فَضْلُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ
أحمد بن عبدالله الحزيمي
فَضْلُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مَوَاسِمَ لِلطَّاعَاتِ تَتَضَاعَفُ فِيهَا الحَسَنَاتُ، وَتُرْفَعُ فِيهَا الدَّرَجَاتُ، وَتُغْفَرُ فِيهَا الزَّلَّاتُ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَوَاطِنِ الخَيْرِ، وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَابَ الفَضْلِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ. أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، فَلَنِعْمَ زَادُ المُؤْمِنِ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَتُهُ، ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
رَجُلٌ يَنْتَظِرُ مَوْسِمًا تِجَارِيًّا قَصِيرًا، لَا يَتَجَاوَزُ أَيَّامًا فِي السَّنَةِ، لَكِنَّهُ يَدِرُّ عَلَيْهِ أَرْبَاحًا عَظِيمَةً لَا تَتَحَقَّقُ فِي عَامٍ كَامِلٍ، ظَلَّ يُخَطِّطُ لَهُ طَوِيلًا، وَيَقُولُ: هَذَا المَوْسِمُ لَنْ أُفَرِّطَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا اقْتَرَبَ وَأَوْشَكَ عَلَى الدُّخُولِ، تَرَكَ الِاسْتِعْدَادَ لَهُ، وَخَرَجَ مَعَ أَصْدِقَائِهِ إِلَى البَرِّ، حَيْثُ الأَجْوَاءُ الرَّبِيعِيَّةُ وَالطَّبِيعَةُ الجَمِيلَةُ، فَقِيلَ لَهُ: المَوْسِمُ عَلَى الأَبْوَابِ! أَتُفَرِّطُ فِيهِ؟ فَقَالَ بِاسْتِهَانَةٍ: لَا بَأْسَ، السَّنَةُ القَادِمَةُ سَأُدْرِكُهُ وَأَسْتَغِلُّهُ، وَمَضَتِ الأَيَّامُ، وَانْتَهَى المَوْسِمُ، وَرَبِحَ مَنْ شَارَكَ فِيهِ وَاجْتَهَدَ، وَالعَجِيبُ أَنَّهُ لَمْ تَمْضِ إِلَّا فَتْرَةٌ يَسِيرَةٌ، حَتَّى جَاءَهُ الأَجَلُ، فَمَاتَ، وَلَمْ يُدْرِكِ المَوْسِمَ الَّذِي كَانَ يُؤَمِّلُهُ!
أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
يَوْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَفْصِلُنَا عَنْ لَحَظَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ، نَعَمْ، لَحَظَاتٌ تَارِيخِيَّةٌ بِحَقٍّ.
إِنَّهَا أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، أَيَّامٌ عَظِيمَةٌ، أَيَّامٌ مُبَارَكَةٌ، كَيْفَ لَا؟! وَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا؛ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، قَالَ تُرْجُمَانُ القُرْآنِ عبدالله ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «هُنَّ اللَّيَالِي الأُوَلُ مِنْ ذِي الحِجَّةِ».
وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَضْلِهَا فَقَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ»، قَالُوا: وَلَا الجِهَادُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».
وَقَالَ ابن رجب الحنبلي رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا عَلَى الإِطْلَاقِ».
أَيُّهَا الأَحِبَّةُ:
إِنَّهَا أَيَّامٌ عَظِيمَةٌ، تَجْتَمِعُ فِيهَا أُمَّهَاتُ العِبَادَاتِ: الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالحَجُّ، وَالذِّكْرُ، وَالأُضْحِيَةُ؛ وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي غَيْرِهَا، فَهِيَ مَوْسِمٌ فَرِيدٌ، وَرِبْحٌ عَظِيمٌ، وَفُرْصَةٌ لَا تُعَوَّضُ، وَهِيَ مِنْ مَكَارِمِ هَذَا الدِّينِ العَظِيمِ؛ عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
وَمَعَ هَذَا الفَضْلِ العَظِيمِ، وَالأَجْرِ الكَبِيرِ، تَمْضِي هَذِهِ الأَيَّامُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مُرُورًا بَاهِتًا، لَا تُوقِظُ فِي القُلُوبِ شَوْقًا، وَلَا تُحَرِّكُ فِي النُّفُوسِ عَزِيمَةً!
فَيَا تُرَى لِمَاذَا لَا تُعَظَّمُ هَذِهِ الأَيَّامُ فِي القُلُوبِ كَمَا يُعَظَّمُ رَمَضَانُ؟ وَلِمَاذَا لَا تَسْتَنْفِرُ لَهَا الأَرْوَاحُ كَمَا تَسْتَنْفِرُ لَهُ؟ وَمَا الَّذِي صَرَفَ النُّفُوسَ عَنْ تَعْظِيمِهَا، مَعَ أَنَّ قَدْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَأَجْرَهَا لَدَيْهِ كَبِيرٌ؟
إِنَّنَا نَعْتَقِدُ أَنَّ الجَهْلَ بِفَضْلِ هَذِهِ الأَيَّامِ أَحَدُ الأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَتِ الكَثِيرِينَ مِنَّا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ بِهَذَا القَدْرِ الكَبِيرِ مِنَ الأَجْرِ.
وَرُبَّمَا كَانَ ضَعْفُ إِيمَانِ الشَّخْصِ، وَذُنُوبُهُ المُتَرَاكِمَةُ تَحْرِمُهُ مِنِ اسْتِغْلَالِ الخَيْرَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا.
فَبِسَبَبِ ذَلِكَ خَفِيَ فَضْلُهَا عَلَى كَثِيرِينَ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الغَفْلَةُ، وَانْشَغَلُوا بِالدُّنْيَا، فَصَارَتْ تَمُرُّ عَلَيْهِمْ مُرُورًا عَابِرًا كَأَنَّهَا أَيَّامٌ عَادِيَّةٌ!
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ وَسَائِلِ اقْتِنَاصِ فُرْصَةِ هَذِهِ الأَيَّامِ هِيَ الوَعْيُ بِقَدْرِ هَذِهِ الأَيَّامِ، وَعُلُوِّ مَكَانَتِهَا، وَفَضْلِهَا المُدْهِشِ، هَذِهِ هِيَ الحَلَقَةُ المَفْقُودَةُ فِي حَيَاةِ الكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ، وَإِلَّا فَهَلْ يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ اليَسِيرَةِ بِهَذِهِ الأُجُورِ العَظِيمَةِ، ثُمَّ لَا نَجِدُ الإِقْبَالَ الَّذِي يُسْتَحَقُّ؟!
لَيْسَ المُهِمُّ ـ أَيُّهَا الكِرَامُ ـ أَنْ نَذْكُرَ بَعْضَ وَظَائِفِ هَذِهِ الأَيَّامِ، بِقَدْرِ مَا يَهُمُّنَا أَنْ نَعِيَ أَهَمِّيَّةَ هَذِهِ الأَيَّامِ، وَنُقَدِّرَهَا، وَنَعْرِفَ مَكَانَتَهَا؛ فَإِذَا عَرَفَ العَبْدُ مَكَانَتَهَا وَفَضْلَهَا العَظِيمَ عِنْدَ اللَّهِ: كَانَ حَمَاسُهُ وَشَوْقُهُ وَلَهَفُهُ لَهَا كَبِيرًا، مِمَّا يَجْعَلُهُ يُخَطِّطُ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ لِإِدْرَاكِهَا وَاسْتِغْلَالِهَا، وَبِالتَّالِي لَنْ يُفْلِتَ هَذِهِ الأَيَّامَ القَلِيلَةَ إِلَّا وَقَدْ أَدْرَكَ مِنْهَا خَيْرًا عَظِيمًا.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ العَشْرَ الَّتِي نَحْنُ مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا هِيَ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ، الذِّكْرُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ الذِّكْرِ طُوَالَ الأَيَّامِ، وَالصَّوْمُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ فِي غَيْرِهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَتِهِ فِي الأَيَّامِ الأُخْرَى، وَالصَّدَقَةُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي غَيْرِهَا، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، وَالإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ، وَصِلَةُ الأَرْحَامِ، وَالحَجُّ وَالأُضْحِيَةُ لِمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِمَا سَبِيلًا، وَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ فِي هَذِهِ العَشْرِ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ فِي غَيْرِهَا؛ حَتَّى إِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «العِبَادَةُ فِي هَذِهِ العَشْرِ تَعْدِلُ عِبَادَةَ سَنَةٍ كَامِلَةٍ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
إِنَّ تَعْظِيمَ هَذِهِ الأَيَّامِ يَحْتَاجُ إِلَى إِحْيَاءِ المَعْنَى فِي القُلُوبِ، وَتَذْكِيرِ النَّاسِ بِفَضْلِهَا، وَاسْتِحْضَارِ أَنَّهَا أَعْظَمُ أَيَّامِ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ.
وَهَذَا مَا فَهِمَهُ السَّلَفُ حَقَّ الفَهْمِ، فَلَمْ يَكُنْ عِلْمًا يُقَالُ، بَلْ عَمَلًا يُرَى؛ فَهَذَا سعيد بن جبير رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَتْ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ تَغَيَّرَ حَالُهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى رَبِّهِ إِقْبَالًا عَظِيمًا، فَيَجْتَهِدُ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حَتَّى مَا يُكَادُ يُقْدَرُ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ: «لَا تُطْفِئُوا سُرُجَكُمْ لَيَالِيَ العَشْرِ»، إِشَارَةً إِلَى إِحْيَائِهَا بِالقِيَامِ وَالذِّكْرِ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ فَيُكَبِّرَانِ، فَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا، حَتَّى تَضِجَّ الأَسْوَاقُ بِذِكْرِ اللَّهِ.
فَهَؤُلَاءِ ـ رَحِمَهُمُ اللَّهُ ـ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ العَشْرَ أَيَّامًا عَادِيَّةً، بَلْ مَوْسِمًا يُغَيِّرُونَ فِيهِ حَالَهُمْ، فِيمَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ جَلَّا وَعَلَا.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
اجْعَلُوا هَذِهِ الأَيَّامَ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي حَيَاتِكُمْ، لَا تَمُرُّ كَغَيْرِهَا، بَلِ اجْعَلُوهَا بِدَايَةَ رُجُوعٍ صَادِقٍ، وَتَوْبَةٍ نَصُوحٍ، وَعَهْدٍ جَدِيدٍ مَعَ اللَّهِ، بِاخْتِصَارٍ: اجْعَلُوا هَذِهِ الأَيَّامَ مَشْرُوعًا إِيمَانِيًّا مُكَثَّفًا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الخَسَارَةِ أَنْ تَمُرَّ عَلَيْكَ هَذِهِ الأَيَّامُ، وَلَا يَكُونَ لَكَ فِيهَا نَصِيبٌ! تَمُرُّ عَلَيْكَ وَأَنْتَ كَمَا أَنْتَ، لَا زِيَادَةَ فِي طَاعَةٍ، وَلَا قُرْبَ مِنَ اللَّهِ، وَلَا ارْتِقَاءَ فِي حَالِكَ؛ فَهَذِهِ الأَيَّامُ لَيْسَتْ أَيَّامًا عَادِيَّةً، بَلْ هِيَ مَوَاسِمُ عَظِيمَةٌ لِلْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، مَنْ قَصَّرَ فِي غَيْرِهَا فَهَذِهِ فُرْصَةٌ، وَمَنْ أَثْقَلَتْهُ الذُّنُوبُ فَهَذِهِ بِدَايَةٌ جَدِيدَةٌ، وَمَنْ فَاتَهُ الكَثِيرُ فَهَذِهِ مَحَطَّةٌ لِلْعَوْدَةِ.
فَاللَّهَ اللَّهَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ! لَا تَدَعُوهَا تَمْضِي كَغَيْرِهَا، وَلَا تَجْعَلُوهَا كَسَائِرِ الأَوْقَاتِ؛ فَإِنَّهَا أَيَّامٌ مَعْدُودَةٌ، تَتَضَاعَفُ فِيهَا الأَعْمَالُ، وَتُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ الخَيْرِ عَلَى مَصَارِيعِهَا، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُفِّقَ لِاغْتِنَامِهَا، فَأَيْنَ المُشَمِّرُونَ؟ وَأَيْنَ السَّابِقُونَ إِلَى الطَّاعَاتِ؟ وَأَيْنَ مَنْ يُرِيدُ لِنَفْسِهِ رِفْعَةً عِنْدَ اللَّهِ جَلَّا وَعَلَا؟
نَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِقُرْآنِهِ الْـمُبِينِ، وَبِحَدِيثِ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَغَفَرَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْـمُسْلِمِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ:
إِذَا ذُكِرَ الحَرَمَانِ الشَّرِيفَانِ، وَذُكِرَتْ مَوَاسِمُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، وَتَدَفُّقُ جُمُوعِ المُسْلِمِينَ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ وَأَدْنَاهَا نَحْوَ البِقَاعِ المُقَدَّسَةِ؛ تَجَلَّتْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ امْتَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَى هَذِهِ البِلَادِ المُبَارَكَةِ، أَلَا وَهِيَ شَرَفُ خِدْمَةِ بَيْتِ اللَّهِ الحَرَامِ، وَالمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَقَاصِدِيهِمَا مِنَ الحُجَّاجِ وَالمُعْتَمِرِينَ وَالزُّوَّارِ.
فَقَدْ سَخَّرَتِ الدَّوْلَةُ ـ وَفَّقَهَا اللَّهُ ـ كُلَّ مَا تَمْلِكُ مِنْ طَاقَاتٍ وَإِمْكَانَاتٍ؛ لِخِدْمَةِ ضُيُوفِ الرَّحْمَنِ، وَتَيْسِيرِ مَنَاسِكِهِمْ، وَالمُحَافَظَةِ عَلَى أَمْنِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ خُطَطٍ مُحْكَمَةٍ، وَخَدَمَاتٍ مُتَطَوِّرَةٍ، وَعِنَايَةٍ مُتَوَاصِلَةٍ فِي جَمِيعِ المَشَاعِرِ، وَالمَنَافِذِ، وَالمَرَافِقِ.
وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الحَجِّ أَنْ يَلْتَزِمَ بِالأَنْظِمَةِ وَالتَّعْلِيمَاتِ الصَّادِرَةِ مِنَ الأَجْهِزَةِ الأَمْنِيَّةِ، وَالصِّحِّيَّةِ، وَالإِدَارِيَّةِ المُنَظِّمَةِ لِأَعْمَالِ الحَجِّ؛ فَإِنَّ المَقْصُودَ الأَوَّلَ مِنْ هَذِهِ التَّعْلِيمَاتِ هُوَ التَّنْظِيمُ، وَتَوْفِيرُ الخِدْمَاتِ، وَحِفْظُ الأَمْنِ وَالسَّلَامَةِ، وَتَحْقِيقُ المَصَالِحِ العُلْيَا لِلْحُجَّاجِ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ وَالفَوْضَى، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ المَصَالِحِ المُعْتَبَرَةِ الَّتِي جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِرِعَايَتِهَا وَالحِفَاظِ عَلَيْهَا.
عِبَادَ اللهِ: وَمَنْ يُيَسِّرِ اللهُ لَهُ الحَجَّ، وَعَزَمَ عَلَى أَدَاءِ هَذِهِ الفَرِيضَةِ العَظِيمَةِ؛ فَلْيُخْلِصِ النِّيَّةَ للهِ تَعَالَى بصدقٍ وإخلاصٍ، وَلْيَتَحَرَّ مُتَابَعَةَ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلْيَحْرِصْ عَلَى أَنْ يَكُونَ حَجُّهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَلْيَحْفَظْ حَجَّهُ مِنَ الرَّفَثِ وَالفُسُوقِ وَالجِدَالِ، وَلْيَغْضُضْ بَصَرَهُ، وَلْيَحْفَظْ لِسَانَهُ، وَلْيَتَّقِ أَذَى المُسْلِمِينَ أَوِ التَّضْيِيقَ عَلَيْهِمْ فِي الطُّرُقَاتِ وَالمَشَاعِرِ، وَلْيَحْرِصْ عَلَى اسْتِثْمَارِ سَاعَاتِ هَذِهِ الأَيَّامِ المُبَارَكَةِ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّلْبِيَةِ وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ الكريم.
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى قَبُولِ الحَجِّ: أَنْ يَجْتَهِدَ الحَاجُّ فِي الاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَاسِكِهِ، فَكُلَّمَا كَانَ الحَاجُّ أَتْبَعَ لِلسُّنَّةِ، وَأَبْعَدَ عَنِ المُخَالَفَاتِ وَالبِدَعِ، كَانَ أَرْجَى لِقَبُولِ حَجِّهِ وَعِظَمِ أَجْرِهِ.
اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِلْحُجَّاجِ حَجَّهُمْ، وَأَعِنْهُمْ عَلَى أَدَاءِ مَنَاسِكِهِمْ، وَوَفِّقْهُمْ لِذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ ارْزُقْهُمُ الإِخْلَاصَ وَالقَبُولَ، وَالسَّكِينَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، وَاجْعَلْ حَجَّهُمْ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيَهُمْ سَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبَهُمْ ذَنْبًا مَغْفُورًا، اللَّهُمَّ احْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَاكْلَأْهُمْ بِرِعَايَتِكَ، وَرُدَّهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ فَرِحِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْزِ حُكُومَةَ هَذِهِ البِلَادِ المُبَارَكَةِ خَيْرَ الجَزَاءِ عَلَى مَا يَبْذُلُونَهُ مِنْ جُهُودٍ عَظِيمَةٍ فِي خِدْمَةِ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَرِعَايَةِ الحُجَّاجِ وَالمُعْتَمِرِينَ وَالزَّائِرِينَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَأَعِنْهُمْ وَوَفِّقْهُمْ، وَأَدِمْ عَلَى بِلَادِنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالإِيمَانِ وَالاسْتِقْرَارِ وَالرَّخَاءِ، وَاجْعَلْ مَا يُقَدِّمُونَهُ فِي مَوَازِينِ حَسَنَاتِهِمْ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ وفق وَلِيَّ أَمْرِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَأَلْبِسْهُمَا لِبَاسَ الصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ، وَأَعِنْهُمَا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ وَبِرٍّ وَهُدًى، وَعَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ البِلَادِ وَالعِبَادِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا بِحِفْظِكَ، وَأَحِطْهَا بِعِنَايَتِكَ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا أَمْنَهَا وَإِيمَانَهَا وَعِزَّهَا وَاسْتِقْرَارَهَا، وَاجْعَلْهَا دَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ وَسَلَامٍ وَإِسْلَامٍ، وَاحْفَظْهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِتْنَةٍ.
اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا المُرَابِطِينَ عَلَى حُدُودِ بِلَادِنَا، اللَّهُمَّ كُنْ لَهُمْ مُعِينًا وَنَصِيرًا وَمُؤَيِّدًا وَظَهِيرًا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَارْدُدْهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ سَكِينَتَكَ، وَاجْعَلِ النَّصْرَ حَلِيفَهُمْ، وَاكْتُبْ لَهُمُ الأَجْرَ العَظِيمَ وَالثَّوَابَ الجَزِيلَ.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المرفقات
1778758655_فضل عشر ذي الحجة........docx
1778758733_فضل عشر ذي الحجة........pdf