رمضان ليس عادة؛ بل فرصة العمر

رمضان ليس عادة؛ بل فرصة العمر! 
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَتَفَضَّلُ عَلَى عِبَادِهِ بِالمَوَاسِمِ، وَيَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَيُجَدِّدُ لَهُمْ فُرَصَ العَوْدَةِ إِلَيْهِ كُلَّمَا أَثْقَلَتْهُمُ الذُّنُوبُ وَأَتْعَبَتْهُمُ الدُّنْيَا.
أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَكَرَمِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُطَهِّرُ القَلْبَ وَتَرْفَعُ العَبْدَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَلَّ الأُمَّةَ عَلَى مَوَاسِمِ الخَيْرِ، وَحَذَّرَهَا مِنْ الغَفْلَةِ عَنْهَا، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ التَّقْوَى هِيَ زَادُ المَسِيرِ، وَهِيَ مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ، وَبِهَا تُفْتَحُ أَبْوَابُ التَّوْفِيقِ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[البقرة: 183]
أيُّهَا المُسْلِمُونَ…
لم يأتِ بعدُ… ولكن القلوبَ قد سافرت إليه.
لم يُرَ الهلالُ… ولكن الأرواحَ تُحدِّق في الأفق تنتظره.
ما زال في الطريق… ومع ذلك امتلأت النفوسُ شوقًا، وتهيَّأت المساجدُ تستعدُّ لضيفٍ كريمٍ تُفتَح له القلوب قبل الأبواب.
أيُّ سرٍّ في شهرٍ لم يدخل بعد… فأيقظ فينا هذا الحنين
إِنَّهَا نَفَحَاتٌ تُقْبِلُ، وَأَيَّامٌ تُوشِكُ أَنْ تُطِلَّ، وَشَهْرٌ إِذَا دَخَلَ عَلَى العَبْدِ دَخَلَتْ مَعَهُ فُرَصُ الغُفْرَانِ وَمَفَاتِيحُ التَّغْيِيرِ… إِنَّهُ رَمَضَانُ.
رَمَضَانُ لَيْسَ اسْمًا فِي التَّقْوِيمِ، وَلَا عَادَةً تَتَكَرَّرُ، بَلْ هُوَ وَقْتٌ تَتَغَيَّرُ فِيهِ المَوَازِينُ، وَتُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابٌ لَا تُفْتَحُ فِي غَيْرِهِ؛ فَالسُّؤَالُ لَيْسَ: كم بقي ويَأْتِي رَمَضَانُ؟ 
وَلَكِنَّ السُّؤَالَ: كَيْفَ نَسْتَقْبِلُهُ؟ وَبِأَيِّ قَلْبٍ نَدْخُلُهُ؟
يَا رَمَضَانُ… مَا أَعْظَمَ الشَّوْقَ إِلَيْكَ!
لَمْ يَبْدُ هِلَالُكَ بَعْدُ، وَلَكِنَّ القُلُوبَ قَدْ تَأَهَّبَتْ لِإِقْبَالِكَ، وَتَفَتَّحَتِ الصُّدُورُ شَوْقًا لِنُورِكَ.
نَسْتَبْشِرُ بِفَضَائِكَ الطَّاهِرِ بَعْدَ جَفَافِ الأَرْوَاحِ، وَنَرْجُو فِيكَ سَاعَةَ صُلْحٍ مَعَ الطَّاعَاتِ بَعْدَ طُولِ إِعْرَاضٍ وَغَفْلَةٍ.
تَهِفُّ إِلَيْكَ الأَرْوَاحُ، وَتَتَرَقَّبُكَ العُيُونُ، وَتَشْتَاقُ الآذَانُ لِقُرْآنِ القِيَامِ فِي لَيَالِيكَ؛ فَمَرْحَبًا بِشَهْرٍ تَتَنَزَّلُ فِيهِ الرَّحْمَاتُ، وَتُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ المَغْفِرَةِ، وَتُعْتَقُ فِيهِ الرِّقَابُ مِنَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ…
إِنَّ بُلُوغَ رَمَضَانَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفَضْلٌ كَبِيرٌ مِنَ اللَّهِ، فاللهم أكرمنا بحسنِ البلوغ... 
فوالله قَدْ يَرْفَعُ اللَّهُ العَبْدَ بِرَمَضَانَ دَرَجَاتٍ لَا تَخْطُرُ لَهُ عَلَى بَالٍ.
اسْمَعُوا – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – إِلَى هَذَا المِيزَانِ العَجِيبِ:
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
جَاءَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا، فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الآخَرِ، فَغَزَا المُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ.
قَالَ طَلْحَةُ:
فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا أَنَا بِهِمَا، فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الجَنَّةِ فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: ارْجِعْ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ.
فَلَمَّا ذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟»
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، وَدَخَلَ هَذَا الآخَرُ الجَنَّةَ قَبْلَهُ!
فَقَالَ ﷺ:
«أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟»
قَالُوا: بَلَى.
قَالَ:
«وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ، فَصَامَهُ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا سَجْدَةً فِي السَّنَةِ؟»
قَالُوا: بَلَى.
قَالَ ﷺ:
«فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ»
اللهُ أَكْبَرُ…
سَنَةٌ وَاحِدَةٌ… وَرَمَضَانٌ وَاحِدٌ…
رَفَعَ رَجُلًا فَوْقَ شَهِيدٍ!
إِنَّهُ رَمَضَانُ شَهْرُ المَرَابِحِ، وَمَوْسِمُ الرِّفْعَةِ، وَسُلَّمُ الصُّعُودِ إِلَى رِضَا الرَّحْمَنِ؛
فَشُدُّوا العَزْمَ، وَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا، فَبِالجِدِّ يُنَالُ الفَضْلُ، وَبِالصِّدْقِ تُدْرَكُ الدَّرَجَاتُ.
فَاللهَ اللهَ يَا عَبْدَ اللهِ أَنْ تُعِدَّ العُدَّةَ لِمَدْرَسَةِ رَمَضَانَ؛
شَرْطُهَا الإِخْلَاصُ لِلَّهِ، وَالمُتَابَعَةُ لِرَسُولِهِ ﷺ،
فَمَنْ دَخَلَهَا بِصِدْقٍ خَرَجَ بِقَلْبٍ جَدِيدٍ، وَمَنْ دَخَلَهَا بِغَفْلَةٍ خَرَجَ كَمَا دَخَلَ.
وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائمُ
واعلَموا أنّ من دام كسله خاب أمله، وتحقَّق فشله، تقول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله يجتهِد في رمضانَ ما لا يجتهِد في غيره. أخرجه مسلم.
رمضان .. شهرُ القبول والسّعود ، والعتقِ والجود ، والترقّي والصّعود، فيا خسارة أهلِ الرّقود والصّدود،
فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
ارْتَقَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ دَرَجَةً، فَقَالَ: آمِينَ،
ثُمَّ ارْتَقَى الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: آمِينَ،
ثُمَّ ارْتَقَى الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: آمِينَ.
فَلَمَّا اسْتَوَى فَجَلَسَ، قَالَ أَصْحَابُهُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى مَا أَمَّنْتَ؟
قَالَ ﷺ:
«إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَقَالَ:
رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ،
فَقُلْتُ: آمِينَ.
وَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أَوْ أَحَدَهُمَا، فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الجَنَّةَ،
فَقُلْتُ: آمِينَ.
وَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ،
فَقُلْتُ: آمِينَ». رواه البزّار، وصحّحه الألباني
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ:
«إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.
اللهُ أَكْبَرُ…
مَا أَكْرَمَهُ مِنْ رَبٍّ!
خُطْوَةٌ مِنْكَ… وَإِقْبَالٌ مِنْهُ.
قُرْبٌ مِنْكَ… وَمَزِيدُ قُرْبٍ مِنْهُ.
فَكَيْفَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؟
فَاللهَ اللهَ يَا عَبْدَ اللهِ…
أَنْ تُعِدَّ العُدَّةَ لِدُخُولِ مَدْرَسَةِ رَمَضَانَ؛
فَإِنَّهَا مَدْرَسَةٌ لَيْسَتْ كَسَائِرِ المَدَارِسِ، وَمِيزَانٌ لَيْسَ كَسَائِرِ المَوَازِينِ.
وَلِهَذِهِ المَدْرَسَةِ شَرْطَا قَبُولٍ لَا يَنْفَعُ عَمَلٌ بِدُونِهِمَا:
أَوَّلُهُمَا: الإِخْلَاصُ لِلَّهِ تَعَالَى؛ فَلَا يَرْفَعُ العَمَلَ إِلَّا صِدْقُ القَلْبِ.
وَالثَّانِي: المُتَابَعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلٌ خَالَفَ هَدْيَهُ وَسُنَّتَهُ.
فَمَدْرَسَةُ رَمَضَانَ تَحْتَاجُ إِلَى صِدْقٍ فِي النِّيَّةِ، وَصِدْقٍ فِي العَمَلِ، وَصِدْقٍ فِي الاِقْتِدَاءِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ التَّفَوُّقَ فِيهَا لَيْسَ حِكْرًا عَلَى أَحَدٍ؛
فَلَا حَدَّ لِفَضْلِهَا، وَلَا سَقْفَ لِخَيْرِهَا؛
فَكُلَّمَا زِدْتَ عَمَلًا زَادَكَ اللَّهُ نُورًا، وَكُلَّمَا صَدَقْتَ قَرَّبَكَ، وَكُلَّمَا أَقْبَلْتَ أَفَاضَ عَلَيْكَ لَذَّةً وَسُرُورًا فِي الدُّنْيَا، وَرَفْعَةً وَنَعِيمًا فِي الآخِرَةِ.
فَأَعِدُّوا العُدَّةَ لاِسْتِقْبَالِ أَعْظَمِ الشُّهُورِ، وَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزُوا، وَخُذُوا أَنْفُسَكُمْ بِالعَزْمِ وَلَا تَسْتَسْلِمُوا لِلفُتُورِ.
اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا شَهْرَ القُرْآنِ، وَوَفِّقْنَا فِيهِ لِلصِّيَامِ وَالقِيَامِ، وَاجْعَلْهُ شَهْرَ تَغْيِيرٍ وَرِفْعَةٍ لَنَا، لَا شَهْرَ غَفْلَةٍ وَحِرْمَانٍ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
 
الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ…
إِذَا كَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ يَمُنُّ عَلَى العِبَادِ بِرَمَضَانَ، فَإِنَّ أَعْظَمَ مَا يُقَابَلُ بِهِ هَذَا المِنَّةُ: قَلْبٌ يَعْرِفُ قَدْرَهَا.
فَرَمَضَانُ نِعْمَةٌ لَيْسَتْ لِكُلِّ أَحَدٍ؛ كَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ لَهُ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَكَمْ مِنْ مُدْرِكٍ لَهُ لَمْ يَغْتَنِمْهُ.
وَمِنْ سُوءِ الحِرْمَانِ: أَنْ يَمُرَّ رَمَضَانُ عَلَى القَلْبِ مَرَّ السَّحَابِ… لَا يُحْيِي فِيهِ إِيمَانًا، وَلَا يُطَفِئُ فِيهِ شَهْوَةً، وَلَا يُغَيِّرُ فِيهِ خُلُقًا.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَخُذُوا مِنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِقَدْرِهَا، فَإِنَّ العُمْرَ مَوَاسِمُ، وَمَنْ فَقَدَ مَوْسِمَهُ فَقَدْ فَقَدَ كَثِيرًا…
وَهَا نَحْنُ عَلَى أَبْوَابِ رَمَضَانَ؛ فَلْنَدْخُلْهُ دُخُولَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ بِقَلْبٍ جَدِيدٍ.
عِبَادَ اللَّهِ…
حَانَ وَقْتُ الصُّلْحِ في علاقتنا مَعَ اللَّهِ.
حَانَ وَقْتُ أَنْ نُرَاجِعَ عَهْدَنَا مَعَ الصَّلَاةِ، وَأَنْ نُصْلِحَ مَا انْكَسَرَ مِنْ صِلَتِنَا بِرَبِّنَا.
حَانَ الوَقْتُ لأَنْ نَتذُوقَ لَذَّةَ العِبَادَةِ بَعْدَ طُولِ الغَفْلَةِ، وَأَنْ نَعْرِفَ أَنَّ فِي السُّجُودِ سِرًّا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ أَطَالَهُ، وَأَنَّ فِي القُرْآنِ أُنْسًا لَا يَجِدُهُ إِلَّا مَنْ أَدْمَنَ صُحْبَتَهُ.
إِنَّ العِبَادَةَ لَيْسَتْ غما كَمَا يَظُنُّ الغَافِلُونَ؛
بَلْ هِيَ رَاحَةُ القُلُوبِ، وَسَعَادَةُ الأَرْوَاحِ، وَمِفْتَاحُ الجَنَّةِ.
وَمَنْ ذَاقَ عَرَفَ… وَمَنْ عَرَفَ اغْتَرَفَ.
وَإِنْ كَانَ فِي العِبَادَةِ شَيْءٌ مِنَ المَشَقَّةِ، فَهِيَ مَشَقَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ، تَعْقُبُهَا لَذَّةٌ فِي القَلْبِ، وَسَعَادَةٌ فِي الدُّنْيَا، وَفَرْحَةٌ عَظِيمَةٌ يَوْمَ لِقَاءِ اللَّهِ.
وَأَمَّا المَعْصِيَةُ فَلَذَّةٌ خَاطِفَةٌ، سَرِيعَةُ الزَّوَالِ، تَعْقُبُهَا حَسْرَةٌ طَوِيلَةٌ، وَنَدَامَةٌ مُقِيمَةٌ، وَعُقُوبَةٌ إِنْ لَمْ يُتُبِ العَبْدُ إِلَى اللَّهِ.
أَلَا وَإِنَّ رَمَضَانَ يُرَبِّي فِيكَ عُلُوَّ الهِمَّةِ؛
فَالجَنَّةُ لَا تُنَالُ بِالتَّمَنِّي، وَلَا تُدْرَكُ بِالفُتُورِ.
قِيلَ:
وَعَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتِي العَزَائِمُ
وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ
وَقَالَ آخَرُ:
إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومِ
فَلَا تَقْنَعْ بِمَا دُونَ النُّجُومِ
فَارْفَعْ هِمَّتَكَ… فَإِنَّ رَبَّكَ كَرِيمٌ، وَمَوْسِمَكَ عَظِيمٌ، وَجَنَّتَكَ عَالِيَةٌ.
وَتَأَمَّلُوا – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – لُطْفَ اللهِ فِي آيَاتِ الصِّيَامِ:
لَمَّا ذَكَرَ أَحْكَامَ الصِّيَامِ قَالَ:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
[البقرة: 186]
جَاءَتْ آيَةُ الدُّعَاءِ فِي قَلْبِ آيَاتِ الصِّيَامِ؛ لِتَدُلَّ عَلَى أَنَّ أَعْظَمَ مَا فِي الصِّيَامِ هُوَ القُرْبُ، وَأَنَّ أَفْضَلَ مَا يُفْتَحُ لِلصَّائِمِ هُوَ بَابُ الدُّعَاءِ.
فَالصِّيَامُ يُرَقِّقُ القَلْبَ، وَيُذِلُّ النَّفْسَ، وَيَكْسِرُ الشَّهْوَةَ، فَيَكُونُ العَبْدُ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ إِلَى رَبِّهِ، وَأَرْجَى مَا يَكُونُ لِلإِجَابَةِ.
وَلِذَلِكَ كَانَ لِلصَّائِمِ دَعْوَةٌ لَا تُرَدُّ عِنْدَ فِطْرِهِ.. 
وَلَاحِظُوا…
لَمْ يَقُلْ: فَقُلْ إِنِّي قَرِيبٌ،
بَلْ قَالَ: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾
بِلَا وَاسِطَةٍ… بِلَا حَاجِبٍ… بِلَا مَسَافَةٍ.
كَأَنَّهُ يَقُولُ لَكَ:
إِذَا صُمْتَ لِي… فَأَنَا قَرِيبٌ مِنْكَ.
إِذَا دَعَوْتَنِي… فَأَنَا أُجِيبُكَ.
إِذَا خَطَوْتَ إِلَيَّ… أَقْبَلْتُ عَلَيْكَ.
فَاللَّهَ اللَّهَ فِي الدُّعَاءِ…
فَرُبَّ دَمْعَةٍ فِي دعوة، فَتَحَتْ بَابًا فِي السَّمَاءِ.
وَرُبَّ سُجُودٍ صَادِقٍ، غَيَّرَ قَدَرًا فِي الحياة كلها!
عِبَادَ اللَّهِ…
رَمَضَانُ شَهْرُ القُرْآنِ؛ فِيهِ ابْتَدَأَ نُزُولُهُ، وَفِيهِ كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُدَارِسُ النَّبِيَّ ﷺ كِتَابَ اللَّهِ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ، يُعَاهِدُهُ بِهِ، وَيُذَاكِرُهُ إِيَّاهُ.
وَفِيهِ يَبْلُغُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذِرْوَةَ الاِجْتِهَادِ، فَيَشْتَدُّ قِيَامُهُ، وَيَعْظُمُ بَذْلُهُ، وَيَفِيضُ جُودُهُ، حَتَّى كَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ.
وإِذَا ذُكِرَ رَمَضَانُ ذُكِرَ هَدْيُهُ، وَإِذَا ذُكِرَ القُرْآنُ ذُكِرَ خُلُقُهُ، فَهُوَ الَّذِي كَانَ خُلُقَهُ القُرْآنُ ﷺ.
فَصَلُّوا وَسَلِّمُوا – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ قَالَ رَبُّكُمْ سُبْحَانَهُ:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ بُلُوغَ رِضًا وَتَوْفِيقٍ، وَأَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ القُرْآنِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُكَ وَخَاصَّتُكَ، وَارْزُقْنَا فِيهِ صِدْقَ الإِخْلَاصِ وَحُسْنَ الاِتِّبَاعِ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَانْصُرْ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِلمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَعْمَارِنَا وفِي أَوْقَاتِنَا ، وَأَصْلِحْ أَعْمَالَنَا، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ،
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ * وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾.
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
المرفقات

1770911138_رمضان ليس عادة؛ بل فرصة العمر!.pdf

المشاهدات 249 | التعليقات 0