كيف نستقبل رمضان؟
د.عبدالحميد المحيمد
إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللَّهم صلَّ على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللَّهم بارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد .
عباد اللّه ، أوصيكم ونفسي بتقوى اللّه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)
أيها الأحبة في اللَّه، يقول النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم : (ما توطَّنَ رجلٌ مسلمٌ المساجدَ للصَّلاةِ والذِّكرِ إلَّا تبشبشَ اللَّهُ لَهُ كما يتبشبشُ أَهلُ الغائبِ بغائبِهم إذا قدمَ عليهم).
ونحن نستقبل شهر رمضان، نتوطَّنُ المساجدَ، ونرجعُ إلى بيوت اللَّه للصلاة والذكر. فهل استشعرنا معنى هذا الحديث؟
إنَّ من اتخذ المسجد وطنًا ومسكنًا، يأوي إليه في الصلوات الخمس، وقلبُه معلَّقٌ بأركانه، يحنُّ إليه، ولا يجد طمأنينةً ولا سكينةً إلا فيه؛ فإنَّ اللَّه عز وجل يفرح بقدومه، وإن كان قد انقطع عنه زمنًا فإن اللَّه يفرح بعودته.
فإذا رجعنا إلى اللَّه وإلى المساجد، نستشعرُ أنَّ اللَّه سبحانه وتعالى يتبشبش لنا، والبَشْبَشةُ في حقِّ اللهِ تعالى صِفةٌ فِعليَّةٌ ثابتةٌ للهِ عزَّ وجلَّ. وفي التبشيش دلالةٌ على إقبال اللَّه على عبده وفرحه به، وأنَّه يأمر ملائكته أن تستغفر له وتدعو له ما دام في المسجد.قال:
" كما يتبشبش أهلُ الغائبِ بغائبِهم إذا قدمَ عليهم"
فكيف يكون شعورُك إذا استقبلت غائبًا أو مسافرًا عاد إليك؟
ونحن نستقبل رمضان نرجع إلى اللَّه ونرجع إلى المساجد، ولا نكون كالذين يأتون في الأيام الأولى من رمضان في اليوم الأول والثاني والثالث، ثم بعد ذلك يبدأون ينسحبون من بيوت اللَّه.
أفلا تعلم أن اللَّه يفرح بك؟
فلماذا أدبرت؟
فإياكم أن تكونوا كهؤلاء.
وعندما نهيئ أنفسنا لرمضان، قبل أن نبدأ بالجداول والاستعداد للطعام والشراب، فلنخلِص النوايا للَّه؛ فإن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيبًا. واللَّه عز وجل أغنى الشركاء عن الشرك، فلا يقبل منك شيئًا فيه شرك، أي لا يقبل شيئًا فيه مشاركة لغيره سبحانه وتعالى:
(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة: 5]
فأخلص في نيتك وفي صيامك وفي استقبال شهر رمضان؛ إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. ثم بعد ذلك استقبل رمضان بصفحة جديدة، أطوِ الأحقاد والأحزان جانبًا، أطوِ ما في قلبك من شحناء، واستقبل رمضان بقلبٍ نقي من الشرك، وبقلبٍ طاهر من الأحقاد. ثم عليك أن تحافظ على الصلوات الخمس؛ فإن من حافظ عليها في الجماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة، كما قال بعض السلف.فتتقرب إلى اللَّه بهذه الفرائض، وتحافظ عليها في أوقاتها، وتهيّأ نفسك من الآن، وتنظم أوقات نومك وأوقات استيقاظك وأوقات تواجدك بالقرب من المسجد، بحيث لا تفوتك الصلاة في جماعة.
وأيضًا هيّئ نفسك؛ أن تتصدق ولو بالشيء اليسير في كل يوم، حتى لا تخرج من رمضان إلا وقد ملأت أيام رمضان بالصدقة والتقرب إلى اللَّه. ثم ماذا؟
احرص ألا يُسرق منك رمضان؛ احرص من الآن أن لا يُسلب منك رمضان بسبب البرامج ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، والدنيا التي تناديك وتجذبك إليها. فمن الآن نعدّ العدة، ونخلص النية، ونحمد اللَّه أنه بلغنا هذه المواسم العظيمة، مواسم الطاعات. فكم من أشخاص فقدناهم لم يستطيعوا أن يصلوا إلى شهر رمضان؛ توفاهم اللَّه ورحلوا من الدنيا. كم من مريض في المشافي يتمنى لو أن لديه القوة والعافية حتى يأوي إلى بيوت اللَّه، حتى يأنس بسماع صلاة التراويح وبسماع الأذان وقراءة القرآن وذكر اللَّه؛ لأن العبادة مع الجماعة أسهل على النفس وأخف على الجسد، من أن تكون وحيدًا تحت أضواء المشفى، أو تحت الإبر والعلاجات. فاحمدوا اللَّه عز وجل، واسألوا اللَّه أن يُسلِّم رمضان لنا ولكم.
وكان بعض السلف يقول عند استقبال رمضان: "اللَّهم سلّمنا لرمضان، وسلّم رمضان لنا، وتسلمه منا مقبولًا". فنسأل اللَّه أن يعيننا وإياكم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر اللَّه.
الخطبة الثانية
الحمد للَّه رب العالمين ،والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.
ايها الاحبة في اللَّه، ركّزوا على أمورٍ مهمّة في استقبال رمضان؛ وأولها إخلاصُ النيّة، وثانيها المحافظةُ على الصلوات الخمس. لا تُعوِّد نفسك في رمضان أن تضع الوسادة وتنام عن الصلوات. فما نفعُ الصيام وأنت تؤخّر الصلاة وتنام عنها؟
كذلك عوّدوا أنفسكم على ربط هذا اللسان، وعلى إغلاق هذه الأذان، حتى لا يدخل إليها الحرام، ولا يخرج منها الغيبةُ ولا النميمةُ.
ثالثًا: طهّروا صيامكم في بيوت الله؛ فليكن لك بين زوايا المساجد مكانٌ، وتزاحم فيها في الصفوف الأولى، ولا تكن ممن يزاحم في مجالس اللهو وتضييع الأوقات. وأكثروا من الدعاء، واسألوا اللَّه
القبول، وادعوا لآبائكم وأمهاتكم.
نسأل اللَّه أن يغفر لنا ذنوبنا وأن يتوب علينا، إنه هو التواب الرحيم.
اللَّهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللَّهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللَّهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، واجزهم عنا خير الجزاء.
اللَّهم بلغنا رمضان آمنين مطمئنين، واجعلنا فيه من المقبولين، واجعلنا فيه من الصائمين، واجعلنا فيه من التائبين يا رحمان يا رحيم.
اللَّهم احفظ هذا البلد وبلاد المسلمين.
اللَّهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللَّهم أغث البلاد والعباد سقيا رحمة لا سقيا عذاب، تحيي بها الزرع وتدر بها الضرع، وتجعلها رحمة لنا يا رحمن يا رحيم.
وآخر دعوانا أن الحمد للَّه ربِّ العالمين، وصلى اللَّه على نبينا محمد.
المرفقات
1771595125_كيف نستقبل رمضان؟.pdf