شُكْرُ نِعْمَةِ الْأَمْنِ، وَوَاجِبُنَا تُجَاهَ مَا تَتَعَرَّضُ لَهُ بِلَادُنَا.

أ.د عبدالله الطيار
1447/09/18 - 2026/03/07 10:49AM
الحمدُ للهِ ربِّ العَالمينَ، أيَّدَ بِالنَّصْرِ نَبِيَّهُ الْكَرِيم، ووعدَ عِبَادَهُ بِالْعِزَّةِ وَالتَّمْكِينِ (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) وَأَشْهَدُ ألّا إِلَهَ إِلّا اللهُ، وحدهُ لا شَرِيكَ لَهُ تَوَعَّدَ الطُّغَاةَ المعْتَدِينَ، بِالْمَقْتِ وَالْخِزْيِ الْمُبِين، فَقَالَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: (وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صلّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ أمّا بعدُ: فاتّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ فَإِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) البقرة: [284].
أيُّهَا المؤمنون: إنَّ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللهِ قَدْراً، وَأَعْظَمِهَا أَثَراً، وَأَبْعَدهَا ذِكْراً: نِعْمَة الأمنِ والأَمَان، فَبِالأَمْنِ تُصَانُ الأَعْرَاضُ وَالْحُرُمَات، وتُحْفَظُ الأَنْفُسُ والممْتَلَكَاتُ، وقَدْ بَيَّنَ الْقُرْآَنُ الْكَرِيمُ السَّبِيلَ الأَوْحَد لِحِفْظِ الأَمْنِ وَهُوَ تَوْحِيدُ اللهِ عزَّ وجلَّ، وَالاعْتِصَام بِحَبْلِهِ الْمَتِينِ وَلُزُوم جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالالْتِفَاف حَوْلَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) الأنبياء [93]، وَبَيَّنَ ﷺ النَّجَاةَ مِنَ الْفِتَنِ بِقَوْلِهِ:(تَلْزَمُ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ وإمامَهُمْ) أخرجه البخاري (7084).
عِبَادَ اللهِ: وَحَقُّ نِعْمَةِ الأَمْنِ شُكْرُهَا، واسْتِشْعَارُهَا، فاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ، وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، وَمَا خَصَّكُمْ بِهِ مِنَ الأُلْفَةِ وَاللُّحْمَةِ، وَمَا حَبَاكُمْ بِهِ مِنَ الْعَافِيَةِ في الأَبْدَانِ، وَالأَمْنِ في الأَوْطَانِ، وَاقْدُرُوا نِعْمَةَ الأَمْنِ قَدْرَهَا، وَاحْمَدُوا اللهَ عَلَيْهَا، وَقُومُوا بِحَقِّهَا، وَاحْذَرُوا فَقْدَهَا، وَاسْتَشْعِرُوا فَضْلَهَا، وَاحْذَرُوا الشِّقَاقَ وَالْخِلَافَ فَإِنَّهُ بَاكُورَةُ الْإِفْسَادِ، وَمَدْعَاةُ الْفَسَادِ قَالَ ﷺ: (فإنَّ يَدَ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وإنَّ الشَّيْطانَ مع مَنْ فارقَ الجماعةَ يَرْكُضُ) أخرجه النسائي (4020) وصححه الألباني في صحيح الجامع (3621).
عِبَادَ اللهِ: تَنْتَشِرُ عَبْرَ الْمَنَصَّاتِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ، وَالْقَنَوَاتِ الْفَضَائِيَّةِ مَشَاهِدُ وَمَقَاطِعُ، لِحُرُوبٍ وَصِرَاعَاتٍ، وَتَفْجِيرَاتٍ لِمَبَانٍ وَمُنْشَآتٍ، وَيَصْحَبُ تِلْكَ الْمَقَاطِعَ تَحْلِيلَاتٌ وَاسْتِطْلَاعَاتٌ، وَتَعْلِيقَاتٌ وَتَوْجِيهَاتٌ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ أَدَاةٌ إِعْلَامِيَّةٌ، وَحَرْبٌ نَفْسِيَّةٌ، لِبَثِّ الْفَوْضَى وَالْإِرْجَافِ، وَزَعْزَعَةِ الصَّفِّ، وَزَرْعِ الْخِلَافِ.
أيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَبَعْضُ تِلْكَ المَقَاطِع وَالمَشَاهِد مُوَلّدَةٌ بِالذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيّ، وَهِيَ مِنَ الْكَذِبِ الَّذِي حَذَّرَنَا مِنْهُ نَبِيُّاَ ﷺ بِقَوْلِهِ: (كَفى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ) أخرجه مسلم (5) وَالْبَعْضُ الآَخَرُ يَخْدِمُ أَطْرَافًا خَارِجِيَّةً، هَدَفُهَا بَثُّ الشَّائِعَاتِ الَّتِي تَنْخَرُ فِي جَسَدِ البلاد، وَتفُتُّ في عَضُدِهَا، وَتشُقُّ عَصَا اجْتِمَاعِهَا، وَتؤَلِّبُ بَيْنَ أَفْرَادِهَا، وَتُسَهِّلَ مهَمَّةَ عَدُوِّهَا، قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) الحجرات [6].
عِبَادَ اللهِ: وَلَيْسَتْ هَذِهِ المشَاهِد مِنْ شَأْنِ عَوَامِّ النَّاسِ يَلُوكُونَهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَيُوَثِّقُونَهَا بِجَوَّالاتِهِمْ، وَيُرْسِلُونَهَا عَلَى حِسَابَاتِهِمْ، وَإِنَّمَا هِيَ لأَهْلِ الشَّأْنِ، وَأُولِي الأَمْرِ، قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) النساء: [83].
عِبَادَ اللهِ: والوَاجِبُ عَلَيْنَا أنْ نَفْطِنَ لِتِلْكَ الْقَضِيَّةِ الْهَامَّةِ، وخَاصَّةً في هذا العصْرِ الَّذِي تَتَطَايَرُ فِيهِ المَقَاطِعُ وَالصُّوَرُ تَطَايُرَ الرَّمَادِ مِنَ النَّارِ؛ لِتَهُبَّ فِي وَجْهِ كُلِّ مُتَصَفِّحٍ وقَارِئٍ، بِمَا تَحْمِلُ مِنْ غَثٍّ وَسَمِينٍ، وَشَرٍّ مُسْتَطِيرٍ. أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) النحل: [105]
باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعني وإيَّاكم بِمَا فِيهِ مِنَ الآَيَاتِ وَالعِظَاتِ والذِّكْرِ الْحَكِيمِ، فَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الْحَمْدُ للهِ ربِّ الْعَالمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أجمعين أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ: واعْلَمُوا أنَّه بَقِيَ في شَهْرِكُمْ بَقِيَّةٌ ثَمِينَةٌ، وعشرٌ عظيمةٌ، هي العشرُ الأواخرُ منْ رمضانَ، ولهذه العشرِ مَزِيَّةٌ عن غيرِها، فقد كانَ النبيُّ ﷺ يجتهدُ في هذهِ العشر مَا لا يَجْتَهِدُ في غيرِهَا، تقولُ عائشةُ رضي اللهُ عنْهَا: (كانَ النبيُّ ﷺ إذا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهْلَهُ) أخرجه البخاري (2024). وفي هذه العشر ليلةٌ هي دُرَّةُ لَيَالي الْعُمر، بركاتُهَا عَدِيدَةٌ، وسَاعَاتُهَا مَعْدُودَةٌ، ليلةٌ هيَ خَيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْرٍ، العملُ القليلُ فيهَا كثيرٌ، والكثيرُ فيها مضاعَفٌ، والعبادةُ فيهَا خيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ، فبادِرُوا بالأعمالِ الصَّالِحَةِ ومَنْ جَدَّ فيمَا فاتَ فَلْيُضَاعِفْ فيمَا هُوَ آَتٍ ومنْ قَصَّرَ فِيمَا مَضَى فَلْيتدارك، فَالأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ. اللهم اختم لنا شهر رمضان بعفوك وغفرانك، والعتق من نيرانك، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والمسْلِمِينَ وَأَذِلَّ الشِّرْكَ والمُشْرِكِينَ، اللهم احفظ بلادنا مِنْ كَيْدِ الْكَائِدِينَ، وَعُدْوَانِ المُعْتَدِينَ، وَمُخَطَّطَاتِ الْحَاقِدِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ ولي أمرنا وولي عَهْدِهِ وِإِخْوَانَهُ وَأَعْوَانَهُ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَسَلِّمْهُمْ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَشَرٍّ، اللَّهُمَّ احْمِي بِهِمْ بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ، وَاجْعَلْهُمْ غُصَّةً فِي حُلُوقِ الظَّالِمِينَ، اللَّهُمَّ أَهْلِكِ الظَّالِمِينَ، وَأَخْرِجِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْنِهِمْ سَالِمِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَوْدِعُكَ وُلَاةَ أَمْرِنَا، وَعُلَمَاءَنَا، وَأَرْضَنَا وَسَمَاءَنَا، وَحُدُودَنَا، وَرِجَالَ أَمْنِنَا، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْمُعْتَدِينَ الْمُحَارِبِينَ وَالرَّافِضَةِ وَالْحُوثِيِّينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي نُحُورِهِمْ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُمْ تَدْمِيرَهُمْ، وَاكْفِنَا شَرَّهُمْ بِمَا شِئْتَ وَكَيْفَ شِئْتَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءِ قَدِيرٌ. رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
الجمعة 17/ 9/ 1447هـ
المشاهدات 39 | التعليقات 0