رمضان موسمٌ عظيم

محمد بن عبدالله التميمي
1447/09/02 - 2026/02/19 22:05PM

 

الخُطْبَةُ الأُوْلَى

الحَمْدُ للـهِ ذِي الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، فَرَضَ عَلَى عِبَادِهِ الصِّيَامَ؛ لِيُطَهِّرَهُمْ بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالآثَامِ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللـهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ، يَقْبَلُ مِنْ عِبَادِهِ الخَالِصَ مِنَ الطَّاعَاتِ، ويَرفَعُ بِالصِّيامِ لَهُمُ الدَّرَجَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَفضَلُ مَنْ صَلَّى وصَامَ وَأَدَّى شَعائِرَ الإِسلاَمِ، صلى الله عليه وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى كُلِّ مَنِ اهْـتَدَى بِهَدْيِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ. أَمَّا بَعْدُ:

فأوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ فاتَّقُوا اللـهَ الَّذِي بَلَّغَكُمْ شهْرَ الصيام الذي كُتب عليكم لتحقيق تقواه، وَمَنَّ عَلَيْكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الفَضَائلِ المُبلِّغَةِ رِضَاه. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وفي آخر آيات الصيام يقول الله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} فالصِّيَامُ شُرعَ تَطْهِيرًا لِلنَّفْسِ وَتَربِيَة، وَإِصْلاَحًا لَهَا وَتَزكِيَة، يُنَمِّي فِيهَا المُؤمِنُ إِرَادَتَهُ، ويُقَوِّي عَزِيمَتَهُ، يَقُودُ نَفْسَهُ ولا تَقُودُهُ، كَيفَ لا؟ وَقَدْ أمْسَكَ عَنِ المُبَاحَاتِ؛ فأوْلَى أنْ يَقْوَى عَلَى تَرْكِ المُحَرَّمَاتِ. فكلما هَمَّ الصائمُ بمعصيةٍ فلْيَتَذكَّرْ أنَّه صائمٌ فيَمتنعُ عنها؛ ولهذا قال ﷺ: «إِذَا أَصبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا؛ فَلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ؛ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ»، فأمرَ ﷺ الصائمَ ذلك تنبيهاً له على أن الصائمَ مأمورٌ بالإمساكِ عن السبِّ والشتمِ، وتذكيراً لنفسِه بأنَّه متلبسٌ بالصيامِ فيمتنعُ عن المقابلةِ بالسبِّ والشتام.

فرمضانُ فُرصَةٌ لِتَحرِيرِ القَلْبِ مِنْ أَغْلَالِ الحِقْدِ والحَسَدِ، والغَضَبِ والاِنتِقَام.

فمن حكم الصيام: إِمْسَاكُ النَّفْسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا، وَفِطَامُهَا عَنْ سَيِّئِ مَأْلُوفَاتِهَا، فَهُوَ لِجَامُ المُتَّـقِينَ، وَجُنَّةُ الأَبْرَارِ وَالمُقَرَّبِينَ {فنِعمَ أجرُ العَامِلِين}، فإذا أطلقَ المرءُ لنفسه عنَانَها أَوْقَعَتْهُ في المسالِكِ الـرَّدِيَّة، وإذا أخَذَ بالزِّمَام ونَحَّاهَا عمَّا يُلام قادها إلى أعلى المطالبِ العَلِيَّة.

فرَمَضَانُ فُرصَةٌ لِلتَّحَرُّرِ مِنْ أَثْقَالِ الذُّنُوبِ، بِالتَّوبَةِ إلى عَلَّامِ الغُيُوبِ؛ والـمَحرُوْمُ مَنْ حُرِمَ التَّوْبَة، في شَهْرِ المَغْفِرَة، قال ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ». إنَّ رَمَضَانَ فُرْصَةٌ لتَرْكِ ما لا يَعْنِي؛ وقد كانَ السَّلَفُ إذا صَامُوا؛ جَلَسُوا في المَسَاجِدِ وقالوا: (نَحْفَظُ صَوْمَنَا، ولا نَغْتَابُ أَحَدًا).

في رمضانَ تتجلَّى مُرَاقَبَةُ الخَالِقِ، وقد قال النبيُّ ﷺ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضاعَفُ، الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثالِها، إلى سَبْع مِائَة ضِعْفٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إلّا الصَّوْمَ؛ فإنَّه لي، وَأَنا أَجْزِي به، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعامَهُ مِن أَجْلِي، والصِّيامُ جُنَّةٌ» متفقٌ عليه. وَالجُنَّةُ هِيَ الوِقَايَةُ وَالسِّـتْرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الصَّومُ كَذَلِكَ لأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَالنَّارُ مَحْـفُوفَةٌ بِالشَّهَوَاتِ، فَإِذَا كَفَّ الصَّائِمُ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ المُحَرَّمَةِ فِي الدُّنيَا كَانَ ذَلِكَ سِتْرًا لَهُ مِنَ النَّارِ فِي الآخِرَة.

عباد الله.. ومن حِكَمِ الصيام: أنْ يَعرفَ الغنيُّ قدرَ نعمةِ اللـهِ عليه وقد حُرِمَ كثيرٌ من الخلقِ، فيَحمَدُ اللـهَ على النِّعَمِ ويَشكُرُ، ولإخوانه الفقراء يَذْكُرْ، فيَجودُ عليه بالصدقةِ. فرمضانُ فُرصَةٌ للعَطَاءِ والبَذْلِ! وقد «كَانَ ﷺ أَجوَدَ النَّاسِ، وكَانَ أَجْوَدُ ما يَكُونُ في رَمَضَانَ» متفقٌ عليه. قال ابنُ القَيِّم: (لمَّا كانَ البَخِيلُ مَحْبُوْسًا عَنِ الإِحسَانِ؛ فَهُوَ ضَيِّقُ الصَّدرِ، كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ مَنَعَهُ بُخْلُهُ؛ فَبَقِيَ قَلْبُهُ في سِجْنِهِ! والمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ انْشَرَحَ قَلْبُهُ). فينبغي على المسلمِ: أن يَتَفَقَّدَ المُحتاجِين؛ وأن يحذرَ من المُحتالِيْن، وأن يبدأَ في صَدَقَتِه بالـمُقَرَّبِين؛ قال ﷺ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكَيْنِ صَدَقَةٌ، وهيَ على ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ، وصِلَةٌ».  فينبغي على المسلمِ: أن يَتَفَقَّدَ المُحتاجِين؛ وأن يحذرَ من المُحتالِيْن، وأن يبدأَ في صَدَقَتِه بالمُقَرَّبِين؛ قال ﷺ: (الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكَيْنِ صَدَقَةٌ، وهيَ على ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ، وصِلَةٌ).

ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ الصَّوْمِ: نَفْسَ الجُوعِ والعَطَشِ، بَلْ مَا يَتْبَعُهُ مِنْ تَطْوِيعِ النَّفْسِ الأَمَّارَةِ، والاِنْتِصَارِ عَلَيْهَا، والتَّخَلُّصِ مِنْ رِقِّهَا! قال ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، والعَمَلَ بِهِ، والجَهْلَ؛ فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ» رواه البخاري.

قال ابنُ القَيِّم: (الحُرُّ المَحْضُ: هُوَ الَّذِي قَهَرَ شَهْوَتَهُ ونَفْسَهُ ومَلَكَهَا: فَانْقَادَتْ مَعَهُ، وذَلَّتْ لَهُ، ودَخَلَتْ تَحْتَ حُكْمِهِ).

قال ابنُ رَجَب: (واعْلَمْ أنَّ المُؤْمِنَ يَجْتَمِعُ لَهُ -في شَهْرِ رَمَضَانَ- جِهَادَانِ لِنَفْسِهِ: جِهَادٌ بالنَّهارِ على الصيامِ، وجِهَادٌ بِاللَّيلِ على القِيَام).

ومِنْ وصايا رمضان: الحذَرُ مِنَ التباهِي أو الإسرافِ في موائِدِ الإفطار؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.

عباد الله الصائمين: مَنْ قَامَ بِحَقِّ رَمَضَانَ، واجْتَهَدَ فِيْهِ -إِيْمَانًا واحْتِسَابًا-؛ حَرِيٌّ أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنَ السِّجْنِ الأَعْظَمِ: بالعِتْقِ مِنَ النِّيْرَانِ، والفَوزِ بِالجِنَانِ! فَفِي شَهرِ رَمَضَانَ: «يُنَادِي مُنَادٍ: يا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، ويَا باغِيَ الشَّرِّ أَقْصِر، ولِلهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وذَلِكَ كُلّ لَيْلَةٍ».

فَهَذِهِ فُرصَةٌ سَنَوِيَّة؛ للسَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ؛ فَالجِنَانُ مُفَتَّحَة، والنِيْرَانُ مُغَلَّقَة، والشَّيَاطِينُ مُصَفَّدَة، قال ﷺ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ: فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِين» متفقٌ عليه.

فَاغْتَنِمُوا الأَوْقَاتِ، في مَوسِمِ الخَيراتِ، واحْذَرُوا دُعَاةَ الشَّهَوَاتِ والشُّبُهَاتِ! ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.

عبادَ الله: إنَّ الصَّائِمَ مَرْجُوُّ الإِجَابَةِ، وأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مَرْجُوَّةٌ دَعَوَاتُهُ. قال I: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. وهذه الآيَةُ جَاءَتْ بَيْنَ آيَاتِ الصِيَامِ! وقال ﷺ: «ثلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعوَةُ الصَّائِمِ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ، ودَعوَةُ المُسَافِرِ». 

أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.

الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمدُ للهِ على إِحْسَانِهِ، والشُّكْرُ لَهُ على تَوفِيقِهِ وامتِنَانِه، وأَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُه. أما بعد:

فإنَّ هناك أَخْطَاءٌ قد يَقَعُ فِيهَا بَعْضُ الصَّائِمِينَ، فَمِنْ ذَلِكَ التَّهَاوُنُ فِي أداءِ الصَّـلَواتِ المفروضةِ فأين أثر الصوم عليك -يا عبد الله-وأنت نائمٌ عن صلاتِك؟

وَمِنَ الأَخْطَاءِ أَنَّ بَعْضَ الصَّائِمِينَ يَقْضُونَ لَيَالِيَ رَمَضَانَ فِي القِيلِ وَالقَالِ واللعبِ واللهوِ والتسوقِ وَمَا لا فَائِدَةَ فِيهِ مَعَ أَنَّ لَيَالِيَ رَمَضَانَ مُبَارَكَةٌ يَحْسُنُ بِالمُسْـلِمِ أَنْ يَقْضِيَهَا فيما يقربُه إلى الملكِ العلام.

وبعدُ عباد الله.. فإنَّ الصيامَ ليس عذرًا في التقصيرِ في الانتظامِ الدراسيِّ، أو أداءِ العَمَلِ الوَظِيفِيِّ؛ فإنَّ طلبَ العلمِ، وأداءَ واجبِ العمل؛ من أَعْظَمِ القُرُبَاتِ في هذا الشهر، إذا اسْتَحْضَرَ المسلمُ نِيَّةَ التقرُّبِ إلى الله، ونَفْعَ المسلمين، وطلبَ الحلال، والتعفّفَ عن السؤال؛ فَمَنِ اسْتَشْعَرَ هذه المعاني؛ تحوَّلَتْ العادات إلى طاعات ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّمُوا على رسولِ اللهِ ﷺ كَمَا أَمَرَكُم اللهُ بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

المرفقات

1771527951_رمضانُ موسِمٌ عظيمٌ من مواسِمِ الخَيرِ.docx

1771527952_رمضانُ موسِمٌ عظيمٌ من مواسِمِ الخَيرِ.pdf

المشاهدات 192 | التعليقات 0