عسى وعسى الجزء الثالث
أمير محمد محمد المدري
عسى وعسى الجزء الثالث
الحمد لله الحكيم الخبير، يعلم سرنا وجهرنا وهو السميع البصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إنه على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الهادي البشير، والسراج المنير، الرحمة المهداة والنعمة المسداة جميل الذات كامل الصفات سيد السادات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أولي الفضائل والمكرمات وسلم تسليما.
يقول الله تعالى في سورة آل عمران الآية 102:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ
ما زلنا وإياكم مع تلك الحقيقة القرآنية التي يقررها قوله تعالى في سورة البقرة الآية 216:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
أخي الكريم: ما أجمل أن تجعل هذه الآية نصب عينيك، والله سترتاح، سيسكن فؤادك، ستطمئن إلى قضاء الله وقدره خيرا أو شرا، سيكون شعارك الذي يتردد صداه في أذنك هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
أخي الكريم:
هل تثق في الله؟ لا شك أن الجواب نعم ومن ذا الذي لا يثق في الله.
طيب إذا كنت تثق في الله، هل تثق في اختيار الله لك القائل سبحانه في سورة القصص الآية 68:
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
هل أنت راض عن اختيار الله لك ولو كان ظاهره شر سبحانه القائل في سورة الأحزاب الآية 36:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا
سبحانه القائل في سورة آل عمران الآية 26:
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
بيدك الخير نعم كل ما يفعله الله خير وإن رأيناه نحن شر، سلب بعض العافية خير، سلب بعض الغنى خير، سلب بعض الولد خير، خير، مطلق بيدك الخير.
سبحانه لا يريد بعباده إلا الخير والصلاح. سبحانه القائل في سورة البقرة الآية 185:
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
أخي الكريم:
انتبه تتهم ربك في أفعاله وأقداره وتقول ساخطا: لماذا يارب؟ أحد الصالحين يقول: ذنب أذنبته بكيت عليه عشر سنين، قالوا: وما هو؟ قال: قضى الله في حياتي بأمر فقلت: ليته ما قضى لماذا يارب؟
أخي الحبيب:
انتبه تسيء الظن بالله؛ فإنه من أساء الظن بربه يغضب عليه ويطرده من رحمته، قال تعالى في سورة الفتح الآية 6:
وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا
الموضوع خطير نعم خطير كنا نتكلم من زمان عن الانتحار في الدول الكافرة أما اليوم فالدول العربية المسلمة بدأت تنافس فالدولة الأولى في نسبة الانتحار عربيا لعام 2016 حسب تقرير نشرته منظمة الصحة العالمية مصر بعدد 3799 يعني كل يوم ينتحر عشرة، ثم السودان بـ 3205 حالة انتحار، ثم اليمن ثالثا بـ 2335 منتحرا أي كل يوم ست حالات انتحار.
لا إله إلا الله مسلم موحد ينتحر يقتل نفسه. أين الإيمان؟! أين الرضا؟! أين التسليم؟! الانتحار أقرب طريق إلى جهنم وبئس القرار.
عباد الله:
تأملوا إلى مشهد المسلمين: وهم يتسللون مستخفين يخرجون من مكة إلى المدينة، قد تركوا وطنهم وهم له محبون، وتركوا أهلهم ومالهم وذوي أرحامهم. مشهد مأساوي، لكن لعله خير.
كانت خيرة الله تدخر لهم مشهدا عظيما رائعا، إنه مشهد صنع تاريخ البشرية، وانطلاق الرسالة في طور جديد، ووضع حجر الأساس لقيام الدولة الإسلامية، هؤلاء الفارين المهاجرين المستخفين من كان يصدق أنه سيتنزل عليهم نصر الله وعونه حتى تصل فتوحاتهم وتضرب أمواج المحيط الأطلسي غربا وجبال الصين شرقا.
في الحديبية يوقع نبينا صلى الله عليه وسلم صلحا مع المشركين لم يرض الصحابة عن بنوده، ورأوا فيه ظلما لهم وإجحافا، حتى قال قائلهم: كيف نرضى الدنية في ديننا؟، لكن؛ من يعلم وأنتم لا تعلمون سماه فتحا، فقال جل شأنه في سورة الفتح الآية 1:
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا
فظهر من آثاره وعواقبه الحميدة ما أعز الله به أمة الإسلام، وصدق الله القائل في سورة النساء الآية 19:
وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا
لولا السجن ما بلغ يوسف عليه السلام ما بلغ، وكم من سجين لولا السجن لتاه في ظلمات الفتن، وغرق في وحل الشهوات أو الشبهات! فكان السجن له خير وثبات.
وكم من فقير لولا فقره لطغى واستغنى وكذب بالحسنى! وكم من مريض لولا مرضه لما وصل إلى الدرجات العلى!
سمع أحدهم عن ظالم يعذب مظلوم وما أكثرهم اليوم؛ فرفع يديه وقال: يارب حلمك على الظالمين أضر بالمظلومين، فسمع هاتفا يقول: حلمي على الظالمين رفع المظلومين إلى أعلى عليين.
وكم لله من لطف خفي يدق خفاه عن فهم الذكي
وكم يسر أتى من بعد عسر ففرج كربة القلب الشجي
وكم أمر تساء به صباحا وتأتيك المسرة بالعشي
إذا ضاقت بك الأحوال يوما فثق بالله الواحد الفرد العلي
ومن حكايات السابقين: أنه كان رجل يعيش مع ابنه بقرية تبعد عن المدينة بحوالي يومين، فقررا الذهاب للمدينة لقضاء بعض الحوائج فتجهزا للرحيل، ووضعا أغراضهما فوق ظهر الحمار وانطلقا.
وفي الطريق تعرض الحمار لكسر في حافره، فقال الأب: لعله خير إن شاء الله، ويدفع الله عنا بلاء عظيما. وفي أثناء السير في الطريق أيضاً، تعرض الأب لجرح في قدمه، وأصابته الحمى، فقال الأب: لعله خير. وهما ذاهبان، والولد يحمل أمتعته وأمتعة أبيه، تعرض الولد المسكين للسعة أفعى، فقال الأب: لعله خير إن شاء الله، ويدفع الله عنا بلاء عظيما.
وهنا ثار الولد غاضبا، وقال: أهناك بلاء أكثر من هذا البلاء. فلم يجبه الأب فعالج الوالد ابنه، وجلسا في مكانهما يومين، حتى شفي من الحمى، وبرئ الولد من السم، واستمرا في طريقهما، إلى أن وصلا إلى المدينة فوجداها عبارة عن أرض خراب فتعجبا، وتساءلا، ما الذي حدث؟. فعلما أن المدينة أصابها زلزال مدمر قبل يومين، ولم يبق فيها أحد على قيد الحياة فالتفت الأب إلى ولده وقال: أعلمت الآن أن ما حدث لنا كان خيرا.
عبد الله: والله لو علمت حكمة الله ولطف الله الرحيم لذبت حياء منه كما تذوب الشمعة.
كن عن همومك معرضاً وكل الأمور إلى القضاء
فلربما اتسع المضيق وربما ضاق الفضاء
ولرب أمر مسخط لك في عواقبه رضا
الله يفعل ما يشاء فلا تكن متعرضا
قد تدعو الله بأمر وتلح عليه فيه وتعتقد فيه الخير ولا ترى إجابة لحكمة الله يعلمها والمنع من الله عين العطاء، رجل أراد الزواج بامرأة وأحبها وتعلق بها ويدعو: يارب تكون من نصيبي، يارب.
وبعد شهرين الفتاة تراجعت، فخطبها شخص آخر، والأول ما زال يدعو أن تكون له لا لغيره والله يصرفها عنه فتزوجت الثاني. بعد فترة بسيطة من الزواج تصاب بسرطان في الثدي لم تنفع العلاجات، زوجها إما ممرض لها في البيت أو متنقلا بها في المستشفيات، وانتشر المرض في سائر الجسد ثم أصيبت بالعمى وماتت رحمها الله رحمة واسعة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشانه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه وعلى آله وأصحابه وجميع إخوانه.
وبعد عبد الله:
كم من مصيبة كنت تظنها ستكون القاضية، وكم من حزن ظننت أن الدنيا لن تحلو بعده، وكم من عزيز فقدته فتوهمت أنه لم يعد بعده شيء يستحق الحياة، كم وكم؟؟ لكن الحياة عادت كما كانت ولربما بطعم أحلى وأجمل.
يقول أحدهم تزوجت وفي يوم العقد أدخلت عليها حتى أراها فيقول: ارتبكت ليس لي عهد بالدخول بين النساء وما هي من عادتي والمكان مزحوم وأنا مرتبك ووالديها وبعض إخوانها موجودين فارتبكت وما تحققت من صورتها ورضيت بالزواج وتم العقد، ومرة الأيام وجاء يوم الزواج وعندما جاءت ساعة الدخول بها أول ليلة فيقول عندما كشفت عن وجهها كانت الصاعقة ليس فيها والله من الجمال بنسبة واحد في المئة مما كنت أتخيل أو آمل يقول سبحان الله دارت بي الدنيا وضاقت علي بما رحبت وحزنت حزنا شديدا تلك الليلة، ويقول سبحان الله أصبر وأصبر ثم أفطر على مثل هذا الشكل.
يقول تألمت ألما شديدا والله غلبتني دموعي؛ لكن ماذا أفعل ذهبت إلى دورة المياه فبكيت بكاء الثكالى حزنا على نفسي وفي دورة المياه دارت رحى الحرب بين إيماني وبين الشيطان يقول الشيطان: ما هذه المصيبة التي أصبت بها هذه المرأة ما جاءت إلا لك طلقها.
أما واعظ الإيمان يقول لي: لعله خير لعل الله يخفي لك ما هو أجمل وما ذنبها هي لو كان الأمر بيديها لكانت أجمل النساء هكذا الله خلقها وهو أحسن الخالقين ثم قال الشيطان يوسوس: وما ذنبك أنت تزوج بها لا ترضي قلب ولا تشرح صدر ولا تسر عين، ثم جاء واعظ الإيمان والرضا في قلبي يقول: لو أن هذه الفتاة في ليلة عرسها أختك ابنتك قريبتك ماذا تريد من زوجها في هذه الليلة أن يفعل بها أكيد أن يجبر بخاطرها، يقول حدثتني نفسي إنني لست مجاهدا في سبيل الله ولم أجاهد ولست منفقا ولا باذلا ولست من قوام الليل ولا صوام النهار وأعمالي قليلة لما لا أجعل هذه الفتاة هي سبب دخولي الجنة أصبر عليها ولعل الله أن يجازيني خيرا.
يقول: فارتحت لهذا الخاطر وهذا الرضا غسلت وجهي وخرجت إليها وبششت في وجهها وأصبت منها ما يصيب الرجل من زوجته ثم يقول: والله ما مر بي سوى أربعة أشهر إلا وانقلبت هذه الفتاة كما ينقلب الليل نهار تغير لونها تغير شكلها كانت مصابة بأمراض ثم عندما تزوجت وارتاحت نفسيا وظهر ذلك على صحتها ووجهها وعافيتها يقول: والله كانت أقبح فتاة دخلت قريتنا ثم بهذا الرضا والخاطر الإيماني واحتساب الأجر أصبحت أجمل من ينظر إليه من النساء في القرية ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.
عبد الله: ثق في الله وسلم له واعمل بالأسباب بلا ألم ولا مرارة ولا عتاب ولا لوم ولا تقل لو كان كذا لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فوض أمرك لمن يعلم عواقب الأمور العليم الخبير كما في سورة غافر الآية 44:
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
لا الأمر أمري ولا التدبير تدبيري ولا الأمور التي تجري بتقديري
أنا لي إله خالق رازق ما شاء يفعل بي أحاط بي علمه من قبل تصويري
قل صدق الله كما في سورة البقرة الآية 216:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
اللهم دبر لنا فإنا لا نحسن التدبير، واكتب لنا الخير حيث كان.
هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك فقال في كتابه الكريم:
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
المرفقات
1778744970_عسى وعسى الجزء الثالث.docx