فقه السيرة(45)غزوة الحديبية(ب)
الشيخ تركي بن علي الميمان
عنوان الخطبة : فقه السيرة(45)غزوة الحديبية(ب)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102] عباد الله: في غزوة الحديبية، أراد النبي صَلى الله عليه وسلم زيارة البيت الحرام، ولم يرد قتال قريش.
فأرسلت قريش عدداً من السفراء للتفاوض مع المسلمين، لردِّهم عن البيت الحرام. وكان من آخرهم سهيل بن عمرو.
وأكدت له أن لا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عَنوة أبداً. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه صَلى الله عليه وسلم قال: «لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ»، وقال: «قَدْ أَرَادَ الْقَوْمُ الصُّلْحَ حِينَ بَعَثُوا هَذَا الرَّجُلَ»، فجاء سهيل فتكلم طويلاً، ثم اتفقا على قواعد الصلح وهي:(1) أن يرجع الرسول صَلى الله عليه وسلم من عامه، فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثاً، معهم سلاح الراكب، ولا تتعرض لهم قريش.
ومن الشروط:(2)وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض.
(3) ومن أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
(4)ومن أتى محمداً من قريش من غير إذن وليه- أي هارباً منهم- ردَّه عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد- أي هارباً منه- لم يُردّ عليه.
ثم دعا علياً ليكتب الكتاب، فأملى عليه بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما الرحمن فو الله لا ندري ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللهم. فأمر النبي صَلى الله عليه وسلم علياً بذلك. ثم أملى هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال: إني رسول الله وإن كذبتموني، وأمر علياً أن يكتب محمد بن عبد الله، ويمحو لفظ رسول الله، فأبى عليٌّ أن يمحو هذا اللفظ، فمحاه صَلى الله عليه وسلم بيده، ثم تمت كتابة الصحيفة.[الرحيق المختوم (ص: 350-351)]
وبينما الرسول صَلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب مع سهيل، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله صَلى الله عليه وسلم، فلما رأى سهيل ابنه أبا جندل قام إليه، فضرب وجهه وأخذ بتلابيبه وقال: هذا أول ما أُقاضيك عليه يا محمد، فأراد الرسول صَلى الله عليه وسلم من سهيل أن يدعه فلم يقبل، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا جَنْدَلٍ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، وَإِنَّا لَنْ نَغْدِرَ بِهِمْ»[مسند أحمد(18910)المحققون: إسناده حسن]- [فقه السيرة: للزيد(ص:529)]
ويحكي عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ مجيئه إلى رسول الله صَلى الله عليه وسلم غاضباً عند كتابة ذلك الصلح، قال: «فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: «بَلَى»، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ، وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: «بَلَى»، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: «إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي»، قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: «بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ العَامَ»، قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَ: «فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ»، وأتى عمر أبا بكر، وقال له مثل ذلك، فقال له أبو بكر: «إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الحَقِّ» [البخاري(2731)] وقَالَ عُمَرُ: «مَا زِلْتُ أَصُومُ وَأَتَصَدَّقُ وَأُصَلِّي وَأَعْتِقُ مِنَ الَّذِي صَنَعْتُ مَخَافَةَ كَلَامِي الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ يَوْمَئِذٍ حَتَّى رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا»[مسند أحمد (18910) المحققون: إسناده حسن] - [السيرة النبوية: مهدي(ص:474)]
وعندما أمرهم الرسول صَلى الله عليه وسلم بأن ينحروا الهدي ويحلقوا رؤوسهم، لم يقم منهم أحد، فكرر الأمر ثلاث مرات، فدخل على أمِّ سلمة رَضي الله عنها، وحكى لها ما حدث من المسلمين، فأشارت إليه بأن يبدأ هو بما يريد، ففعل، فقاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً. فدعا الرسول صَلى الله عليه وسلم للمحلِّقين ثلاثاً، وللمقصِّرين مرة واحدة. [السيرة النبوية: مهدي(ص:475)]
ونزلت سورة الفتح، وهم في طريق العودة إلى المدينة، {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}[الفتح:1]؛ وقال عمر متعجباً: يَا رَسُولَ اللهِ، «أَوَ فَتْحٌ هُو؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ»[مسلم(1785)]-[السيرة النبوية: مهدي(ص:475)]
ولما رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى المَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلاَنُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ، فَقَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ: «لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا» فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ» فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ، قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ، لَمَّا أَرْسَلَ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ. [البخاري(2731)] - [فقه السيرة: للزيد(ص:531-532)]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الفتح:24] بارك الله لي ولكم في القرآن...
الخطبة الثانية: الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى. أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة:223]
عباد الله: غزوة الحديبية مليئة بالحِكَمِ والفوائد؛ منها: (1) لما أقبل سهيل بن عمرو، ورآه الرسول صَلى الله عليه وسلم قال: «لَقَدْ سَهُلَ
لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ»، وهذا يدلنا على استحباب التفاؤل.
(2) في موقف بعض الصحابة رَضي الله عنهم من صلح الحديبية نأخذ منه أهمية اتهام العقل أمام النصوص الشرعية؛ وأن نتمسك بقول أبي بكر لعمر: «إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ». وأن نحذر في مقابل ذلك من الرأي والآراء التي تصادم نصوص الشرع.
(3)من قول عمر رَضي الله عنه: «مَا زِلْتُ أَصُومُ وَأَتَصَدَّقُ وَأُصَلِّي وَأَعْتِقُ مِنَ الَّذِي صَنَعْتُ»؛ فإذا شعر المسلم أنه وقع في خطأ معين فعليه بالأعمال الصالحة بعد التوبة النصوح، فإن في هذه الأعمال تعويضاً عما فاته من خير، وتكفيراً لما وقع منه من زلل.
(4)في تسليم أبي جندل بن سهيل بن عمرو رَضي الله عنه للمشركين بعد مجيئه فاراً إلى المسلمين بسبب الصلح؛ ندرك منه ما كان عليه الرسول صَلى الله عليه وسلم من المحافظة على العهد والوفاء به مهما كان قاسياً على النفس. وأهمية وفاء المسلم بالعهد الذي يقطعه على نفسه رخاءً أو شدة، له أو عليه.
(5)عندما أمر الرسول صَلى الله عليه وسلم أصحابه بالحلق فلم يأتمروا، وخرج بنفسه وحلق، تسابق الصحابة إلى حلق رؤوسهم، وهذا يدلنا على أهمية القدوة الحسنة وأنها تؤثر أكثر من تأثير القول؛ فالأب في منزله وبين أولاده، والمعلم في مدرسته وبين طلابه، كلاهما مؤثر بسلوكه وأعماله، أكثر من تأثيره بأقواله.
(6)أن ندرك أن العبرة بما تؤول إليه الأمور، وعسى أن يكره المؤمن شيئاً ويكون خيراً؛ فقد كره بعض الصحابة صلح الحديبية وما فيه من شروط وتبين بعد ذلك ما فيه من الخير للإسلام والمسلمين.
فعلى المسلم أن لا يتعجَّل ويحكم على الأمور بظاهرها، وليسأل الله الخير العاجل والآجل، ويرضى بما يكتب الله سبحانه.[فقه السيرة: للزيد(ص:538-546)]
فلنتق الله تعالى-عباد الله-، ولنعتبر بما جرى في غزوة وصلح الحديبية، ولنعلم مدى غيظ الكفار على المسلمين، ليكون دافعاً لنا جميعاً بالتمسك بهذا الدين، والسعي لنشره تطبيقاً في أنفسنا وأسرتنا ومجتمعنا، ونشره في وسائل التواصل، فإن هذا من نصر دين الإسلام.
وصلوا وسلموا على نبيكم محمد
المرفقات
1777437972_فقه السيرة(45)غزوة الحديبية(ب).docx
1777437994_فقه السيرة(45)غزوة الحديبية(ب).pdf
شبيب القحطاني
عضو نشطجزاك الله خيرا
تعديل التعليق