رَمَضَانُ… فُرْصَةُ الرُّجُوعِ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَان
فهد فالح الشاكر
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى سَعَةِ رَحْمَتِهِ وَعَظِيمِ عَفْوِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَتَحَ بَابَ الرَّجَاءِ لِمَنْ أَثْقَلَتْهُ الذُّنُوبُ، وَلَمْ يُغْلِقْ بَابَ التَّوْبَةِ عَمَّنْ رَجَعَ وَأَنَابَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعُمْرَ أَيَّامٌ مَعْدُودَةٌ، وَأَنَّ الْمَوَاسِمَ تُقْبِلُ ثُمَّ تُدْبِرُ، وَأَنَّنَا الْيَوْمَ فِي أَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ وقَدْ مَضَى ثلثه .
عِبَادَ اللَّهِ
مَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ لَيْسَ وَقْتَ عَدٍّ وَلَا مَجَالَ تَسْوِيفٍ، بَلْ هُوَ وَقْتُ مَوَازَنَةٍ بَيْنَ مَا كَانَ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ، فَإِنْ صَلَحَ الْقَلْبُ صَلَحَ مَا بَعْدَهُ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَقَدْ فَاتَ الْمَوْسِمُ وَضَاقَ الْعُذْرُ.
وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا، وَهُوَ الْعَلِيمُ بِضَعْفِ عِبَادِهِ، لَمْ يَقْطَعِ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُذْنِبِينَ، وَلَمْ يُوصِدِ الْبَابَ فِي وُجُوهِ الْمُقَصِّرِينَ، بَلْ نَادَاهُمْ نِدَاءَ رَحْمَةٍ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، فَهِيَ دَعْوَةٌ لِلرُّجُوعِ، لَا تَسْوِيغًا لِلِاسْتِمْرَارِ، وَأَمَانٌ لِلْخَائِفِ، لَا تَطْمِينٌ لِلْمُقِيمِ عَلَى الذَّنْبِ.
وَلِيَعْلَمَ الْعِبَادُ كَمْ فَرِحَ اللَّهُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ:
«لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، مِنْ رَجُلٍ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هِيَ قَائِمَةٌ عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، فَقَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ».
وَيَقُولُ ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».
فَأَيُّ رَحْمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ؟
وَأَيُّ عُذْرٍ يَبْقَى بَعْدَ هَذَا النِّدَاءِ؟
عِبَادَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا نَدْرِي أَنُدْرِكُ آخِرَ رَمَضَانَ أَمْ نُدْرَجُ فِي الْأَكْفَانِ قَبْلَهُ، وَلَا نَدْرِي أَيُخْتَمُ لَنَا بِتَوْبَةٍ أَمْ يُخْتَمُ لَنَا بِغَفْلَةٍ، فَطُوبَى لِمَنْ عَادَ الْيَوْمَ، وَوَيْلٌ لِمَنْ سَوَّفَ حَتَّى يُقَالَ: فَاتَ الْأَوَانُ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
عِبَادَ اللَّهِ،
إِنَّ التَّوْبَةَ لَيْسَتْ كَلِمَةً تُقَالُ، وَلَا دَمْعَةً تُسْكَبُ، بَلْ هِيَ رُجُوعٌ صَادِقٌ، وَقَطْعٌ مَعَ الذَّنْبِ، وَبِدَايَةُ طَرِيقٍ جَدِيدٍ مَعَ اللَّهِ، فَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ صَدَقَ اللَّهُ مَعَهُ.
فَاحْفَظُوا صِيَامَكُمْ مِمَّا يُنْقِصُهُ، وَاحْفَظُوا صَلَاتَكُمْ مِمَّا يُضَيِّعُهَا، وَاحْفَظُوا قُلُوبَكُمْ مِمَّا يُقَسِّيهَا، فَإِنَّ أَعْظَمَ رِبْحٍ فِي رَمَضَانَ: قَلْبٌ تَائِبٌ، وَذَنْبٌ مَغْفُورٌ، وَخَاتِمَةٌ مَرْضِيَّةٌ.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾.
اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْنَا تَوْبَةً نَصُوحًا، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ رَمَضَانَ يَنْصَرِفُ إِلَّا وَقَدْ غَفَرْتَ لَنَا، وَأَصْلَحْتَ قُلُوبَنَا، وَغَسَلْتَ ذُنُوبَنَا، اللَّهُمَّ اخْتِمْ لَنَا بِرِضْوَانِكَ وَالْعِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ الآية
المرفقات
1772148939_ رَمَضَانُ… فُرْصَةُ الرُّجُوعِ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَان.pdf