رمضان مدرسة الثبات

يحيى الشيخي
1447/09/10 - 2026/02/27 03:23AM

الخطبة الأولى :

الحمدُ للهِ الذي جعلَ رمضانَ ميدانًا للمسابقةِ، نحمدُهُ سبحانهُ على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ونشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، أعزَّ جندَهُ، ونصرَ عبدَهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدَهُ، ونشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، أمَّا بعدُ، فيا عبدَ اللهِ: فأوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾.

إِخْوَةَ الإِيمانِ:

لِكُلِّ عِبَادَةٍ آدَابٌ، بِرِعَايَتِهَا تَتَحَقَّقُ حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّـتِهَا، وَتُجْنَى ثِمَارُهَا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ r : ( الصَّوْمُ جُنّةٌ )، وَالجُنَّةُ هِيَ الوِقَايَةُ وَالسِّـتْرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الصَّومُ كَذَلِكَ لأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَالنَّارُ مَحْـفُوفَةٌ بِالشَّهَوَاتِ، فَإِذَا كَفَّ الصَّائِمُ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ المُحَرَّمَةِ فِي الدُّنيَا كَانَ ذَلِكَ سِتْرًا لَهُ مِنَ النَّارِ فِي الآخِرَةِ، فَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيْرًا مِنْهُ، غيرَ أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِمُرَاعَاةِ آدَابِ الصِّيَامِ الواجبة ، فَمَنْ كَانَ صَائِمًا حَقًّا فَلْيَكُفَّ نَفْسَهُ عَنِ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَلْيُمْسِكْ لِسَانَهُ عَنِ الأَيمَانِ الفَاجِرَةِ وَالأَخْبَارِ الكَاذِبَةِ، فاللسانُ ضررهُ عظيم ، وخطرهُ جسيمٌ فرحم اللـهُ مسلماً حَبسَ لسانَه عن الفحش وبذيء الكلام، وقيدَه عن الغيبةِ والنميمةِ، ومنعَهُ من اللغوِ والحرام . ومن كان صائماً حقاً فليصرفْ سَمْعَهُ عَنِ الأَرَاجِيفِ البَاطِلَةِ وَالإِشَاعَاتِ المُغْرِضَةِ، والنغمةِ المحرمةِ، والكلمةِ الآثمة.

يا أُذنُ لا تسمعي غيرَ الهدى إبدا ** إن استماعَكِ للأوزارِ أوزارُ

ومن كان صائماً حقاً فعليه أن ْيَغُضَّ بَصَرَهُ عَنِ المحارمِ والمَمْـنُوعَاتِ فصيامُ العينِ غضُها عن الحرام، وإغماضُها عن الفحشاءِ، وإغلاقُها عن المناهي، فالعينُ رائدٌ إذا أُرسلَ صاد، وإذا قُيدَ انقاد، وإذا أُطلقَ وقع بالقلبِ في الفساد ( قل للمؤمنينَ يغضوا من أبصارِهم ويحفظوا فرجَهم  ذلك أزكى لهم إنَّ الله خبيرٌ بما يصنعون ). 

ومن كان صائما حقاً فليكفَّ عَنِ احتِقَارِ النَّاسِ وَإِيذَائِهِمْ وَالسُّخْرِيَةِ مِنْهُمْ وَالتَّجَسُّسِ عَلَيْهِمْ وَسُوءِ الظَّنِّ بِهِمْ

أيها الإخوة: إن عَلَى الصَّائِمِ أَنْ يَرْعَى تِلْكَ الآدَابَ، وَيَحْـفَظَ لِسَانَهُ وقلبَهُ عَنْ سَيِّئِ الأَخْلاقِ وَمَسَاوِي الصِّفَاتِ، في الحديث ( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَولَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ )، فَإِذَا لَمْ يَزَلِ الصَّائِمُ مُتَّبِعًا لِلْهَوَى وَالرَّغَبَاتِ، قَائِمًا عَلَى المَعَاصِي وَالمُخَالَفَاتِ، فَلْيَعْـلَمْ أَنَّهُ فِي صُورَةِ صَائِمٍ، وَفِي الحَقِيقَةِ جَائِعٌ عَطْشَانُ، وَكَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلاَّ الجُوعُ والعطش، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلاَّ السَّهَرُ والتعب.

إِذَا لَم يَكُنْ فِي السَّمْعِ مِنِّي تَصَاوُنٌ** وَفِي بَصَرِي غَضٌّ وَفِي مَنْطِقِي صَمْتُ

فَحَظِّي إِذَنْ مِنْ صَومِيَ الجُوعُ وَ الظَّمأ** فَإِنْ قُلْتُ إِنِّي صُمْتُ يَومِي فَمَا صُمْتُ

فَاتَّقُوا اللـهَ - عِبَادَ اللهِ -، وَصُونُوا صَوْمَكُمْ، وَاحفَظُوا جَوَارِحَكُمْ، تُدْرِكُوا سَعَادَتَكُمْ وَتَنَالُوا بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ....

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.. أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا عِبَادَ اللهِ: فِي مِثْلِ هَذِهِ الأَيَّامِ الغُرِّ، مِنَ العَشْرِ الوُسْطَى لِشَهْرِ البِرِّ، وَفِي السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ فِي العَامِ الثَّانِي لِلهِجْرَةِ، وَقَعَتْ حَادِثَةٌ جَلِيلَةٌ، وَمَلْحَمَةٌ نَبِيلَةٌ، غَيَّرَتْ مَجْرَى التَّارِيخِ، وَأَعْلَتْ صَرْحَ التَّوْحِيدِ وَالتَّشْمِيخِ؛ أَلَا وَهِيَ "غَزْوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى", لِمَاذَا نَتَذَكَّرُ بَدْرًا فِي هَذَا الأَوَانِ؟ إِنَّ ذِكْرَى بَدْرٍ يَا عِبَادَ اللهِ، لَيْسَتْ حِكَايَةً تُسْرَدُ، أَوْ ذِكْرَى تُرَدَّدُ، بَلْ هِيَ مَدْرَسَةٌ فِي اسْتِغْلَالِ الأَوْقَاتِ، وَتَحْوِيلِ المِحَنِ إِلَى كَرَامَاتٍ: فَالنَّصْرُ لَا يُنَالُ بِالرَّاحَةِ: وَالظَّفَرُ مَقْرُونٌ بِالدُّعَاءِ: لَقَدْ بَاتَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَادِي مَوْلَاهُ، وَيَمُدُّ لِلسَّمَاءِ يَدَاهُ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ؛ وَنَحْنُ فِي أَيَّامِ المَغْفِرَةِ، أَحْوَجُ مَا نَكُونُ لِهَذَا الِابْتِهَالِ، لِيَمْحُوَ اللهُ عَنَّا سَيِّءَ الأَعْمَالِ, والثَّبَاتَ الَّذِي رَسَمَهُ أَهْلُ بَدْرٍ فِي المَيْدَانِ، هُوَ الثَّبَاتُ الَّذِي نَنْشُدُهُ اليَوْمَ لِحِفْظِ الأَرْكَانِ، فَلنُجَاهِدُ أَنْفُسَنَا عَنِ المَعَاصِي وَالآثَامِ، لِنُكْمِلَ مَسِيرَةَ القِيَامِ وَالصِّيَامِ ولنكثر من الصدقة والإحسان ثم التوبة التوبة .

.فاتقوا الله عباد الله, وصلوا وسلموا على رسول الله, قال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ).

كتبها: يحيى الشيخي

المشاهدات 277 | التعليقات 0