبٍ –رحمهُ اللهُ–: لما كثرت أسبابُ المغفرةِ في رمضانَ، كان الذي تفوتُهُ المغفرةُفيه محرومًا غايةَ الحرمان.

فيا خسارةَ من خسر، ويا ذلَّ من حُرم؛ أدرك شهرَ الرحمةِ والمغفرةِ، ولم يتعرَّضْ لنفحاتِ ربِّه، بسببِ كسلهِ عن الطاعاتِ، وإقامتِهِ على المحرَّماتِ، فأيُّ خسارةٍ أعظمُ من هذه الخسارةِ؟!

فالبِدارَ البِدارَ –عبادَ اللهِ– إلى الإكثارِ من الطاعاتِ، والتحرُّزِ من المحرَّماتِ، ولا تفوّتوا بركاتِ الشهرِ وخيراتهِ، فالوقتُ ميدانُ مسابقةٍ إلى رضوانِ اللهِ.

أقولُ ما تسمعونَ، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم، فاستغفروهُ؛ إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيهِ كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ.

عبادَ اللهِ،

اعلموا –رحمني اللهُ وإيّاكم– أنَّ الذنوبَ والمعاصي هي السببُ الأعظمُ للحرمانِ من خيراتِ هذا الشهرِ، وهي السببُ الأكبرُ للتثاقلِ عن الطاعاتِ، فليكن العبدُ جادًّا مع نفسِهِ في التخلُّصِ منها، مجاهدًا لها في البعدِ عنها.

فالتوبةُ والإنابةُ سبيلُ التوفيقِ للطاعاتِ، ومفتاحُ القبولِ عند ربِّ الأرضِ والسماواتِ.

أيها المؤمنون،

كان السلفُ الصالحُ يوصون بالمحاسبةِ الصادقةِ في نهايةِ كلِّ يومٍ؛ لينظرَ العبدُ ماذا قدَّم وماذا أخَّر، فماذا نقولُ وقد مضى ثلثُ خيرِ الشهور؟!

حاسِب نفسَكَ –يا عبدَ اللهِ– ماذا قدَّمتَ في هذه العشرِ؟

وعلى ماذا عزمتَ فيما بقي من الشهرِ؟

فأين نحن من الجادِّينَ الذين عمروا لياليه بالقيامِ والدعاءِ والاستغفارِ؟

ألا فلندارِك ما بقي، ولنستعن باللهِ، ولنقبل عليه إقبالَ صادقين؛ فمن صدقَ اللهَ صدقَهُ اللهُ، ومن جدَّ وجد، ومن زرعَ اليومَ حصدَ غدًا.

واعلموا –عبادَ اللهِ– أنه لا توفيقَ ولا معونةَ على العملِ الصالحِ إلا بمعونةِ اللهِ وتوفيقِهِ؛ فاجتهدوا في الدعاءِ، وألحُّوا في المسألةِ، واصدقوا في الطلبِ، فقد وعد اللهُ من دعاهُ بالإجابةِ، فقال تعالى:

﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾،

وجعل سبحانه بين آياتِ الصيامِ قوله:

﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾؛ ليبيِّنَ مزيةَ الدعاءِ في رمضانَ، وفي حالِ الصيامِ خصوصًا.

فأكثروا من الدعاءِ، واحرصوا على مسائلِ الآخرةِ؛ فهي الأشرفُ والأنفعُ والأبقى.

ثم صلُّوا وسلِّموا على نبيِّكم كما أمركم اللهُ:

﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾.

اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأذلَّ الشركَ والمشركينَ، وانصر عبادَك الموحِّدينَ.

اللهم اجزِ عنا ولاةَ أمرِنا خيرَ الجزاءِ على ما يقدِّمونَه لقاصدي الحرمينِ الشريفينَ، واجعل ذلك في موازينِ حسناتهم.

اللهم وفِّقنا في هذا الشهرِ لمرضاتِك، واجعلنا فيه من عتقائِك من النارِ، واختم لنا شهرَنا بالقبولِ والغفرانِ، واجعل خيرَ أعمالِنا خواتيمَها، وخيرَ أيامِنا يومَ نلقاكَ.

 

 

المشاهدات 652 | التعليقات 0