شهر القرآن والجود
عبدالرحمن عبدالعزيز القنوت
إِنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ لهُ، ومن يضللْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ، وسلمَ تسليمًا مزيدًا إلى يومِ الدينِ.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾.
أما بعدُ:
فهَا نحنُ – عبادَ اللهِ – قد أكملنا ثلثَ الشهرِ الكريم، شهرَ الخيرِ والغفرانِ، وشهرَ تحقيقِ التقوى، وبلوغِ الدرجاتِ العلى، فهنيئًا لمن عمرَهُ بطاعةِ اللهِ ومرضاتِهِ، وتعرّضَ لنفحاتِ ربِّهِ.
ولنعلمْ أن شهرَ رمضانَ شهرٌ شرّفَهُ اللهُ بنزولِ القرآنِ، كما أخبرَ اللهُ تعالى:
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾،
فارتبطَ نزولُ القرآنِ وتلاوتُهُ بشهرِ الصيامِ والقيامِ.
ولمكانةِ القرآنِ الكريمِ في شهرِ رمضانَ؛ كان جبريلُ عليهِ السلامُ ينزلُ من السماءِ، فيلقى رسولَ اللهِ ﷺ، وذلكَ في كلِّ ليلةٍ من رمضانَ، ليدارسَهُ القرآنَ.
وبذلكَ استُحبَّ الإكثارُ من التلاوةِ ليلًا؛ اقتداءً بالنبيِّ ﷺ، فإن الليلَ تنقطعُ فيهِ الشواغلُ، ويتواطأُ فيهِ القلبُ واللسانُ على التدبرِ.
وكان الصالحونَ – ولا يزالون – يتلون كتابَ اللهِ في شهرِ رمضانَ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ؛
يرجون رحمةَ ربِّهم، ويُصلحون به قلوبَهم، ويُهذّبون به أخلاقَهم، ويُقبلون عليه ولا يَفترون عنه.
قال عثمانُ رضي اللهُ عنهُ: "لو طهرتْ قلوبُكم ما شبعتْ من كلامِ اللهِ عز وجل."
وسار الصالحونَ على ما سارَ عليهِ النبيُّ ﷺ، فكانَ لهم اجتهادٌ عجيبٌ في قراءةِ القرآنِ في رمضانَ، ولم يكونوا يشتغلونَ عنهُ بغيرِهِ.
وقد ثبتَ عن عثمانَ بنِ عفانَ أنَّهُ قرأ القرآنَ كلَّهُ في ركعةٍ.
وجاء أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ يختمُهُ كلَّ ثلاثةِ أيامٍ.
وكان ثابتُ البنانيِّ يختمُهُ في كلِّ يومٍ وليلةٍ في شهرِ رمضانَ.
وكان الإمامُ البخاريُّ يختمُ القرآنَ في قيامِ الليلِ كلَّ ثلاثِ ليالٍ، وكان لهُ ختمةٌ أخرى في النهارِ في كلِّ يومٍ.
وكان الشافعيُّ يختمُ القرآنَ ستينَ ختمةً في رمضانَ.
فأقبلوا –عبادَ اللهِ– على تلاوةِ كتابِ اللهِ وقراءةِ كلامِهِ، فقد مدحَ اللهُ تعالى التالينَ لكلامِهِ، قائلًا:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾
وكم هي الأجورُ التي سينالُها قراءُ القرآنِ يومَ القيامةِ، قال ﷺ: "من قرأ حرفًا من القرآنِ فلهُ بهِ حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها". أخرجه الترمذي
وفي صفحةٍ واحدةٍ من القرآنِ يبلغُ عددُ الحروفِ نحوَ ستِّ مئةِ حرفٍ، والحرفُ الواحدُ بعشرِ حسناتٍ، فيكونُ أجرُ الصفحةِ الواحدةِ نحوَ ستةِ آلافِ حسنةٍ، فضلًا وكرمًا من اللهِ تعالى.
ويومَ القيامةِ يشفعُ القرآنُ لقرّائِهِ العاملينَ بهِ، ويُحاجُّ عنهم عندَ اللهِ سبحانهُ، طالبًا المغفرةَ لهم، وأن يُدْخلهم الجنةَ، قال ﷺ: "اقرؤوا هذا القرآنَ، فإنهُ يأتي شفيعًا لأصحابِهِ يومَ القيامة." أخرجه مسلم
ومعَ دخولِ أهلِ الجنةِ، يرفعُ القرآنُ أهلَهُ في درجاتِ الجنّةِ ونُزِلها؛ قال ﷺ: "يقالُ لصاحبِ القرآنِ: اقرأْ وارقَ، ورتلْ كما كنتَ ترتلُ في الدنيا، فإن منزلَكَ عند آخرِ آيةٍ تقرؤُها". أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد
أيها الصائمون.. أخبرنا اللهُ تعالى عن الغايةِ من إنزالِ القرآن فقال:
﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾.
فليكنْ لنا نصيبٌ من تدبرِ الآياتِ وتأملِها، والعملِ بأحكامِهِ، والاعتبارِ بقصصِهِ وأخبارِهِ.
إن مفتاحَ التدبرِ أن يقفَ المرءُ مع كلِّ آيةٍ وقفةَ فهمٍ وعبرةٍ؛ يسألُ نفسَهُ: ماذا تريدُ مني هذهِ الآيةُ؟ وماذا عليَّ أن أعملَ بعدَ قراءتِها؟ فإذا قرأ آياتِ الرحمةِ رجَا وسألَ اللهَ، وإذا مرَّ بآياتِ الوعيدِ خافَ واستعاذَ، وإذا قرأ الأمرَ بادرَ، والنهيَ اجتنبَ؛ ولْيَستعِنْ في ذلكَ بتفسيرٍ مختصرٍ يُيسِّرُ الفهم، ويُقرِّبُ مرادَ اللهِ من كلامه؛ ليحيَا القلبُ بالقرآن، ويستضيءُ بهُداهِ.
اللهم اجعلنا من أهلِ القرآنِ وخاصتهِ، وتقبلْ منا الصيامَ والقيامَ وصالحَ الأعمالِ.
أقولُ ما سمعتم، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم، فاستغفروهُ؛ إنهُ هو الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية
الحمْدُ للهِ حمدًا طيبًا مباركًا فيهِ كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ.
أمّا بعدُ، عبادَ اللهِ:
إذا أُشرِبَ القلبُ حبَّ القرآنِ، وامتلأتِ الساعاتُ بتلاوتِهِ، وطالتِ المجالسَةُ في ظلِّ آياتِهِ؛ أثمرَ ذلكَ نورًا وبركةً، وجودًا وعطاءً.
فلا عجبَ—عبادَ اللهِ—أن يكونَ رمضانُ موسمًا للجودِ والبذلِ والإنفاقِ؛ فقد كان ﷺ أوفرَ الناسِ عطاءً، وأعظمَهم بذلًا، ويزدادُ جودُهُ في رمضانَ حين يدارسُهُ جبريلُ القرآنَ، فيكونُ ﷺ أجودَ بالخيرِ من الريحِ المرسلةِ.
ولقد أمرَ اللهُ تعالى عبادَهُ بالصدقةِ وكثرةِ الإنفاقِ، ورغّبهم فيها، ووعدَهم بمضاعفةِ الأجورِ، فقالَ تعالى:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾.
واللهُ يُضاعفُ القليلَ من النفقةِ، ويُنمّيهِ لعبدِه حتى يصيرَ أجرُه عظيماً، قال ﷺ: "لَا يَتَصَدَّقُ أحدٌ بتمرةٍ من كسبٍ طيبٍ، إلا أخذَها اللهُ بيمينِهِ، فيربّيها كما يربّي أحدُكم فَلُوَّهُ – والفُلوةُ هو المهرُ الصغيرُ من الخيلِ – حتى تكونَ مثلَ الجبلِ، أو أعظمَ". متفقٌ عليه
ووعدَ سبحانهُ أن يُخلِفَ على المُنفِق، ويُعوِّضَهُ خيرًا ممّا بذل، جزاءً لما قدَّمَ وأنفَق، قال سبحانهُ:
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.
وقال سبحانهُ: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيعَ قلوبِنا، ونورَ صدورِنا، وجلاءَ أحزانِنا، وذهابَ همومِنا وغمومِنا.
اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، وارفعنا بالقرآن في الدنيا والآخرة.
اللهم اجعلنا من المتصدّقين المخلصين.
المرفقات
1772189421_شهر القرآن والجود.pdf