كيف نستقبل رمضان
عادل بن عبد العزيز الجهني
خطبة كيف نستقبل رمضان.
الحمدُ للهِ ذِي الفَضْلِ وَالإِحْسَانِ، الوَاسِعِ الرَّحْمَةِ وَالغُفْرَانِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وأتوب إليه وأستغفره، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أمّا بعد.
فأُوصِيكُمْ أيّها الناسُ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِتَقْوَاهُ، وَجَعَلَهَا سَبَبَ الفَلَاحِ وَالنَّجَاحِ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ﴾.
عِبَادَ اللهِ..
مِنْ أَعْظَمِ مَا يَنْبَغِي اسْتِحْضَارُهُ عَلَى الدَّوَامِ، وَتَذَكُّرُهُ فِي كُلِّ حِينٍ: كَمَالُ رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ، وَكَثْرَةُ عَطَايَاهُ لَهُمْ.
وَأَغْلَبُ النَّاسِ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُونَ فَضْلَ اللهِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا نِعَمٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ مَوْضِعُ شُكْرٍ وَتَذَكُّرٍ.
وَلٰكِنَّ أَعْظَمَ النِّعَمِ، وَأَكْبَرَ المِنَنِ تَذَكُّرُ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي أُمُورِ الشَّرْعِ وَالدِّينِ؛ فَهِيَ الأَعْلَى مَقَامًا، وَالأَشْرَفُ مَنْزِلَةً، وَالأَوْلَى أَنْ يُسْتَحْضَرَ فِيهَا الفَضْلُ وَالمِنَّةُ.
وَمِنْ رَحْمَةِ الله مَا شَرَعَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلَامِ العِظَامِ، وَلَعَلَّ مِنْ أَعْظَمِهَا مَا نَحْنُ مُقْبِلُونَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلَائِلَ؛
شَهْرُ رَمَضَانَ؛ وَهُوَ شَهْرُ الصِّيَامِ وَالقِيَامِ، شَهْرُ مُضَاعَفَةِ الأُجُورِ، وَالإِكْثَارِ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
فهُوَ شَهْرُ تُفْتَّحُ فيه أَبْوَابِ الجِنَانِ، وَتُغْلَّقُ أَبْوَابِ النِّيرَانِ، وتُصَفَّدُ فيه الشَّيَاطِينِ.
أَيَّامٌ يَسِيرَةٌ -أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ- وَيَتَرَاءَى لِلنَّاسِ هِلَالُ رَمَضَانَ، هٰذَا الهِلَالُ الَّذِي يُؤْذِنُ بِدُخُولِ خَيْرِ شُهُورِ العَامِ، فَيَفْرَحُ بِهِ المُسْلِمُونَ فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا.
يَفْرَحُونَ لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا رَمَضَانَ، وَيَتَذَكَّرُونَ مَنْ غَيَّبَهُمُ الْمَوْتُ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، فَيَرْفَعُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الدَّعَوَاتِ، مُسْتَشْعِرِينَ فَضْلَه عَلَيْهِمْ إِذْ مَدَّ فِي آجَالِهِمْ لِيَبْلُغُوا هٰذِهِ الأَيَّامَ الفَاضِلَةَ، وَهِيَ نِعْمَةٌ لَا يُدْرِكُ قَدْرَهَا إِلَّا مَنْ فَقَدَهَا، يَقُولُ ابْنُ الجَوْزِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: (لَوْ قِيلَ لأَهْلِ القُبُورِ تَمَنَّوْا لَقَالُوا: نَتَمَنَّى يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ).
لَا بُدَّ مِنْ إِظْهَارِ الفَرَحِ وَالسُّرُورِ بِقُدُومِ رَمَضَانَ؛ فَإِنَّ الفَرَحَ الحَقِيقِيَّ إِنَّمَا يَكُونُ بِطَاعَةِ اللهِ وَشَرَائِعِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
وَمَعَ إِقْبَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالَّذِي لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إِلَّا أَيَّامٌ، حَدِّثِ النَّفْسَ: مَاذَا سَتَصْنَعِينَ فِي هٰذَا الشَّهْرِ؟ وَكَيْفَ سَتَكُونُ الغَنِيمَةُ مِنْهُ؟
فَإِنَّ هٰذَا الحَدِيثَ لَهُ ثَمَرَتُهُ العَظِيمَةُ فِي حُسْنِ اغْتِنَامِهِ، وَالِانْتِفَاعِ مِنْهُ، وَالفَوْزِ بِفَضَائِلِهِ وَثَمَرَاتِهِ.
وَلَا بُدَّ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ النَّفْسِيِّ لِرَمَضَانَ، وَالتَّهْيِئَةِ لَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ.
فَكَثِيرُونَ يُدْرِكُونَ رَمَضَانَ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَيَخْرُجُ وَهُمْ كَمَا هُمْ فِي أَحْوَالِهِمْ مَعَ العِبَادَاتِ الوَاجِبَةِ، فَضْلًا عَنِ النَّوَافِلِ، بَلْ رُبَّمَا –وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ– كَانَ تَأَخُّرُهُمْ فِيهِ أَعْظَمَ، وَجُرْأَتُهُمْ عَلَى الذُّنُوبِ أَوْضَحَ، وَخُسْرَانُهُمْ لِلْمَوْسِمِ أَظْهَرَ.
عِبَادَ اللهِ.
إِنَّ إِدْرَاكَ رَمَضَانَ يَعْنِي إِدْرَاكَ فُرَصٍ عَظِيمَةٍ
فَهُوَ إِدْرَاكَ فُرَصِ الصِّيَامِ، وَالفَوْزَ بِأَجْرِهِ وَثَوَابِهِ.
وَإِدْرَاكُ شَهْرِ رَمَضَانَ يَعْنِي إِدْرَاكَ قِيَامِ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً، تَقُومُ فِيهَا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، فَتَفُوزُ بِأَجْرِ قِيَامِ لَيَالِي الشَّهْرِ كُلِّهِ.
وَهٰكَذَا مَعَ كُلِّ يَوْمٍ تَفُوزُ بِأَجْرِ مُضَاعَفَةِ التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ، وَاغْتِنَامِ فُرْصَةِ إِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ، وَالعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ الَّتِي تَعْدِلُ حَجَّةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ.
فَضَائِلُ وَغَنَائِمُ لَا مِثْلَ لَهَا فِي سَائِرِ شُهُورِ العَامِ، وَلِذٰلِكَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِقُدُومِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
يَا عَبْدَ اللهِ،
اسْتَقْبِلْ رَمَضَانَ بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ؛ فَالتَّوْبَةُ عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ، لَيْسَتْ خَاصَّةً بِالعُصَاةِ، بَلْ هِيَ عِبَادَةُ المُؤْمِنِينَ جَمِيعًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾.
وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا دَخَلْتَ رَمَضَانَ بِقَلْبٍ تَائِبٍ، كُنْتَ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَى القَبُولِ، وَأَسْعَدَهُمْ بِالطَّاعَةِ؛ فَإِنَّ لِلذُّنُوبِ أَثَرًا عَلَى القُلُوبِ، وَمِنْ أَعْظَمِ آثَارِهَا الحِرْمَانُ مِنَ الطَّاعَةِ، وَأَشَدُّ أَنْوَاعِ الحِرْمَانِ: أَنْ يُحْرَمَها العَبْدُ فِي مَوَاسِمِ الخَيْرَاتِ.
فَكَمْ مِنْ عَبْدٍ أُدْرِكَ رَمَضَانَ، وَلَكِنَّهُ حُرِمَ خَيْرَهُ؛ لِغَفْلَةٍ أَوْ تَسْوِيفٍ أَوْ إِصْرَارٍ عَلَى ذَنْبٍ.
فَبَادِرْ –رَحِمَكَ اللهُ– إِلَى تَصْفِيَةِ قَلْبِكَ، وَإِصْلَاحِ سِرِّكَ، وَمُرَاجَعَةِ نَفْسِكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكَ الشَّهْرُ.
يَا عَبْدَ اللهِ،
اسْتَقْبِلْ رمضانَ بِعَزِيمَةٍ كاملةٍ، ونيةٍ صَادِقَةٍ؛ فَإِنَّ العَزِيمَةَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ التَّوْفِيقِ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، مُطَّلِعٌ عَلَى النَّوَايَا، فَإِذَا رَأَى مِنْ عَبْدِهِ صِدْقًا وَعَزْمًا، فَتَحَ لَهُ أَبْوَابَ الخَيْرِ، وَيَسَّرَ لَهُ سُبُلَ الطَّاعَةِ، وَجَعَلَهُ مِنَ الْمُسَارِعِينَ إِلَى الْخَيْرَاتِ.
اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ، وَوَفِّقْنَا فِيهِ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي تَرْضَى بِهِ عَنَّا، وَيَرْفَعُ دَرَجَاتِنَا عِنْدَكَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
⸻
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحمدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
عِبَادَ اللهِ.
اسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِكَثْرَةِ الدُّعَاءِ، وَإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ إِلَى اللهِ؛ فَإِنَّكُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى تَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ وَعَوْنِهِ، فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ مَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَصُومَ، وَلَا أَنْ يَقُومَ، وَلَا أَنْ يَذْكُرَهُ أَوْ يَشْكُرَهُ.
وَاحْذَرُوا –رَحِمَكُمُ اللهُ– أَنْ يَكُونَ رَمَضَانُ شَهْرَ غَفْلَةٍ، أَوْ تَسْوِيفٍ، أَوْ انْشِغَالٍ بِمَا لَا يَنْفَعُ.
فَإِنَّهُ فُرْصَةُ عُمْرٍ، وَمَوْسِمُ خَيْرٍ، وَمِضْمَارُ سَبْقٍ إِلَى رِضْوَانِ اللهِ.
واسْأَلُوا اللهَ أَنْ يُبَلِّغَكُم رَمَضَانَ، وَأَنْ يُعِينَنَا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ شَاهِدًا لَنَا لَا عَلَيْنَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ شَهْرَ تَوْبَةٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ، وَأَعْمَالٍ مُتَقَبَّلَةٍ.
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ.