رمضان مدرسة للتغيير وإصلاح النفس

عبدالرحمن اللهيبي
1447/09/10 - 2026/02/27 08:54AM
من المنقول بتصرف 
 
 

الحمد لله الذي هيأ لعباده أسباب الهداية ، ويسر لهم دروب الخير والاستقامة ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوثُ رحمة للعالمين ، وهداية للخلق أجمعين ، وعلى من سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين .
أما بعد : 
أيها المسلمون: ها هو رمضان قد تغشاكم بنوره وخيراته ، وكساكم ببره ورحماته ، فقد جاء رمضان ليربي فينا قوة الإرادةِ على البر والخير ، والعزيمةَ على الهدى والرشد، ليربي فينها القدرةَ على كسر الشهوات ، والصبر على الطاعات ، والصدق والعزيمة على ترك السيئات

فرمضان يا مسلمون ليس شهرا كبقية الشهور بل مدرسة تربوية يتدرب فيها المسلم على تقوية الإرادة في تعظيم الحرمات محققا بذلك التقوى التي أرادها الله من صيام هذا الأيام المباركات ، فما يفعل الله بجوعكم وعطشكم إنما يريد بذلك تحقيق التقوى منكم ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) قال ابن القيم: ما استعان أحد على تقوى الله وحفظ حدوده واجتناب محارمه بمثل الصوم
لذا يا مسلمون فشهر رمضان فرصة عظيمة للتغيير، فرصة عظيمة لفتح صفحة جديدة مع الله ، رمضان فرصة للوقوف مع النفس ومحاسبتها لتصحيح ما فات ، واستدراك ما هو آت ، قبل أن تحُلَ بنا الزفرات ، وتشتد علينا السكرات.

رمضان فرصة للتغيير فأسباب العون فيها كثيرة ، الشياطين فيه تصفد، وأبواب الجنان فيه تفتح ، وأبواب النيران تغلق والذنوب فيه تغفر، والرقاب تعتق ، وأسباب التغيير في هذا الشهر مهيأة ، والأبواب فيه مشرعة ، وما بقي إلا النية الصالحة ، والعزيمة الصادقة ، والإرادة الجادة ، استعينوا بالله واصبروا على الطاعات وجاهدوا النفس في ترك المحرمات ، فإلى متى يا عباد الله نبقى على حالنا مع التقصير في حق ربنا وهذا العمر يجري بنا ، والصالحون يتنافسون على الخير من حولنا ، ونحن نتنافس على لعاعة الدنيا وكأننا خلقنا لأجلها

فيأيها الصائمون : والله إن رمضان فرصة للتغيير لمن كان مفرطاً في صلاته ، لمن يؤخرها عن وقتها ، أو ينام عنها ، أو ينقرها بلا طمأنينة نقر الغراب.. ألا فليعلم المتهاون في صلاته ، أنه يرتكب في حق نفسه خطأً جسيما ، وظلما عظيما ، وإن لم يتدارك نفسه ، فهو والله على خطر عظيم إن لم يتداركه الله برحمته، فقد قال ﷺ في الرؤيا التي رآها:" أما الذي يُثلغ رأسه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة " رواه البخاري
فيا أيها الصائم إني أدعوك ونفسي بكل شفقة وإخلاص أدعوك ونفسي إلى مراجعة النفس ، وتصحيح المسار

فاستيقظ أيها الصائم من نومتك ، وتنبه من غفلتك ، فالحياة قصيرة وإن طالت ، والفرحة زائلة وإن دامت ، والساعة قريبة وإن رأيتها بعيدة (إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا) ، فاستعن بالله تعالى ، واعقد العزم من الآن أن يكون هذا الشهر المبارك بدايةً جادة للمحافظة على الصلاة ، والتبكير إليها ، وحسن الإقبال فيها، فقد وفقك الله في هذا الشهر للمحافظة عليها ، وإلف المساجد وارتيادها، والله تعالى يقول في وصــف المؤمنين: { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ } 

أيها الصائمون : إن رمضان فرصة للتغيير .. لمن ابتلاه الله بتعاطي الحرام ، من المخدرات أو الدخان ، ألم تملك تلك العزيمة التي جعلتك تمسك طوال ساعات النهار؟ وأنت تفعل ذلك طاعة لله وطلبا لرضوان الله، فمن الذي جعلك تمتنع عن تعاطي هذه السموم في وقت الصيام؟ أليس خوفُك من العظيم الجبار ، ومراقبتُك للواحد القهار ، وشعورك بنظر الله إليك ، واطلاعه عليك، وإني لأتساءل بصدق . . تلك الخشية في الغيب من الله ، وتلك الإرادة الصادقة التي دفعتك لأن تصوم عن الطعام والشراب لأكثر من اثنتي عشرة ساعة ، أتعجز عن مواصلة مسيرتها الإصلاحية في ترك ما لا فائدة فيه للجسد فضلا عن ما فيه من الإثم والبلاء والضرر

أين خشية الرحمن بالغيب ؟ وأين العزيمة القوية التي صمدت عن تعاطي هذا البلاء ، لهذه الفترة الطويلة أثناء النهار . . فكيف لها أن تنهار في آخر لحظات الإسفار ، وعند شكر لله للطائعين الأبرار بعتق الرقاب من النار ..
فاستعن بالله يا أُخي على ترك هذا البلاء ، وأبشر بعظيم الأجر والجزاء ، عليك الصدق والمجاهدة وأبشر من الله بالهداية فالله يقول: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين"
أيها الصائمون : إن رمضان فرصة للتغيير .. لمن هجر كلام الرحمن ، واعتلى الغبار في بيته على القرآن ، فاجعل من شهر القرآن بداية للتغيير ، رتب لنفسك كل يوم جزءاً من القرآن طوال العام ، لا تنفك عنه أبدا ، فالأمر والله يسير ، والوقت المبذول فيه قصير ، فكلها عشرون دقيقة تستقطعها من وقت عكوفك على شاشة الجوال ، ولا تنس ذلك الفضل الجزيل لمن قرأ كلام الله الجليل، قال ﷺ :

" من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف "  ثم أبشر أيضا بشفاعة القرآن لك في الآخرة فإنه سيأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه حتى يدخلهم الجنة وبهذا صح الخبر عن سيد البشر ﷺ

أقول قولي هذا ............

 

أيها الصائمون : رمضان فرصة للتغيير .. لمن كان يأكل الحرام .. بأكله الربا ، أو التلاعب في البيع والشراء ، أو من يأكلون حقوق العمال والأجراء ، أو يعتدون على حقوق الآخرين في الميراث وغيره ، أو يبخلون بالزكاة المفروضة فرمضان فرصة لأن يغير هذا العبد من حاله ، وأن يستغفر الله من ذنبه ، وأن يبدل من شأنه ، وأن يدع أكل الحرام .

فإن الله سيحاسبنا على مثقال الذرة ، فحَـذار حذار من القوي القهار!! يقول المصطفى المختار: " لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت ، النار أولى به "

فهل يسرك يا من تغذى جسدُك بالحرام أن أهل المال الحلال يؤخذ بهم إلى الجنان وأنت يساق بك إلى النيران؟ هل يسرك أن أهل الإيمان يرفعون أيديهم في صلاة القيام يسألون الله من فضله ورحمته وجوده فيستجاب لهم ..  وأنت ترد عليك دعوتُك؟  فقد: " ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجلَ يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب ، يا رب ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك " 
أيها الصائمون : رمضان فرصة للتغيير .. لمن كان مسرفاً على نفسه بالخطايا والموبقات ، من آثام اللسان في الغيبة والنميمة وسائر الآفات، ومن النظر إلى النساء السافرات المتبرجات ، ومن الاستماع إلى ما لا يحل من الوقيعة في أعراض الناس واستماع المعازف والقينات ..  بأن يسارع العبد إلى التوبة والإنابة ، قبل أن لا تقـال العثرات ، ولا تستدرك الزلات ..

{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }

فبادر يا رعاك الله بالتوبة النصوح في هذا الشهر المبارك وليكن رمضان هذا العام بداية جادة للإصلاح والتغيير ولفتح صفحة جديدة في العلاقة مع الله ، تشرق بنور التوبة والإنابة ، جعلني الله وإياك ممن فاز بالرضا والرضوان ، والفوز بالجنان ، والعتق من النيران .

المشاهدات 239 | التعليقات 0