فِي رِحَابِ المَسَاجِدِ… تَنْزِلُ الرَّحَمَاتُ وَتُغْفَرُ الزَّلَّاتُ
فهد فالح الشاكر
1447/11/07 - 2026/04/24 00:40AM
فِي رِحَابِ المَسَاجِدِ… تَنْزِلُ الرَّحَمَاتُ وَتُغْفَرُ الزَّلَّاتُ
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَّفَ بُيُوتَهُ، وَجَعَلَهَا مَوَاضِعَ لِذِكْرِهِ وَطَاعَتِهِ ، تَتَنَزَّلُ فِيهَا الرَّحَمَاتُ، وَتَحُفُّهَا المَلَائِكَةُ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ ونَسْتَعِينُهُ، ونَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيه
وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، جَعَلَ المَسَاجِدَ بُيُوتًا لَهُ فِي أَرْضِهِ،
وَنََشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ المَسَاجِدَ، وَرَغَّبَ فِي عِمَارَتِهَا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ…
كَمْ مِنْ قَلْبٍ يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ هُمُومًا…
وَكَمْ مِنْ نَفْسٍ تُخْفِي فِي أَعْمَاقِهَا آلامًا…
وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يَبْحَثُ عَنْ رَاحَةٍ فَلَا يَجِدُهَا…
وَيَلْتَمِسُ سَكِينَةً فَلَا يَذُوقُهَا…
يَجْرِي فِي الدُّنْيَا… فَيَتْعَبُ… وَيَنْشَغِلُ… وَيَضِيقُ…
ثُمَّ يَعُودُ… فَلَا يَجِدُ لِقَلْبِهِ قَرَارًا… وَلَا لِنَفْسِهِ سَكُونًا…
وَالأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ…
أَنَّ بَيْتَ الرَّاحَةِ مَفْتُوحٌ…وَبَابَ السَّكِينَةِ لَا يُغْلَقُ…
إنَّها بُيُوتَ اللَّهِ … لكن من النَّاسِ عَنْهَا بَعِيدُونَ!
يَمُرُّونَ بِجَانِبِهَا… وَلَا يَدْخُلُونَهَا…
يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ… وَلَا يُجِيبُونَهُ…
أَفَلَا يَحِقُّ لِقُلُوبِهِمْ أَنْ تَبْكِي؟!
أَفَلَا يَحِقُّ لِنُفُوسِهِمْ أَنْ تَرْجِعَ؟
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ…
بُيُوتُ اللَّهِ… لَيْسَتْ جُدْرَانًا…هِيَ مَلَاذُ التَّائِبِينَ… وَمَأْوَى المُنْكَسِرِينَ…هُنَا… فِي بُيُوتِ اللَّهِ…تُغْفَرُ الذُّنُوبُ… وَتُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ… وَتَطْمَئِنُّ القُلُوبُ.
إِنَّ المَسَاجِدَ بُيُوتُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَمَوَاضِعُ ذِكْرِهِ وَقُرْبِهِ، فِيهَا تُرْفَعُ الشَّعَائِرُ، وَتُقَامُ الفَرَائِضُ، وَفِي أَرْجَائِهَا تَسْكُنُ القُلُوبُ بَعْدَ اضْطِرَابِهَا، وَتَطْمَئِنُّ النُّفُوسُ بَعْدَ قَلَقِهَا.
فِيهَا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ، وَيُتْلَى كِتَابُهُ، وَتُعَمَّرُ بِالصَّلَاةِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَهِيَ مَحَاضِنُ الطَّاعَاتِ، وَمَجَالِسُ القُرْبَاتِ، وَمَهَابِطُ الرَّحَمَاتِ.
قَالَ ﷺ:«مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»
عِبَادَ اللَّهِ…
وَالمَسَاجِدُ أَحَبُّ البِقَاعِ إِلَى اللَّهِ، لِأَنَّهَا مَوَاطِنُ العِبَادَةِ، وَمَظَانُّ الإِجَابَةِ، وَمَحَالُّ النُّزُولِ لِرَحْمَتِهِ وَبَرَكَتِهِ.
قَالَ ﷺ: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا»
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ…
وَمِنْ أَشْرَفِ النَّاسِ مَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِالمَسَاجِدِ، فَأَلِفَهَا وَأَحَبَّهَا، وَحَنَّ إِلَيْهَا وَتَعَلَّقَ بِهَا.
قَالَ ﷺ: «مِنَ السَّبْعَةِ الَّذِيْنَ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ القِيَامَة وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسَاجِدِ»
قَلْبٌ إِذَا خَرَجَ مِنْهَا حَنَّ إِلَيْهَا، وَإِذَا بَعُدَ عَنْهَا اشْتَاقَ إِلَيْهَا، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاةٍ تَطَلَّعَ إِلَى أُخْرَى.
عِبَادَ اللَّهِ…
ومِنْ أسبابِ تكفيرِ السيئات: إسباغُ الوضوءِ في الكَرِيهات، ونقلُ الأقدامِ إلى الجماعاتِ، والجلوسُ في المساجدِ بعدَ الصلوات؛ قال ﷺ: (أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قالوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قال: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِه، وكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاة؛ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ!) .
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ…
والمَسَاجِدُ هِيَ مَصَانِعُ الرِّجَال، والأَمَانُ مِنَ الأَهْوَال! قال ﷻ : ﴿في بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وإِقَامِ الصَّلاةِ وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ﴾.
عِبَادَ اللَّهِ…
والعِنَايَةُ بالمَسَاجِدِ، وعِمَارَتُهَا حِسِّيًّا ومَعْنَوِيًّا؛ مِنْ صِفَات المُهْتَدِيْن؛ قال تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ باللهِ واليَوْمِ الآخرِ وأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدينَ﴾؛ وقال ﷺ: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِله: كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ؛ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ)
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ… ومِنَ العِنَايَةِ بِالمَسَاجِدِ: صِيَانَتُهَا عَمَّا يُدَنِّسُهَا مِنَ النَجَاسَةِ الحِسّيَّةِ والمعنوية.
ومِنَ النَّجَاسَةِ المَعْنَوِيَّة: الشِّركُ بالله؛ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِله فَلا تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾.
فلا يَجُوْزُ وَضْعُ القَبْرِ في المسجد؛ أو بِنَاءُ المسجدِ على القَبْر؛ حِمَايةً لِلْتَّوحِيدِ، وحَذَرًا مِنَ الشِّركِ والتَّنْدِيد
ومِنَ النَّجَاسَةِ الحِسِّيةِ التي ينبغي صيانةُ المسجدِ عنها: كُلُّ ما يُؤْذِي المُصَلِّيْنَ مِنْ مَنْظَرٍ أو رائِحَة؛ قال ﷺ: (مَنْ أَكَلَ البَصَلَ والثُّومَ والكُرَّاثَ؛ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ)
بارك الله لي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ.أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ،
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ…
يَنْبَغِي أَخْذُ الزِّيْنَةِ عِندَ الذَّهَابِ إلى المسجد، ولُبْسُ أَحْسَنِ الثيابِ وأَجْمَلِهَا وأَنْظَفِهَا؛ (فَإِنَّ اللهَ أَحَقُّ مَنْ تُزُيِّنَ لَهُ) ، قال ﷻ: ﴿يَا بَنِي آدمَ خُذُوا زِيْنَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ…وهَنِيْئًا لِمَنْ سَاهَمَ في تَطْهِيْرِ المَسَاجِدِ ونَظَافَتِهَا؛ قال ﷺ: (عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ) . وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ، فَمَاتَتْ؛ فَفَقَدَهَا النَّبِيُّ ﷺ؛ فَسَأَلَ عَنْهَا بَعْدَ أَيَّامٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا مَاتَتْ! فقال: (هَلَّا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي)، فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا .
ومِنْ أَعْظَمِ الظُّلْم، وأَشَدِّ الجُرْم: التَّسَبُّبُ في مَنْعِ المَسَاجِدِ وتَعْطِيْلِهَا، والسَّعْيُ في خَرَابِهَا وتَدْنِيْسِهَا! قال ﷻ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾. قال ابنُ عُثَيمين: (مِنْ فَوَائِدِ الآيَةِ: تَحرِيمُ مَنْعِ المَسَاجِدِ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ فِيْهَا اسْمُ اللهِ: سَوَاء كانَ الذِّكْرُ صَلَاةً، أو قِرَاءَةً لِلْقُرآنِ، أو تَعْلِيمًا لِلْعِلْمِ، أو غَيْرَ ذَلِك) .
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ وَثَلَّثَ بِكُمْ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمًا( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ،إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قُلُوبَنَا وَأَحْوَالَنَا.
اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالأَمَانِ فِي أَوْطَانِنَا ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِتْنَةٍ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّد ﷺ
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَّفَ بُيُوتَهُ، وَجَعَلَهَا مَوَاضِعَ لِذِكْرِهِ وَطَاعَتِهِ ، تَتَنَزَّلُ فِيهَا الرَّحَمَاتُ، وَتَحُفُّهَا المَلَائِكَةُ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ ونَسْتَعِينُهُ، ونَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيه
وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، جَعَلَ المَسَاجِدَ بُيُوتًا لَهُ فِي أَرْضِهِ،
وَنََشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ المَسَاجِدَ، وَرَغَّبَ فِي عِمَارَتِهَا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ…
كَمْ مِنْ قَلْبٍ يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ هُمُومًا…
وَكَمْ مِنْ نَفْسٍ تُخْفِي فِي أَعْمَاقِهَا آلامًا…
وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يَبْحَثُ عَنْ رَاحَةٍ فَلَا يَجِدُهَا…
وَيَلْتَمِسُ سَكِينَةً فَلَا يَذُوقُهَا…
يَجْرِي فِي الدُّنْيَا… فَيَتْعَبُ… وَيَنْشَغِلُ… وَيَضِيقُ…
ثُمَّ يَعُودُ… فَلَا يَجِدُ لِقَلْبِهِ قَرَارًا… وَلَا لِنَفْسِهِ سَكُونًا…
وَالأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ…
أَنَّ بَيْتَ الرَّاحَةِ مَفْتُوحٌ…وَبَابَ السَّكِينَةِ لَا يُغْلَقُ…
إنَّها بُيُوتَ اللَّهِ … لكن من النَّاسِ عَنْهَا بَعِيدُونَ!
يَمُرُّونَ بِجَانِبِهَا… وَلَا يَدْخُلُونَهَا…
يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ… وَلَا يُجِيبُونَهُ…
أَفَلَا يَحِقُّ لِقُلُوبِهِمْ أَنْ تَبْكِي؟!
أَفَلَا يَحِقُّ لِنُفُوسِهِمْ أَنْ تَرْجِعَ؟
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ…
بُيُوتُ اللَّهِ… لَيْسَتْ جُدْرَانًا…هِيَ مَلَاذُ التَّائِبِينَ… وَمَأْوَى المُنْكَسِرِينَ…هُنَا… فِي بُيُوتِ اللَّهِ…تُغْفَرُ الذُّنُوبُ… وَتُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ… وَتَطْمَئِنُّ القُلُوبُ.
إِنَّ المَسَاجِدَ بُيُوتُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَمَوَاضِعُ ذِكْرِهِ وَقُرْبِهِ، فِيهَا تُرْفَعُ الشَّعَائِرُ، وَتُقَامُ الفَرَائِضُ، وَفِي أَرْجَائِهَا تَسْكُنُ القُلُوبُ بَعْدَ اضْطِرَابِهَا، وَتَطْمَئِنُّ النُّفُوسُ بَعْدَ قَلَقِهَا.
فِيهَا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ، وَيُتْلَى كِتَابُهُ، وَتُعَمَّرُ بِالصَّلَاةِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَهِيَ مَحَاضِنُ الطَّاعَاتِ، وَمَجَالِسُ القُرْبَاتِ، وَمَهَابِطُ الرَّحَمَاتِ.
قَالَ ﷺ:«مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»
عِبَادَ اللَّهِ…
وَالمَسَاجِدُ أَحَبُّ البِقَاعِ إِلَى اللَّهِ، لِأَنَّهَا مَوَاطِنُ العِبَادَةِ، وَمَظَانُّ الإِجَابَةِ، وَمَحَالُّ النُّزُولِ لِرَحْمَتِهِ وَبَرَكَتِهِ.
قَالَ ﷺ: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا»
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ…
وَمِنْ أَشْرَفِ النَّاسِ مَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِالمَسَاجِدِ، فَأَلِفَهَا وَأَحَبَّهَا، وَحَنَّ إِلَيْهَا وَتَعَلَّقَ بِهَا.
قَالَ ﷺ: «مِنَ السَّبْعَةِ الَّذِيْنَ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ القِيَامَة وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسَاجِدِ»
قَلْبٌ إِذَا خَرَجَ مِنْهَا حَنَّ إِلَيْهَا، وَإِذَا بَعُدَ عَنْهَا اشْتَاقَ إِلَيْهَا، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاةٍ تَطَلَّعَ إِلَى أُخْرَى.
عِبَادَ اللَّهِ…
ومِنْ أسبابِ تكفيرِ السيئات: إسباغُ الوضوءِ في الكَرِيهات، ونقلُ الأقدامِ إلى الجماعاتِ، والجلوسُ في المساجدِ بعدَ الصلوات؛ قال ﷺ: (أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قالوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قال: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِه، وكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاة؛ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ!) .
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ…
والمَسَاجِدُ هِيَ مَصَانِعُ الرِّجَال، والأَمَانُ مِنَ الأَهْوَال! قال ﷻ : ﴿في بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وإِقَامِ الصَّلاةِ وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ﴾.
عِبَادَ اللَّهِ…
والعِنَايَةُ بالمَسَاجِدِ، وعِمَارَتُهَا حِسِّيًّا ومَعْنَوِيًّا؛ مِنْ صِفَات المُهْتَدِيْن؛ قال تعالى: ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ باللهِ واليَوْمِ الآخرِ وأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدينَ﴾؛ وقال ﷺ: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِله: كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ؛ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ)
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ… ومِنَ العِنَايَةِ بِالمَسَاجِدِ: صِيَانَتُهَا عَمَّا يُدَنِّسُهَا مِنَ النَجَاسَةِ الحِسّيَّةِ والمعنوية.
ومِنَ النَّجَاسَةِ المَعْنَوِيَّة: الشِّركُ بالله؛ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِله فَلا تَدْعُو مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾.
فلا يَجُوْزُ وَضْعُ القَبْرِ في المسجد؛ أو بِنَاءُ المسجدِ على القَبْر؛ حِمَايةً لِلْتَّوحِيدِ، وحَذَرًا مِنَ الشِّركِ والتَّنْدِيد
ومِنَ النَّجَاسَةِ الحِسِّيةِ التي ينبغي صيانةُ المسجدِ عنها: كُلُّ ما يُؤْذِي المُصَلِّيْنَ مِنْ مَنْظَرٍ أو رائِحَة؛ قال ﷺ: (مَنْ أَكَلَ البَصَلَ والثُّومَ والكُرَّاثَ؛ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ)
بارك الله لي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ.أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ،
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ…
يَنْبَغِي أَخْذُ الزِّيْنَةِ عِندَ الذَّهَابِ إلى المسجد، ولُبْسُ أَحْسَنِ الثيابِ وأَجْمَلِهَا وأَنْظَفِهَا؛ (فَإِنَّ اللهَ أَحَقُّ مَنْ تُزُيِّنَ لَهُ) ، قال ﷻ: ﴿يَا بَنِي آدمَ خُذُوا زِيْنَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ…وهَنِيْئًا لِمَنْ سَاهَمَ في تَطْهِيْرِ المَسَاجِدِ ونَظَافَتِهَا؛ قال ﷺ: (عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ) . وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ، فَمَاتَتْ؛ فَفَقَدَهَا النَّبِيُّ ﷺ؛ فَسَأَلَ عَنْهَا بَعْدَ أَيَّامٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا مَاتَتْ! فقال: (هَلَّا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي)، فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا .
ومِنْ أَعْظَمِ الظُّلْم، وأَشَدِّ الجُرْم: التَّسَبُّبُ في مَنْعِ المَسَاجِدِ وتَعْطِيْلِهَا، والسَّعْيُ في خَرَابِهَا وتَدْنِيْسِهَا! قال ﷻ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾. قال ابنُ عُثَيمين: (مِنْ فَوَائِدِ الآيَةِ: تَحرِيمُ مَنْعِ المَسَاجِدِ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ فِيْهَا اسْمُ اللهِ: سَوَاء كانَ الذِّكْرُ صَلَاةً، أو قِرَاءَةً لِلْقُرآنِ، أو تَعْلِيمًا لِلْعِلْمِ، أو غَيْرَ ذَلِك) .
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ وَثَلَّثَ بِكُمْ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمًا( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ،إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قُلُوبَنَا وَأَحْوَالَنَا.
اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالأَمَانِ فِي أَوْطَانِنَا ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِتْنَةٍ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّد ﷺ
المرفقات
1776980407_ فِي رِحَابِ المَسَاجِدِ… تَنْزِلُ الرَّحَمَاتُ وَتُغْفَرُ الزَّلَّاتُ.pdf