فضائل شهر رمضان المبارك ( تعميم الوزارة )

محمد بن سليمان المهوس
1447/09/01 - 2026/02/18 13:42PM

« فضائل شهر رمضان المبارك »

محمد بن سليمان المهوس /جامع الحمادي بالدمام

3 / 9 / 1447

الخُطْبَةُ الأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 102].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي مَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَيْنَا: نِعْمَةُ إِدْرَاكِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْكَرِيمِ؛ وَالَّذِيِ كَانَ -صَلَّى اللهُ وَآلِهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ - رُضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - عِنْدَ حُلُولِهِ ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ وَآلِهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ ؛ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» [أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي «صَحِيحِ التَّرْغِيبِ»]                                    

كَيْفَ لَا نَفْرَحُ بِشَهْرٍ فِيهِ تَنَوُّعٌ لِلْأَعْمَالِ مَا بَيْنَ صَلَاةٍ وَقِيَامٍ وَتِلَاوَةٍ لِكِتَابِ رَبِّنَا وَصَدَقَةٍ وَإِحْسَانٍ وَصِلَةٍ وَتَرَاحُمٍ وَتَلَاحُمٍ؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ - حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ » [ رَواهُ الْبُخَارِي ]

نَعَمْ ـ عِبَادَ اللَّهِ ـ كَانَ رَسُولُنَا ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ـ أَعْظَمُ النَّاسِ صَدَقَةً بِمَا مَلَكَتْ يَدُهُ، وَكَانَ لَا يَسْتَكْثِرُ شَيْئاً أَعْطَاهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَسْتَقِلُّهُ، وَكَانَ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ شَيْئاً عِنْدَهُ إِلَّا أَعْطَاهُ، قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيراً، وَكَانَ عَطَاؤُهُ عَطَاءَ مَنْ لَا يَخَافُ الْفَقْرَ، وَكَانَ الْعَطَاءُ وَالصَّدَقَةُ أَحَبَّ شَيْءٍ إِلَيْهِ، وَكَانَ سُرُورُهُ وَفَرَحُهُ بِمَا يُعْطِيهِ أَعْظَمَ مِنْ سُرُورِ الْآخِذِ بِمَا يَأْخُذُهُ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، يَمِينُهُ كَالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، وَكَانَ إِذَا عَرَضَ لَهُ مُحْتَاجٌ آثَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ، تَارَةً بِطَعَامِهِ، وَتَارَةً بِلِبَاسِهِ، وَكَانَ يُنَوِّعُ فِي أَصْنَافِ عَطَائِهِ وَصَدَقَتِهِ فَتَارَةً بِالْهِبَةِ وَتَارَةً بِالصَّدَقَةِ، وَتَارَةً بِالْهَدِيَّةِ، وَتَارَةً بِشِرَاءِ الشَّيْءِ ثُمَّ يُعْطِي الْبَائِعَ الثَّمَنَ وَالسِّلْعَةَ جَمِيعاً، وَتَارَةً كَانَ يَقْتَرِضُ الشَّيْءَ فَيَرُدُّ أَكْثَرَ مِنْهُ وَأَفْضَلَ وَأَكْبَرَ، وكان َيَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ، وَيَحُضُّ عَلَيْهَا وَيَدْعُو إِلَيْهَا بِحَالِهِ وَقَوْلِهِ .

وَهَذَا دَافِعًا لَنَا لِنَقْتَدِيَ بِرَسُولِنَا ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ـ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّكَافُلِ، وَالْعَطَاءِ وَالْإِحْسَانِ بِمَا تَجُودُ بِهِ أَنْفُسُنَا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنْ أَقَارِبِنَا وَإِخْوَانِنَا الْمُعْسِرِينَ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ـ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الْقَرَابَةِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» [صَحِيحُ ابْنِ مَاجَهْ].

فَحَرِيٌّ بِنَا جَمِيعًا تَفَقُّدُ الْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ، وَخَاصَّةً مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ كَالْقَرِيبِ وَالْجَارِ،؛ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾ [ البقرة : 273 ]

وَالْحَذَرُ مِنَ التَّعَاطُفِ مَعَ الْمُتَسَوِّلِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَبْوَابَ الْمَسَاجِدِ وَالطُّرُقَاتِ وَوَسَائِلَ التَّوَاصُلِ وَسِيلَةً لِلتَّسَوُّلِ، وَفِيهِمُ الْأَغْنِيَاءُ، وَفِيهِمُ الْأَصِحَّاءُ وَالْأَقْوِيَاءُ عَلَى الْعَمَلِ، وَهَذَا مَسْلَكٌ خَطِيرٌ، يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، وَتَحْذِيرُ الْمُجْتَمَعِ مِنْهُمْ، وَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ، لَعَلَّهُمْ يَثُوبُونَ إِلَى رُشْدِهِمْ، وَيُقْلِعُونَ عَنْ صَنِيعِهِمْ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: افْرَحُوا بِشَهْرِكُمْ ، وَافْتَحُوا فِيِهِ صَفْحَةً جَدِيدَةً مِنْ حَيَاتِكُمْ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ؛ فَقَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا ﴾ [ التَّحْرِيم : 8 ]

وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». [ رَوَاهُ مُسْلِم ]

اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ                                                                                الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ، شَدِيدِ الْعِقَابِ، ذِي الطَّوْلِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، وَأَشْهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ

 الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

    أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ رَمَضَانَ لَيْسَ شَهْرَ التَّبَاهِي فِي مَوَائِدِ الْإِفْطَارِ وَتَصْوِيرِهَا وَنَشْرِهَا،وَالتَّوَسُّعِ بِأَصْنَافِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْإِسْرَافِ فِيهَا، وَالَّذِي فِيهِ كَسْرٌ لِقُلُوبِ إِخْوَانِنَا الْمُعْوِزِينَ؛ وَاللَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الْأَعْرَاف: ٣١].

وَرَمَضَانُ لَيْسَ شَهْرَ خُمُولٍ وَكَسَلٍ وَتَقْصِيرٍ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الْوَظِيفِيَّةِ، أَوِ الِانْتِظَامِ الدِّرَاسِيِّ لِلطُّلَّابِ بِحُجَّةِ التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ؛ فَرَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، وَمِنْ بَرَكَتِهِ مُضَاعَفَةُ الْجُهْدِ وَالْإِنْتَاجِ وَالتَّحْصِيلِ وَالْإِتْقَانِ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [صَحِيحُ الْجَامِعِ].

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رَواهُ مُسْلِمٌ].

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ وَكَمَا بَلَّغْتَنَا شَهْرَ رَمَضَانَ، اللَّهُمَّ أَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الْمَقْبُولِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَمِّنْ حُدُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، وَجَمِيعَ وُلاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

المرفقات

1771411361_فضائل شهر رمضان المبارك.doc

1771411374_فضائل شهر رمضان المبارك.pdf

المشاهدات 2542 | التعليقات 1

جزاك الله خيرا