خطر الظلم وسوء عاقبته

عبدالرحمن سليمان المصري
1447/08/17 - 2026/02/05 16:35PM

خطر الظلم وسوء عاقبته

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي حرم على عباده الظلم والطغيان، وأوعد الظالمين بالعقوبة والخسران ، وجعل دعوة المظلوم مستجابة لإقامة العدل والميزان ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد:  أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فهي وصية الله للأولين والآخرين قال تعالى ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ﴾ .

عباد الله: الظلم طبيعة إنسانية وجبلة بشرية ، فالإنسان مقصر في حقوق ربه ، كفار لنعم الله ، مجترئ على معاصيه ، إلا من زكاه الله بالإيمان والتقوى ، والعلم والهدى ، قال تعالى: ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا﴾ الأحزاب: 72 ، وقال ﴿ إن الإنسان لظلوم كفار ﴾ إبراهيم: 34 ، قال الماوردي رحمه الله : والعلة المانعة من الظلم؛ إما عقل زاجر، أو دين حاجز ، أو سلطان رادع  ، أو عجز صاد . أ.هـ.

عباد الله : الظلم خلق ذميم ، وذنب عظيم ، يحلق الدين والحسنات ، ويجلب الويلات والنكبات ، ويمحق البركات ، ويورث الأحقاد والعداوات ، ويسبب القطيعة والعقوق ، ويحيل حياة الناس إلى شقاء وبلاء .

والظلم هو مجاوزة الحدود التي شرعها الله عز وجل ، والتطاول على حقوق الآخرين ، ولشناعة الظلم ، وعظيم مفاسده ، نزه الله نفسه عنه ، قال تعالى: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ النساء:40 ، بل وحرمه الله على نفسه لتمام عدله ، وكمال عظمته ، وجعله بين عباده محرما ، قال الله في الحديث القدسي : " يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا "   رواه مسلم.

عباد الله : وأعظم الظلم وأشده خطرا ؛ الإشراك بالله تعالى ، وهو الظلم الذي لا يغفر الله منه شيئا ، قال تعالى:﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾لقمان:  13 .

ومن الظلم:  ظلم الإنسان لنفسه ، بتعريضها لعذاب الله وعقابه ، بالوقوع في المحرمات ، والتفريط في الفرائض والواجبات ، وتعدي حدود الله ، قال تعالى: ﴿ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾ البقرة:229 .

ومن الظلم:  ظلم العباد بعضهم بعضا ، في الدماء والأموال والأعراض وسائر الحقوق ، وهو المقصود عند الاطلاق ، وهو الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا ، ولا يغفره الله ، إلا بأداء الحقوق إلى الخلق والتحلل منهم .

 

عباد الله: الظلم مرتعه وخيم، وعاقبته أليمة، وقد توعد الله أهله بالعذاب والنكال الشديد ، قال تعالى: ﴿ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾إبراهيم: 42 .

والظلم عقوبته معجلة في الدنيا ، قال صلى الله عليه وسلم: " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا ، مع ما يدخر له في الآخرة ، ‌من ‌البغي وقطيعة الرحم " رواه الترمذي بسند صحيح .

وأهل الظلم محرومون من محبة الله ، مصروفون عن الهداية ، ممنوعون من الفلاح  ، مهددون بسوء العاقبة ،  مطرودون من رحمة الله ،  مستحقون للعنة الله وسخطه ، قال تعالى: ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين ﴾ هود: 18 ، وقال: ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ المائدة: 51،  وقال: ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الأنعام: 21 ، مع ما يصيب الظالم من الحسرة والندامة يوم القيامة ،﴿ ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ﴾الفرقان: 27 .

عباد الله : ومن صور الظلم: عقوق الوالدين ، وقطيعة الرحم  ، وهم أحوج الناس إلى الرفق والرحمة والعدل ،

وظلم الأزواج بعضهم البعض ، بسوء المعاملة ، أو التقصير في الحقوق ، أو التنكر للفضل والإحسان.

ومن صوره: ظلم الآخرين بالتعدي عليهم بالقول أو الفعل ، بالقتل أو الضرب ، أو بالسب والشتم ، أو الغيبة والنميمة ، أو التنابز بالألقاب ، أو احتقار الناس وازدرائهم ، أو فضح أسرارهم وتتبع عوراتهم ، أو تصوير الناس والتعدي على خصوصياتهم ، أو تعمد الخطأ على الآخرين من خلال السيارة ، أو عدم الالتزام بالطابور.

 ومن صور الظلم : أكل أموال الناس بالباطل ، والمماطلة في قضاء الديون ، والغش في البيع والشراء ، وأكل الربا ، وظلم الخدم والعمال ، والأيمان الكاذبة وشهادة الزور . 

ومن صوره: تفريط الموظف في مهامه وواجباته، واستغلاله لمنصبه، وتعطيله لمصالح الناس؛ لما في ذلك من ظلم للنفس بأكل الحرام ، وظلم للغير بتعطيل مصالحهم وحرمانهم من حقوقهم.

ومن صور الظلم: الهجران والتقاطع بين الناس لأتفه الأسباب ، وخاصة المصلين ، ورفع الأصوات في المساجد ، وحجز الأماكن ، ووضع الأحذية أمام أبواب المساجد ؛ مما يؤذي كبار السن وأصحاب العربات .

عباد الله : إن للظلم ألوانا وصورا تربو على الحصر ، فليحذر المسلم من التعدي على حقوق الآخرين أو الإساءة إليهم ، بأي شكل من الأشكال ، قال صلى الله عليه وسلم : " اتقوا الظلم ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" رواه مسلم .

 

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.        

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا  ،       أما بعد :

عباد الله : الظلم تعدي على الخالق ، وجور على المخلوق ، ومخالفة للطبائع ، ومضادة للشرائع ، ومحادة للحق ، وتمكين للباطل ، لا يسلم أصحابه من شؤمه ، ولا ينجو أتباعه من لؤمه ، أهله ملعونون , وحملته ممحوقون ، وأتباعه ممقوتون ، سببه الجهل بالله تعالى واليوم الآخر ، وغفلته عن عواقب الظلم الوخيمة ، قال تعالى: ﴿ إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا ﴾الكهف .

عباد الله: ومهما يكن المظلوم ضعيفا ؛ فإن الله ناصره ، وقد جعل الله عز وجل دعوة المظلوم مستجابة ، ولو كانت من كافر فكيف بالمسلم ، وذلك لما يصيب المظلوم من شعور بالذل والانكسار ، والقهر وقلة الحيلة ، قال صلى الله عليه وسلم: " دعوة المظلوم تحمل على الغمام ، وتفتح لها أبواب السماوات، ويقول الرب تبارك وتعالى: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين " رواه أحمد بسند صحيح.

ولا يغتر الظالم  بإمهال الله له ، فإن الله يمهل ولا يهمل ، قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته، قال: ثم قرأ: ﴿ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ﴾  رواه البخاري.

عباد الله : من كانت له مظلمة لأخيه من حقوق مالية أو معنوية ؛ فليبادر إلى التوبة والاستغفار ، وليرد الحقوق إلى أهلها ، وليتحلل منهم اليوم ، ما دام في وقت المهلة والإماكن، وليتذكر الموت وسكرته ، والقبر وظلمته ، والميزان ودقته ، والصراط وزلته، والحشر وأحواله، والنشر وأهواله ، سيعلم حينها أنه ما كان إلا في غرور ، قال صلى الله عليه وسلم: "  من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء ، فليتحلله منه اليوم ، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ، إن كان له عمل صالح ، أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم تكن له حسنات ، أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه " رواه البخاري.

 

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال تعالى: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

المرفقات

1770298498_خطر الظلم وسوء عاقبته خطبة2.docx

1770298499_خطر الظلم وسوء عاقبته خطبة2.pdf

المشاهدات 373 | التعليقات 0