مدرسة الأيام المعدودة

أحمد عبدالعزيز الشاوي
1447/09/02 - 2026/02/19 17:23PM

الحمد لله ذي المن والعطاء، المتفرد بالألوهية والبقاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يسمع النداء ويجيب الدعاء، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير من صلى وصام ولبى النداء صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة النجباء وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين واحمدوا الله على دوام النعم واستمرار العطاء.

وفتحت مدرسة الثلاثين أبوابها واستقبلت طلابها ممن يؤمنون بالله واليوم الآخر مابين ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات ، فأما المطيعون فيستزيدون وأما المقصرون فيستعتبون

فتحت مدرسة الثلاثين أبوابها وشعارها ( ياباغي الخير أقبل وياباغي الشر أقصر ) وحداؤها ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها )

فتحت مدرسة الثلاثين أبوابها في دورة إيمانية تنقل المسلم من عالم الشقاء إلى عالم النقاء ، ومن عالم الارتكاس بالدنيا إلى عالم الارتقاء وتنتهي بأجمل نهاية هي التقوى

إنها أيام معدودات يلجها المسلم الحق بسلاح الصبر والمجاهدة ونفسه تتطلع للنهاية المفرحة حيث المغفرة والرضوان والفوز بالجنان

هَا هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ بَدَأَتْ تَهُلُّ نَفَحَاتُهُ، ُ، وَهَا أَنْتَ تدركه حيا  وَغَيْرُكَ فِي بُطُونِ القُبُورِ مرتهن! وَمُعَافَىً وَغَيْرُكَ من الآلام يَئِنُّ ، وللصلاة والصيام يحن ، تدركه آمنا مطمئنا وغيرك يدركه وقد تخطفه قريب يتجهمه وعدو يهاجمه فَمَاذَا تَنْتَظِرُ؟

أياما معدودات : هكذا قال عنها ربنا ، ولم يقل ( شهرا كاملا ) لأنها أيام جميلة خفيفة سريعة الانقضاء ، فمتى هلّ فاعتبره قد زل ، ولاتثقل إيامه إلا على الذين يريدون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا

أياما معدودات : من صامها وقامها إيمانا غفر له ماتقدم من ذنبه ، وفيها ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم

أياما معدودات : تشعر بسرعة الانقضاء وقرب الرحيل، فلا داعي لاستثقال لحظاته، بل الواجب علينا أن نعيش طاعة الوقت من صلاة وصيام وقيام وتلاوة للقرآن. وكما قالوا كيف يفرح بالدنيا يومه يهدم شهره وشهره يهدم سنته وسنته تهدم عمره وعمره يقوده إلى أجله وحياته تقوده إلى موته.

أياما معدودات : هي أنفس أيام أعماركم وأجمل لحظات حياتكم فاستقبلوها بالفرح بنعمة الله وبالعزم على خوض السباق للجنات ولاتكونوا ممن يتبع نفسها هواها ويتمنى على الله الأماني .. يخوض الصراع في ساحات الأسواق والمطاعم وسلاحه الطحين والعجين وغنيمته مأكولات وأفلام ومسلسلات وفي النهاية ( رغم أنف امريء أدركه رمضان فلم يغفر له )

أياما معدودات : فكونوا ممن يخوض غمار المجاهدة في رمضان من المساجد والمعتكف وبيد تمسك مصحفا وبأخرى تنفق على مسكين .. يتقلب مابين صيام وصلاة وذكر وقراءة قرآن وتزاور وصلة للأرحام ويتنقل من عبادة إلى أخرى لأنه يؤمن بقول خالقه ( فإذا فرغت فانصب ) ويحقق قول بارئه( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ...

أياما معدودات : فهو أكرم وأنتم أكبر من أن تتلوث أجواؤه الطاهرة بسماع الغناء وتتدنس برؤية الأفلام والمسلسلات الخادشة للحياء الهادمة للفضيلة تعرضها قنوات مفسدة حوت منكرا من القول وزورا ..أخذت على عاتقها إفساد روحانية رمضان وإشغال المسلمين عن القرآن وحرمانهم من أسباب التوبة والغفران .. فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ويرجو لقاء ربه فليجنب بيته وأهله تلك القنوات التي لاتنبت إلا تربية على التمرد والتخلي عن المباديء الفاضلة والتجرد من كل عفة وحياء ..

أياما معدودات : هي أغلى من أن تتحول إلى موسم لهو ولعب وتتحول فيه العبادة إلى عادة وأسمى من أن تتحول إلى مظاهر هي إلى البدعة أقرب .. كما هو سائد هذه الأيام من أردية وألبسة رمضانية تحيل روحانية رمضان مع مرور الأزمان إلى تراث وشكليات  ، فوالله إن وراء الأكمة ماوراءها

لاتستسهلوا تلك التوافه كالسفرة الرمضانية والهلال والفوانيس والتراث ، فتلك خطوات تسير بنا لغاية سيئة وهي التمهيد لنزع عظمة التشريع وقتل الغاية الحقيقية من تشريع العبادات ، فأين من غايته اليوم شراء أوانٍ وملابس وأطعمة رمضانية من الغاية الربانية ( لعلكم تتقون )

أياما معدودات : فاستعد له بإصلاح النية وتعلم أحكامه وتصفية القلوب من مكدرات الغل والحسد وادخل رمضان وقد فرّغت قلبك للانشغال به دون سواه. ((قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل؟، قال: "كل مخموم القلب صدوق اللسان"، قالوا: "صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب"، قال: "هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد")) فلا تنم على وسادتك إلا وقد ارحت قلبك وسامحت جميع الخلق وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم

أياما معدودات : فأكثروا فيها من الصدقات ودفع الزكوات والإحسان إلى المحتاجين المتعففين ، ولتصل صدقاتكم إلى من هم أهلها وتحروا في زكواتكم من هم أولى بها

أياما معدودات : فاحذر ممن يسرق الأوقات ويضيع العبادات  من جوالات ووسائل تواصل تضيع في تتبعها أغلى الأوقات بتفاهات وغثاء وقيل وقال وأخبار وتحليلات وأمور لاتعني المسلم بشيء فكم إشعار قطع آية وكم مقطع سرق خلوة وكم صورة أورثت شتاتا وكم رسالة حرمت لذة المناجاة ، ويوم تنشر الصحائف تود لو أن بينك وبينها أمدا بعيدا ومن حسن إسلام المرء تركه مالايعنيه

أقول هذا القول ....

 

الخطبة الثانية .. أما بعد :

أياما معدودات فلا تستثقلوا أقدامًا تنصب لله في التراويح والقيام، ولا تستبطئوا دقائقَ تُتْلَى فيها كلام العزيز العلام ، ولاتلاحقوا دعاة التخفيضات في التراويح والذين يتنافسون في سرعة الخروج والتخفيف المخل ، واقتدوا بنبيكم وأسلافكم في طول القيام ، فقيام اليوم يخفف من الوقوف الطويل يوم يقوم الناس لرب العالمين

أياما معدودات : وفيها مهم وأهم وواجب وأوجب ، وأن الله لايقبل نافلة حتى تؤدى فريضة وأن لله عملا بالليل لايقبله بالنهار وعملا بالنهار لايقبله بالليل ، فمن الجهالة أن ترى صائما لايصلي ، أو ترى ممتنعا عن الأكل والشرب ، منهمكا في أكل لحوم بني آدم ، وأن ترى صائما يخوض في اللغو والرفث فصيامَ شهرِ رمضانَ يَجِبُ أن يكون مُقْتَرناً بالحفاظ على سائر الفرائض والواجبات،  لا أن يكونَ سبباً لإضاعة الجُمعِ والجماعات، والتخلفٌ عن الفرائض والصلوات.   ولئن ثبتَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» فما الظن إذاً بمن ضيع الصلواتِ؟!  وقد قال ربُنا (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ*الذين هم عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ

أياما معدودات يامعشر الأئمة وقد اصطفاكم الله للإمامة وشرفكم بالمحاريب والإمام قدوة وضامن فلاتفسدوا هيبة التراويح بالتخفيف المخل والسرعة المفرطة التماسا لرضا الكسالى .. وابتغاء كثرة المصلين ، بل عظموا هذه الشعيرة بالطمأنينة والخشوع وكثرة القراءة وبالبعد عن التكلف والتصنع والتقليد المذموم ، وأحيوا القلوب الذكر والتذكير فماأعظم أثركم يوم أن يتأثر بكم مصل ويهتدي بقراءتكم وتذكيركم غافل

أياما معدودات أيها المسلم فزد رصيدك فيها بكل عمل صالح ، وكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة وإماطة الأذى عن الطريق صدقة واتق النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة

أياما معدودات : فمتى نفيق من غفوتنا وغفلتنا وإلا فالأيام تمر، والصحائف تطوى، والأعمال ترفع لرب العالمين، والناس في غفلاتهم وإنا لله وإنا إليه راجعون. فاعمل أيها الموحد في أيامك المعدودة قبل أن تقول يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، أو تنادى بأعلى صوتك تقول هل إلى مرد من سبيل

ناشدتكم بالله ياطلاب جنة الله : رمضان شهر بين أحد عشر شهرا كيوسف بين أحد عشر كوكبا فلاتقتلوه بالغفلة ولاتلقوه في غيابت جب الشهوات والشبهات ولاتبيعوه بثمن بخس بل أكرموا مثواه فعسى أن ينفعنا أو نتخذه شفيعا يوم الحساب

ماأجمل الهتاف النبوي ( إن في ايام الدهر نفحات فتعرضوا لها فلعل أحدكم أن تصيبه نفحة فلايشقى بعدها أبدا

اللهم صلِّ وسلم على محمد

المرفقات

1771511022_مدرسة الأيام المعدودة.doc

المشاهدات 244 | التعليقات 0