كانوا أنفسهم يظلمون (الظلم)
عبدالعزيز بن محمد
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ:
· (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)
· (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
· (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أيها المسلمون: طِيْبُ الحَياةِ لا يَتحققُ إِلا بالأَمْنِ، ولا أَمانَ في طَرِيْقٍ تَكْتَنِفْهُ المَظالِم. والظُلْمُ مِثْلُ اسْمِهِ: سُودٌ طَرائِقُهُ، ولَيْلُهُ حَالِكٌ، ودَرْبُهُ دَمِسُ.
الظُلْمٌ ظُلُماتٌ، وما اسْتَنارَ طَرِيْقٌ لِظَالِمٍ، وما اهْتَدى في الظُلُماتِ سائِرٌ، وما تَخَطَى المَخاطِرَ مَنْ سارَ في الظُلْمِ وتَخَبَّطَ في الظُلُمات، وإِنْ غَرَّهُ إِمْهالٌ، وإِنْ أَغْرَتْهُ قُدْرَة.
الظُلْمٌ ظُلُماتٌ، وظُلُماتُ الظُلْمِ لا أَخْطَرَ مَنْها. لا تُفارِقُ صَاحِبَها في الدُّنْيا، ولا تُفارِقُهُ في القَبْرِ، ولا تُفارِقُهُ يَومَ القِيامَةِ في العَرصَات. عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه مسلم
ظُلْمٌ أَوْرَثَ ظُلُماتٍ، وجَوْرٌ أَوْرَثَ حَسَرَاتٍ. عاقِبَةُ الظُلْمِ وَخِيْمَةٌ، ومُنْقَلَبَهُ مُفْزِعٌ، وجزَاؤُهُ مَهُول، وفي القُرْآنِ قَالَ اللهُ {وقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً}
وعلى قَدْرِ فِرًارِ العَبْدِ مِنَ المَظَالِمِ يُبْسَطُ لَهُ النُورُ، وعلى قَدْرِ نَجَاتِهِ عَنْ المَظالِمِ يُبْسَطُ لَهُ الأَمان. وأَكْمَلُ النَّاسِ أَمْناً أَكْمَلُهُم عَدْلاً. ويَومَ القِيامَةِ يَكْمُلُ الأَمْنُ لِمَنْ آمَنَ ولَمْ يَخْلِطْ إِيْمانَهُ بِظُلْم {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}
* ظُلْمٌ يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ في حَقِّ رَبِهِ. وأَعْظَمُهُ الإِشْراكُ باللهِ، وهُوَ الظُلْمُ الذِيْ لا يَغْفِرُ اللهُ لِصاحِبِهِ أَبَداً {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} وكُلُّ مَعْصِيَةٍ يَرْتَكِبُها العَبْدُ، وكُلُّ مُخالَفَةٍ لأَمْرِ اللهِ، وكُلُّ تَجاوزٍ لِحُدُودِ اللهِ، ظُلْمٌ مِنَ العَبْدِ يَجِدُ أَثَرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* وظُلْمٌ يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ في حُقُوقِ عِبادِ اللهِ، وهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الكَبائِرِ التي حَذَّرَ اللهُ عِبادَهُ عَنْها {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
وفي الحَدِيْثِ القُدْسِيِّ قَالَ اللهُ تَبارك وتعالى: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» رواه مسلم ومَظالِمُ العِبادِ فِيما بَيْنَهُم، حَقٌّ على اللهِ أَنْ يَقْتَصَّ للمَظْلُومِ فِيْها، وأَنْ ينَالَ الظَالِمُ فيها جَزاءَهُ. عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلى أهْلِها يَومَ القِيامَةِ، حتَّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَلْحاءِ، مِنَ الشَّاةِ القَرْناءِ» رواه ومسلم
* وظُلْمٌ يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ تِجاهَ نَفْسِه. يَظْلِمُ العَبْدُ نَفسَهُ حِيْنَ يُهْمِلُها، فَلا يُقِيْمُها على الاسْتِقامَةِ، ولا عَنْ الغِوايَةِ يَزْجُرُها. يَظْلِمُ العَبْدُ نَفْسَهُ حِيْنَ يَذَرُها تَرْعَى في مَراعِي الهَوى، تأَكُلُ مِنْ كُلِّ خَضْراءَ، وتَشْرَبُ مِنْ كُلِّ إِناءَ، وتَسْرَحُ مَعَ كُلِّ سَارِحَة. فَلا يَرْدَعُها ورَعٌ، ولا يعْصِمُها تَقُوى، ولا يُقُودُها دِيْن. ظُلْمُ العَبْدِ لِنَفْسِهِ مُؤْلِمٌ، ظُلْمُ العَبْدِ لِنَفِْسِهِ جِنايَةٌ، ظُلْمُ العَبْدِ لِنَفْسِهِ سَفَه. وَلئِنْ كَانَ في الشِّعْرِ القَدِيْمِ قَدْ قِيْل:
وَظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً ** عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّدِ
فَماذا عَساهُ أَنْ يُقَالَ عَمَّنْ كَانَ لِنَفْسِهِ ظَالِماً، وعَمَّنْ كانَ لِنَفْسِهِ مْهلِكاً وهُوَ بالإِهْلاكِ لَها عالِماً. ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَدْ أَوثَقَها بالذُنُوبِ وبالآثامِ أَثْقَلَها. فَما يَنْفَكُ عَنْ جِنايَةٍ إِلا جَاءِ بِأُخْرَى، ولا يَتَحُوَّلُ عَنْ ذَنْبٍ إِلا ارْتَكَبَ آخَر.
ظَلَمَ نَفْسَهُ إِذْ أَهْمَلها، فَما هذَّبَها وما أَدَّبَها وما رَبَّاها، وما أَكْرَمَها وَما طَهَّرَها وما زَكَّها. دَسَّها بالرَّذائِلِ وغَطَّاها بالآثام، وما جَمَّلَها بالفضائِلِ، وما زَكَّها بِتَعالِيْمِ الإِسْلام. وفي سُورَةِ الشَّمْسِ، أَقْسمَ اللهُ أَحَدَ عَشَر قَسماً مَتَتالِيَاً، ثُم أَعْقَبَ الأَقْسامَ بِجَوابٍ يَهُزُّ القُلُوبَ ويُزَلْزِلُها {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} فَيالَهُ منْ جَوابٍ لِقَسَم.
وأَعْظَمُ النَّاسِ غَبْناً مَنْ كَانَ لِنَفْسِهِ ظَالِما {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} ومَنْ يُخالِفُ أَمْرَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}
ومَنْ كَانَ لِنَفْسِهِ ظَالِماً، فَهُوَ الأَجْدَرُ أَنْ يُلامَ حِيْنَ يُقَابِلُ الجَزاءَ ويُلاقِيْ العِقابِ {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}
حَذَّرَ اللهُ العِبادَ مِنْ مُخالَفَةِ أَمرِهِ وأَنْذَرَهُم. ونَبَّأَهُم أَنَّهُم على أَعْمالِهِم مُحاسَبُون، وأَنَّهُم على ما أَفْعالِهِم مَجْزِيُّونَ، وقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَر، وفي الحَدِيْثِ القُدْسِيِّ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلّ: (يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ) رواه مسلم ظَالمٌ لِنَفْسِه يُلاقِي جَزاءَ ظُلْمِهِ، قَالَ اللهُ: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}
إِنَّ للنَّفْسِ على صَاحِبِها حَقٌّ، فَلا يُكَلِّفُها مِنَ العَمَلِ ما لا تُطِيْق، ولا يُرْهِقُها في مَساعِي الدُّنْيا، ولا يُقْحِمُها فيما يَجْلِبُ لَها الشَقاءَ في الدُّنيا ولا في الآخِرَة. ولا يُرْخِصُ نَفْسَهُ إلا للهِ {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} والخاسِرُ حَقاً مَنْ خَسِرَ نَفْسَه التِيْ بَينَ جَنْبِيْه {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}
ومَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ فَلْيَتَدارَكْ مَظْلَمَتَه، ولْيُبادِرْ إِلى الإِقْلاعِ والتَوْبَةِ مِنْها {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}
قَالَ أُبُو بَكْرِ رَضيَ اللهُ عَنْهُ: يا رَسُولَ الله: عَلِّمني دُعَاءً أَدعُو بِهِ في صَلاتي، قَالَ: قُلْ: «اللَّهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كثِيرًا، وَلا يَغْفِر الذُّنوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِر لي مغْفِرَةً مِن عِنْدِكَ، وَارحَمْني، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفور الرَّحِيم» رواه البخاري ومسلم
فَإِذا كانَ هذا هُوَ الصِّدِّيْقُ رضي اللهُ عَنْهُ يُرْشَدُ إِلى الاعْتِرافِ: بِأَنَّهُ قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ظْلْماً كَثِيْراً، ثُمَّ يُرْشَدُ إِلى سُؤَالِ اللهِ المَغْفِرَةِ. أَفَلا يْدْرِكُ المْسْلِمُ كَمْ كانَ هُوَ لِنَفْسِهِ ظَالِماً، وكَمْ كانَ في الاسْتِغْفارِ وطَلَبِ التَوْبَةِ مُقَصِّراً {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمين، وأَشْهَدُ أَن لا إله إلا اللهُ ولي الصالحين، وأَشْهَدُ أَنَّ محمداً رسول رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليماً أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوْا اللهَ عِبَادَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْن.
أيها المسلمون: وفي مِضْمَارِ السِّبَاقِ إِلى اللهِ، وفي مَيْدانِ التَنافُسِ في طَلَبِ الفُوزِ بِمَحَبَّتِهِ وقُرْبِهِ وجَنَّتِهِ ورِضاه. تَتَفاوَتُ هِمَمُ العامِلِيْن {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}
والمُؤْمِنُ وهُوَ يُؤْمِنُ بِلِقاءِ اللهِ، يَرْجُو أَنْ يَنالَ يَومَ القِيامَةِ أَوْفَرَ الثَوابِ وأَجْزَلَهُ وأَوْفاه. يَرْجُو أَنْ يَكُونَ في زُمَرِ المُقَرَّبِيْن، وأَنْ يُحْشَرَ معَ النَّبِيينَ والصِّدِّيقِيْنَ والشُّهداءِ والصَّالحِيْن. فَتَراهُ يَعُودُ على نَفْسِهِ في كُلِّ حِيْن، يُجددُّ تَوْبَتَه، ويُقِيْمُ اعوِجاجَهُ، ويتدارَكُ زَلَّتَه. حَرِيْصٌ على نَفْسِهِ، يَسْعَى في فِكاكِها مِن المَغارِمِ، ويَسْعَى في الفَوْزِ بِها في زَمَنِ المَغانِم. تَتُوقُ نَفسُ المُؤْمِنِ إِلى بُلُوغِ مَواسِمِ الخَيِرِ التِي يُضاعِفُ اللهُ فيها الثَوابَ لِعِبادِهِ. ومَواسِمُ الخَيْراتِ تُقْبِلُ، َتَلُوحُ في الأُفُقِ بُرُوقُها، ثُمَّ تَغْشَى النَّاسَ بِبَرَكاتِها، ثُمَّ تُدْبِرُ بَعْدَ انْقِضاءِ وَقْتِها.
وها هوَ شَهْرُ رَمَضانِ يَدْنُو مِنْ سَاحَتَنا، تَتَناقَصُ الأَيامُ دُونَهُ، وغَداً سَيَحِلُّ ضَيْفاً على كُلِّ مُسْلِمٍ. فَما أَسْعَدَ مَنْ أَحْسَنَ ضِيافَتَهُ، وما أَسْعَدَ مَنْ صَدَقَ في تَهْيئَةِ النَّفْسِ لَه قَبْلَ مَقْدَمِه. شَهْرُ رَمَضانَ شَهْرُ طُلاَّبِ الآخِرَةِ، فَلْيَتَنَحَّ أَهْلُ اللهوِ واللعِبِ، ولَيْبْتَعْدِ غافِلٌ قَدْ مالِ للطَرَبِ. شَهْرَ رَمَضانَ شَهْرٌ فَضَّلَهُ اللهُ على سَائِرِ الشُّهُورِ، فأَودَعَ فيهِ مِنْ فَضْلِهِ وعَظِيْمِ كَرَمِهِ ما يَعْجَزُ عَنْ إِدْراكِهِ العَقْلُ، ويُضْعُفُ عَنْ اسْتِيعابِهِ الفِكْرُ. ولا يَدْرِكُ الأَمْرَ إِلا مَنْ صَحَّ دِيْنُهُ وعَظُمَ إِيْمانُه. شَهْرُ رَمَضانَ شَهْرٌ عَظِيْمٌ، عَظِيْمٌ، عَظِيْم. أَنْزَلَ اللهُ فيهِ القُرآن، وجَعَلَهُ بِتَمامِهِ ظَرْفاً لِرُكْنٍ مِنْ أَرْكانِ الإِسْلام، وأَوْدَعَ فيهِ مِنْ أَسْبابِ المَغْفِرَةِ ما لَمْ يُودِعْهُ في غَيْرِهِ مِنْ شُهُورِ العَام. مَنْ صَامَهُ إِيْماناً واحْتِساباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه، ومَنْ قَامَهُ إِيْماناً واحْتِساباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه. قَالَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبْوَابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبْوَابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» رواه البخاري ومسلم
وإِنَّ شَهْراً هذهِ جُمْلةٌ مَنْ فَضائِلِهِ، لَحِرِيٌّ بالمُسْلِمِ أَنْ يُهَيئَ لَهُ نَفْسَهُ، وأَنْ يَصْدُقَ في تَمَنِّيْ قُدُومَهُ، وأَنْ يُحْسِنَ النِيَّةَ. وأَنْ يَنَقِّيْ النَّفْسَ مِنْ شَوائِبِها، يتَحللُ من المَظالِم التي ارْتَكَبَها، ويَطَهِّرُ النَفْسَ مِنْ شَحْنائِها وغِلِّها وحَسَدِها. يُصافِي إِخوانُه، ويُصَافِي جِيرانَهُ، ويُصالِحُ مَنْ أَطالَ هُجْرانَه. ويُطَهَّرَ النَّفْسَ مِنْ دَنَسِ الذُنُوبِ. فإِنَّ النَّفْسَ التِيْ طَالَ تَعلُّقُها بالهَوى، تَضْعُفُ عَن الخِيْر إِنْ لَمْ تُقْبِلُ وتَتَقَوَّى. وأَعْظَمُ ما يُعِيْنُ النَّفْسَ على كَبحِ جِماحِها. كَثْرَةُ الاسْتِغْفارِ، ثُمَّ كَثْرَةُ الاسْتِغْفار.
تَخَفف من مشاغِلِك قَبْلَ حُلُولِ الشَّهْرِ، واقْضِ قَبْلَ مِجيئِهِ حاجَاتِك، وعَوِّدِ النَّفْسَ على المُثابَرةِ المُصابَرَةِ والمُجاهَدَةِ، ودَرِّبْها على هَجْرِ المُلْهِيات، وعلى البُعْدِ عَنْ مَجالِسِ المُنْكَرِ واللهوِ والغَفَلات. واحْتَسِبْ كُلَّ نَفَقَةٍ تُنْفِقُها على أُسْرَتِك، في مَطْعَمِهِم ومَشْرَبِهِم ومَلْبَسِهِم وسائِرِ حاجاتِهِم. فإِنَّها من أَعظَمِ النَفَقات. وتَفَقَّدْ أَهْلَ الحَاجَةِ وكُنْ عَوناً لَهُم على اسْتِقْبالِ شَهْرِهِم. وكُلُّ مُعلِمٍ ومُرَبٍّ وإمامٍ مَسْجِدٍ ورَبِّ أُسْرَةٍ وولي أَمْرٍ، عليهمْ أَنْ يَتَفَطَّنُوا لِمَنْ بَيْنَ يَدِيْهِ. يُرْشِدُونَهُم إلى الخَيرِ، ويُذكِرُنَهُم بِفَضْلِ الشَّهْر، ويُعَلِّمُونَهُم أَحْكامَ العِبادَةِ، ويَدُلُّونَهُم على كُلِّ خَيْر. فَكمْ حَسَناتِ تُصَبُّ في مِيْزانِ مَن دَلَّ على خَيْرٍ وأَرْشَدَ إِلى هِداية. اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلما كثيراً..
المرفقات
1770281548_كانوا أنفسهم يظلمون 18ـ 8 ـ 1447هـ.docx