فضل الصيام والصدقة والتوبة
عبدالرحمن سليمان المصري
فضل الصيام والصدقة والتوبة
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي فضل شهر رمضان على بقية الشهور ، وجعله موسما لصالح الأعمال ومضاعفة الأجور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد: أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى ، فهي وصية الله للأولين والآخرين ، ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ﴾.
عباد الله: لقد نزل بساحتنا شهر كريم وموسم عظيم ، هو أشرف الشهور وأزكاها عند الله ، أنزل الله فيه كتابه وفرض صيامه ، شهر القيام وتلاوة القرآن ، موسم الصدقات والإحسان ، زمن العتق والغفران، شهر كله رحمة ومغفرة وعتق من النار، قال صلى الله عليه وسلم: " إذا كان أول ليلة من شهر رمضان ، صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار ، وذلك كل ليلة " رواه الترمذي وصححه الالباني .
عباد الله: الصوم فضله عظيم ، وأجره كبير ، من صام يوما في سبيل الله ؛ باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفا ، وهو سبب لمغفرة الذنوب ، قال صلى الله عليه وسلم " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه البخاري .
ويكفي الصوم فضلا ؛ أن الله فضله على السبعمائة ضعف ، فيعطى الصائم أجره بغير حساب ، قال صلى الله عليه وسلم " كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله عز وجل : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به " رواه مسلم .
وذلك أن الصائم يكون في الموضع الخالي من الناس ، متمكنا من تناول المفطرات ، فلا يمنعه من ذلك إلا الخوف من الله عز وجل ، فمن أجل ذلك شكر الله له هذا الإخلاص ، واختص صيامه لنفسه من بين سائر أعماله.
عباد الله: شهر رمضان شهر الصدقات والبر والإحسان ، شهر إطعام الطعام ، ومواساة الفقراء والمساكين ، والأرامل والأيتام ، و " ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا "، والصدقة هي وقاية من النار ، "فاتقوا النار، ولو بشق تمرة" ، و كان ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان ، حين يلقى جبريل فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة " رواه مسلم .
عباد الله: والصدقة سبب في دفع البلاء ، و تيسير الأمور، وتفريج الكروب، وإعانة الله جل وعلا للعبد ، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .
وليحذر المسلم من التعاطف مع المتسولين ، دون تثبت أو نظر في حالهم ، فإن الواجب ايصال المال لمستحقيه ، ممن قال الله فيهم:﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا ﴾البقرة:273 ، وإن أولى من تصدقت عليهم ؛ هم قرابتك وجيرانك ، قال تعالى: ﴿ فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ﴾ الروم:38 .
وقال صلى الله عليه وسلم:" إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة " رواه النسائي وصححه الألباني.
عباد الله: إن من المظاهر التي يؤسف لها ، في بعض البيوت وموائد الإفطار الخيرية في رمضان ؛ التباهي بكثرة الأصناف ، وزيادة كميات الطعام بما يزيد عن الحاجة ، ثم يرمى بها في مواضع النفيات ، فهذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي كان أبعد الناس عن التكلف والإسراف ، والله تعالى يقول: ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ الأعراف:31.
عباد الله: لقد ساد فهم مغلوط ، وتصور مردود ، بأن شهر رمضان تعطل فيه الأعمال ، وترجئ فيه الأشغال ، فصار ذريعة للتكاسل والتقصير ، في الانتظام الدراسي للطلاب ، وأداء الموظفين لأعمالهم ، والمسلم مأمور بالجد والاجتهاد في صومه وفطره ، وفي عبادته وعمله.
وإن القيام بالواجبات المنوطة به من تمام التقوى التي شرع لأجلها الصيام ، وأداء الأعمال واتقانها مما يحبه الله، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه "حسنه الألباني.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد :
عباد الله: بلوغ هذا الشهر نعمة عظمى، وإدراكه منة كبرى، تستوجب الشكر، وتقتضي اغتنام الفرصة قبل انقضاء الشهر ، فكم من إنسان كان ينتظر رمضان ، ويمني نفسه بالطاعات عند قدومه ، فقد أقبل إليك بعد طول غياب ، فأكثر فيه من الصالحات ، وتب إلى الله من الذنوب والخطيئات ، فهذا أوان التوبة والاستغفار، والأوبة والانكسار، والتضرع والافتقار، هذا زمان إقالة العثار، وغفران الأوزار، حتى لو بلغت ذنوبك عنان السماء ، فإن الله يتوب على التائب ، ويغفر زلل الآيب ، فالتوبة تهدم ما قبلها ، والإنابة تجب ما سلفها ، فالفرصة مهيئة للتوبة والإنابة ، فالنفس منكسرة ، والشياطين مصفدة ، والله تعالى يدعوك ، ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ﴾الزمر:53.
عباد الله : إن الموفق من اغتنم أيام هذا الشهر بحسن الصيام ، وقام لياليه حق القيام، وصان جوارحه عن الخطايا والآثام ، وعمر أوقاته بالطاعات ، واغتنم ساعاته بالصالحات ، فإن الفرص لا تدوم، والعوارض التي تحول بين الانسان وبين العمل غير مأمونة ، قال تعالى ﴿ سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ﴾ الحديد : 21 .
اللهم تقبل منا الصيام والقيام والدعاء وصالح الأعمال ، وأعتق رقابنا ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا وجميع المسلمين ، يا ذا الجلال والإكرام.
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال تعالى: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
المرفقات
1771511733_فضل الصيام والصدقة والتوبة خطبة.docx
1771511733_فضل الصيام والصدقة والتوبة خطبة.pdf