فضائل الحج
تركي المطيري
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَكَمَالِهِ، وَنَسْتَعِينُهُ اسْتِعَانَةَ مَنْ عَلِمَ أَنْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ، وَنَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ الْمُقِرِّ بِذَنْبِهِ، الْمُعْتَرِفِ بِتَقْصِيرِهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُنْجِي قَائِلَهَا يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَيْهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ عَظِيمِ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ، وَجَلِيلِ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ، أَنْ فَرَضَ عَلَيْهِمُ الْحَجَّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ الْقَادِرِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمُرِ، تَيْسِيرًا وَرَحْمَةً وَتَخْفِيفًا؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ.)
وَإِنَّ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ الْبَاهِرَةِ، أَنْ رَبَطَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ بِبَيْتِهِ الْمُحَرَّمِ، رَبْطًا تَشْرَئِبُّ لَهُ الْأَعْنَاقُ، وَتَحِنُّ إِلَيْهِ الْأَفْئِدَةُ، وَتَشْتَاقُ إِلَيْهِ الْأَرْوَاحُ؛ قَالَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "لَوْ قَالَ اجْعَلْ أَفْئِدَةَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، لَازْدَحَمَ عَلَيْهِ فَارِسٌ وَالرُّومُ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ، وَلَكِنْ قَالَ: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ، فَاخْتُصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ".
وَيَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾، فَهُوَ مَثَابَةٌ تَحِنُّ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ، وَتَشْتَاقُ إِلَيْهِ الْأَرْوَاحُ، لَا تَقْضِي مِنْهُ وَطَرًا، وَلَا تَمَلُّهُ وَلَا تَسْأَمُ.
وَقَدْ بَوَّأَ اللَّهُ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ، أَيْ أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ بِرَفْعِ قَوَاعِدِهِ، فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. ثُمَّ أَمَرَهُ -سُبْحَانَهُ- بَعْدَ إِتْمَامِ الْبِنَاءِ أَنْ يَصْدَعَ بِالنِّدَاءِ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَيْ نَادِ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ دَاعِيًا لَهُمْ إِلَى الْحَجِّ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَمَرْنَاكَ بِبِنَائِهِ، فَذُكِرَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أُبَلِّغُ النَّاسَ؟ وَكَيْفَ يَبْلُغُهُمْ صَوْتِي؟ فَقَالَ: نَادِ وَعَلَيْنَا الْبَلَاغُ، فَقَامَ عَلَى مَقَامِهِ، وَقِيلَ: عَلَى الْحِجْرِ، وَقِيلَ: عَلَى الصَّفَا، وَقِيلَ: عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ -وهو جبل في مكة-، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُمْ قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فَيُقَالُ: إِنَّ الْجِبَالَ تَوَاضَعَتْ حَتَّى بَلَغَ الصَّوْتُ أَرْجَاءَ الْأَرْضِ، وَأَسْمَعَ مَنْ فِي الْأَرْحَامِ وَالْأَصْلَابِ، وَأَجَابَهُ كُلُّ شَيْءٍ سَمِعَهُ مِنْ حَجَرٍ وَمَدَرٍ وَشَجَرٍ، وَمَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَحُجُّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ.
وَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ بِالزَّمَانِ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ شَعَائِرُهُ، فَقَالَ: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وَأَقْسَمَ بِالْمَكَانِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ مَنَاسِكُهُ، فَقَالَ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، فَاخْتَارَ مِنَ الْأَمْكِنَةِ أَطْهَرَهَا، وَمِنَ الْبِقَاعِ أَشْرَفَهَا، لِتَكُونَ مَهْوَى أَفْئِدَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَحَلَّ أَدَاءِ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الدِّينِ؛ فَلَا يُطَافُ عَلَى بُقْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ سِوَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ لِلْحَجِّ فَضَائِلَ مُتَتَابِعَةً، وَنَفَحَاتٍ مُتَوَالِيَةً، تَتَنَزَّلُ عَلَى الْحَاجِّ مُنْذُ أَنْ يَعْقِدَ النِّيَّةَ وَيَدْخُلَ فِي النُّسُكِ؛ فَإِذَا لَبَّى؛ لَبَّى مَعَهُ مَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ وَشَجَرٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ مُلَبٍّ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ مِنْ شَجَرٍ وَحَجَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ هَهُنَا وَهَهُنَا". وَبِالْحَجِّ تُغْسَلُ الذُّنُوبُ، وَتُمْحَى الْخَطَايَا؛ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "الْحَجُّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ".
وَالْحَجُّ طُهْرَةٌ لِلْعَبْدِ إِذَا أَخْلَصَ النِّيَّةَ، وَاجْتَنَبَ الرَّفَثَ وَالْفُسُوقَ؛ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"، وَالْحُجَّاجُ وَفْدُ اللَّهِ، أَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَرْجُونَ فَضْلَهُ، وَيُؤَمِّلُونَ كَرَمَهُ؛ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي، وَالْحَاجُّ، وَالْمُعْتَمِرُ"، وَيَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ عِتْقٍ وَمُبَاهَاةٍ، قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟".
وَمَنْ أَتَى بِالْحَجِّ عَلَى وَجْهِهِ، مُسْتَكْمِلًا أَرْكَانَهُ وَوَاجِبَاتِهِ، مُخْلِصًا لِرَبِّهِ، مُتَجَرِّدًا مِنَ الْآثَامِ، فَجَزَاؤُهُ الْجَنَّةُ؛ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ".
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: الْحَجُّ طَاعَةٌ تَحُفُّهَا الطَّاعَاتُ، وَمَوْسِمٌ تَتَجَلَّى فِيهِ الْحِكَمُ وَالْعِبَرُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾، فَمِنْ أَعْظَمِ مَنَافِعِهِ: إِظْهَارُ التَّوْحِيدِ فِي التَّلْبِيَةِ، وَتَجْرِيدُ الْقَصْدِ لِلَّهِ، وَإِعْلَانُ الْعُبُودِيَّةِ الْخَالِصَةِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ".
وَفِيهِ كَمَالُ الِانْقِيَادِ، وَتَمَامُ الْخُضُوعِ، حَيْثُ يَتَجَرَّدُ الْعَبْدُ مِنْ زَخَارِفِ الدُّنْيَا، وَيَقِفُ بِلِبَاسٍ وَاحِدٍ، وَهَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ، خَاضِعًا لِرَبِّهِ، ذَلِيلًا بَيْنَ يَدَيْهِ. وَفِيهِ تَحْقِيقُ الِاتِّبَاعِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ لَا نُسُكَ إِلَّا بِمَا وَافَقَ هَدْيَهُ، وَلَا عِبَادَةَ إِلَّا عَلَى سُنَّتِهِ؛ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ".
وَفِي الْحَجِّ تَظْهَرُ وَحْدَةُ الْإِسْلَامِ، حَيْثُ تَجْتَمِعُ الْأَجْنَاسُ، وَتَتَلَاشَى الْفَوَارِقُ، وَيَذُوبُ التَّمَايُزُ، فَلَا فَضْلَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، وَلَا مِيزَانَ إِلَّا بِالْإِيمَانِ.
وَمِنْ مَنَافِعِ الحجِّ أيضًا الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِي كُلِّ حَالٍ، فِي الْإِقَامَةِ وَالِارْتِحَالِ، وَالصُّعُودِ وَالْهُبُوطِ، بَلْ حَتَّى بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَنَاسِكِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبةُ الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى جَنَّتِهِ وَرِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَالصَّالِحُونَ مِنْ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَعْوَانِهِ.
أما بعد: فَإِنَّ الْقَاعِدَ لِعُذْرٍ عَنِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، إِذَا صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وَخَلُصَ قَصْدُهُ، شَارَكَ الْعَامِلِينَ أَجْرَهُمْ، وَرُبَّمَا سَبَقَ السَّائِرُ بِقَلْبِهِ السَّائِرِينَ بِأَبْدَانِهِمْ؛ فَاغْتَنِمُوا مَوَاسِمَ الطَّاعَاتِ، وَشَارِكُوا الْحَجِيجَ فِي الْأَيَّامِ العشرِ الْمُبَارَكَاتِ بِالْإِكْثَارِ مِنَ الذِّكْرِ، مِنْ تَهْلِيلٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَحْمِيدٍ، وَسَائِرِ الْقُرُبَاتِ.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي هَذِهِ»، قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ«.
فَاغْتَنِمُوا مَوَاسِمَ الْأَعْمَارِ قَبْلَ انْصِرَامِهَا، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ قَبْلَ انْقِطَاعِهَا؛ فَإِنَّ الْأَيَّامَ مَطَايَا، وَالْأَعْمَارَ مَرَاحِلُ، وَالْآجَالَ مَحْدُودَةٌ، وَالرُّجُوعَ إِلَى اللَّهِ قَرِيبٌ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِين، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِينَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ الطَّيِّبِينَ وَصَحَابَتِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ وَتَابِعِيَّهِمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلامَ وَالمُسلمينَ، وَاجْعَلْ هَذَا البلدَ آمِنَاً مُطْمَئنَاً وَسَائرَ بِلادِ المُسلمينَ. اللَّهُمَّ وفِّق خَادَمَ الحَرَمينَ الشَريفينَ، وَوليَ عَهدِهِ لمَا تُحبُ وترضى، يَا ذَا الجَلالِ والإكْرَامِ. اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ. اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ. عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ، وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ. وَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَىٰ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
المرفقات
1777568492_فضائل الحج.docx
1777568493_فضائل الحج.pdf