لوازم الإيمان وحقيقتها
د أحمد بن حمد البوعلي
لوازم الإيمان وحقيقتها
خطبة الجمعة: 7 / 6 / 1447 هـ - جامع الشيخ علي بن عبدالله ال ثاني - حي المزروع - د. أحمد بن حمد البوعلي
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي شرّف أهل الإيمان بولايته، وجعل التقوى سبب قربهومحابه، أحمده سبحانه حمدا يليق بجلاله وجماله، وأشهد أن لا إله إلاالله وحده لا شريك له، القائل في محكم البيان ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَالْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذيألّف الله به بين قلوب المؤمنين بعد طول فرقة، وصلى الله وسلم وباركعليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فاتقوا الله حق تقاته، وراقبوه في السر والعلن، وكونوا أنصاراله، وأولياء لأوليائه، وأعداء لأعدائه، وحملة لدينه، ودعاة إلى سبيله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَمَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: 14].
إن لوازم الإيمان هي الصفات والآثار التي يستلزمها وجود الإيمانالصحيح في القلب، فلا يتحقق الإيمان إلا معها، فالإيمان في منهجأهل السنة قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيدبالطاعة وينقص بالمعصية، ولذلك كان له لوازم قلبية وعملية واعتقادية لاينفك عنها المؤمن الصادق.
أيها الناس، الانتماء الحقيقي للإسلام ليس كلمة تقال، ولا شعارايرفع، وإنما هو استسلام لله، وانقياد لشريعته، وموالاة لأوليائه،ومعاداة لأعدائه، ومن هنا كانت الولاية الإيمانية ركنا من أركان البناءالاجتماعي في الإسلام، تصلح ما أفسدته الأهواء، وتجمع ما فرقتهالعصبيات.
وقد بيّن الله أن رابطة الإيمان هي أقوى الروابط، فقال سبحانه ﴿إِنَّالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا... أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 72]، وقال ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71].
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الولاء والبراء أصل عظيم منأصول الدين، وأنه «من لوازم شهادة أن لا إله إلا الله» (1).
أيها المؤمنون، إن من أجل النعم أن هدى الله هذا القلب إلى الإيمان،وربط بين العباد برباط الولاية الإيمانية التي لا تشدها الأنساب، ولاتحكمها الأعراق، ولا تجتمع بها الدنيا، وإنما يشدّها نور العقيدة،ويقوّيها حب الله وحب رسوله.
إن رابطة الإيمان هي الرابطة التي قامت بها الأمة ونهضت بهارسالتها، ولولاها لتفرقت الكلمة، وتشتت الصف، وخمدت الشعلة التيحملها الأنبياء جيلا بعد جيل.
وما تزال نصوص الوحيين تذكّرنا بأن من لوازم الإيمان، موالاةالمؤمنين، ونصرتهم، والقيام بحقوقهم، والتحذير من ضد ذلك؛ لأنالإيمان لا يكتمل إلا بولاء لله وولاء للمؤمنين، وبراءة من أعدائه. وقد جاءفي الحديث الصحيح «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيالله» (2).
وفي زمن تضطرب فيه المفاهيم، وتلتبس فيه الولاءات، وتُشترى فيهالمواقف بثمن بخس، يصبح الكلام عن ولاء المؤمن للمؤمن ضرورة فيإصلاح القلوب، وبناء المجتمع، وردّ الناس إلى قواعد الوحي التي لاتتبدل.
فيا عباد الله، هذا موضوع عظيم، وهو من لوازم الإيمان ومن شعبهالكبرى، ومعانيه تحكم علاقاتنا، وأقوالنا، ومشاعرنا، ومواقفنا، والفقهفيه فقه لحقيقة الدين، والجهل به مدخل من مداخل الشيطان فيتفكيك الصف وإضعاف الأمة.
ومن لوازم الولاية الإيمانية:
أولا، المحبة في الله؛ وهي أساس العلاقة بين المؤمنين، قال النبيصلى الله عليه وسلم «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقداستكمل الإيمان» (3).
وهذه المحبة لا تُبنى على مصالح دنيوية، بل على التقوى والعملالصالح، وكلما زاد المؤمن تقوى زادت محبته.
ثانيا، التواد والتراحم والتعاطف؛ وصفهم النبي صلى الله عليهوسلم بأبلغ وصف، فقال «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهممثل الجسد» (4).
فإذا غاب هذا المعنى، تفكك المجتمع، وضعفت الروابط، وتهيأت النفوسلفتن العداوات والخصومات.
ثالثا، الرحمة ولين الجانب، قال تعالى في وصف أهل ولايته ﴿أذلةعلى المؤمنين﴾، ووصف الصحابة بقوله ﴿رحماء بينهم﴾، وأمر نبيه بقوله﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾.
ومن لم يجد الرحمة في قلبه لإخوانه، فقد فاته وصف من صفات أولياءالله.
رابعا، إيصال الخير ودفع الشر، وهذا معنى الإخوة الحقيقية. قالالنبي صلى الله عليه وسلم «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه...» (5).
خامسا، النصيحة، وهي عماد الولاء. قال صلى الله عليه وسلم«الدين النصيحة» (6).
ولا يستقيم قلب عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وينصحه لله.
سادسا، نصرة المؤمن في الحق؛ يأمره إذا ظلم، ويدفع عنه إذاظُلم. قال صلى الله عليه وسلم «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» (7)،وفسر الظالم بأن يمنع عن الظلم.
سابعا، صيانة الدم والمال والعرض؛ وهي وصية النبي صلى اللهعليه وسلم في أعظم مجمع، يوم الحج الأكبر. قال «فإن دماءكموأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» (8).
ثامنا، الإصلاح بين المتخاصمين؛ وهذا من أعظم شعائر الإيمان،قال تعالى ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: 10].
والإصلاح من صفات الذين يريدون ولاية الله، قال تعالى ﴿والله يحبالمصلحين﴾.
ومن لوازم الولاية العملية:
1. التقوى والعمل الصالح
الولاية مقترنة بالعمل الصالح في قوله تعالى (الذين آمنوا وكانوايتقون) يونس 63. فلا ولاية مع ترك الفرائض أو الإصرار على الكبائر.
2. متابعة النبي صلى الله عليه وسلم
قال تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) آل عمران31. فالاتباع شرط في الولاية.
3. القيام بالفرائض والتقرب بالنوافل
جاء في الحديث القدسي أن الولاية تتحقق باتباع الفرائض ثم النوافل: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه"(9).
4. الولاء لأولياء الله والبراءة من أعدائه
قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) الممتحنة 1.
والولاء والبراء من أبرز لوازم الولاية الإيمانية.
5. الصبر على أقدار الله
قال تعالى (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشييريدون وجهه) الكهف 28. والصبر من أعظم أسباب نيل الولاية.
فهذه المعاني جميعا ليست فضائل تطوعية، بل هي من لوازم الإيمان،ومن تركها أو انتقصها، فقد انتقص من إيمانه بقدر ما ترك.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...
الخطبة الثانية
الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أنمحمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، وراقبوا يوم العرض الأكبر ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًاتُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 281].
أيها المسلمون، اعلموا أن الولاية الإيمانية من أوثق عرى الإيمان، وأنهالا تزول عن المؤمن بالمعصية، ولا ترتفع عنه بالخطأ، وإنما يزول حكمهاإذا نقض أصل الإيمان وخرج صاحبه من الإسلام.
ومن لوازم الولاية الاعتقادية
1. توحيد الله وإفراده بالعبادة
الولاية لا تكون إلا لأهل التوحيد، قال تعالى (الله ولي الذين آمنوا) البقرة 257.
2. الإيمان بالغيب
قال تعالى (الذين يؤمنون بالغيب) البقرة 3. والإيمان بالغيب من أصولالولاية، لأنه يورث الخشية والخضوع.
3. تعظيم نصوص الوحي والرضا بحكم الله
قال تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) النساء 65.
فالإيمان بحاكمية الله ونصوصه لازم من لوازم الولاية.
وقد كان السلف يقررون أن الولاية لا تتحقق إلا بالإيمان الصحيحولوازمه.
قال ابن تيمية: "ولاية الله مبناها على الإيمان والتقوى، فمن كان أكملإيمانا وتقوى كان أعظم ولاية"(10).
وقال سفيان الثوري: "إنما الولاية لمن خاف الله واتقاه، وإن صاموصلى فذلك فضل"(11).
وقال الحسن البصري: "أولياء الله قوم امتزجت قلوبهم بالخوفوالرجاء، فأطاعوا الله في السر والعلانية" (12).
وأجمع السلف على أنه لا ولاية بلا اتباع ولا تقوى ولا توحيد، وأن مجردالكرامات أو الصلاح الظاهر لا يثبت الولاية دون لوازمها.
وقد ورد من بعض كبار الصحابة أخطاء عظيمة، وبقيت ولايتهممحفوظة، وهذا من عدل الشريعة ورحمتها.
ومن أعظم الأمثلة:
أولا، قتل خالد بن الوليد بعض بني جذيمة، فلم ينزع النبي صلى اللهعليه وسلم ولايته، بل قال «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» (13)،فبرئ من الفعل، ولم يبرأ من الفاعل.
ثانيا، أسامة بن زيد قتل رجلا قال لا إله إلا الله، فأنكر عليه النبيصلى الله عليه وسلم، ومع ذلك بقي حبه ومكانته. وقال له «أقتلته بعدأن قال لا إله إلا الله» (14).
ثالثا، حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى قريش بخبر النبي صلى الله عليهوسلم، وهذا في ظاهر الأمر خيانة عظمى، ومع ذلك عذره النبي صلىالله عليه وسلم وقال «إنه شهد بدرا» (15).
فهؤلاء هم خير الأمة، وقع منهم الخطأ، ولم يخرجهم منه إلى دائرةالعداوة أو إسقاط الولاية، لأن الخطأ لا يرفع الإيمان.
فما بال أقوام اليوم يقسمون الولاء والبراء على حسب الأهواءوالتجمعات، وقد يجعلون من المؤمن عدوا، ومن عدو الله وليا، ويقدحونفي أعراض المؤمنين، ويرفعون أهل الكفر والأهواء. وهذا من أخطرأبواب الفتنة، قال تعالى ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾.
أيها المؤمنون، إن من علامة صحة الإيمان، حفظ اللسان عن الخوضفي أعراض المسلمين، وعدم تتبع عثراتهم، وتذكر أن النبي صلى اللهعليه وسلم قال «كل ابن آدم خطاء» (16).
فمن أراد ولاية الله فليوال المؤمنين، ولينصرهم، وليحفظ حقوقهم، وليحذرمن العداوة والقطيعة، فإنها سبب لرفع الرحمة، ونزول الفتن.
فالولاية الإيمانية منزلة سامية لا تكون إلا لأهل الإيمان والتقوى، ولاتتحقق إلا بلوازم قلبية وعملية واعتقادية دلت عليها نصوص الوحي، ومن حقق هذه اللوازم كان من أولياء الله حقا، الذين وعدهم الله بالأمنوالهداية والبشرى في الدنيا والآخرة.
نسأل الله أن يجعل قلوبنا وقلوبكم عامرة بالإيمان، ممتلئة بالمحبةوالرحمة.
اللهم أصلح ذات بين المسلمين، وألّف بين قلوبهم، وانصر من نصردينك، واخذل من خذل عبادك المؤمنين.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد...
الهوامش:
1. حديث «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» رواه أحمد 21500 وصححه الألباني.
2. مجموع الفتاوى 28/208.
3. رواه أبو داود 4681 وصححه الألباني.
4. رواه البخاري 6011 ومسلم 2586.
5. رواه البخاري 2442 ومسلم 2580.
6. رواه مسلم 55.
7. رواه البخاري 2444.
8. رواه البخاري 67 ومسلم 1679.
9. صحيح البخاري، حديث رقم 6502.
10. مجموع الفتاوى، ج 11، ص 314
11. حلية الأولياء، لأبي نعيم، ج 7، ص 5
12. الزهد للإمام أحمد، ص 273
13. رواه البخاري 4339.
10- رواه البخاري 4269 ومسلم 96.
11- رواه البخاري 3007 ومسلم 2494.
12- رواه الترمذي 2499 وصححه الألباني.