"مشروع لايعرف الفشل" 6/ 3 /1447هـ
د عبدالعزيز التويجري
الخطبة الأولى: مشروع لايعرف الفشل 6/ 3 /1447هـ
الحمد لله ولي المؤمنين (نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ، وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله صلَّى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وزوجاته ومن تبعهم بإحسان إلى اليوم الدين.
أما بعد:
في سنن الترمذي من حديث ابي هريرة h أن النبي r كان إذا بعث بعثاً أمّرَ عليهم من يحفظ سورة البقرة ..
ولَقِيَ عُمَرُ بن الخطاب h نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ بِعُسْفَانَ، فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي، فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى، قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ عمر: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟ قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ r قَالَ: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» أخرجه مسلم.
قال الإمام ابن سيرين: لما توفي النبي r أقسم عليٌّ ألا يرتدي برداء حتى يحفظ القران.
ولم يكن الصحابة يفضلون شيئا على حفظ القرآن .. لما فتح سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه المدائن صلى بالناس فقرأ من سور شتى فلما انصرف قال شغلني عن القرآن الجهاد في سبيل الله .. لم يمنعه رضي الله عنه من حفظ القرآن أصحاب أو أعمال ولم يشغله عن حفظه أموالٌ أو جوال ،. بل شغله الاشتغال بذروة سنام الإسلام ..
فما ذا يعتذر من صده عن تعلم القرآن وحفظه متابعة غُثاء الرياضة ، وهراء الفارغين ..
وما عساه أن يقول من سُمّت أعينهم من كبار وصغار على تطبيقات وبرامج أثمها أكبر من نفعها ..
تحسر خالد h من أو قات لم يشتغل فيها بالقرآن وهو القائل "لقد شهدت مائة زحف وما في بدني موضع الا وفيه ضربة او طعنة او رمية..
أَنْتَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ أَلْفٍ مِنَ النَّاسِ ... إِذَا مَا كُبَّتْ وُجُوهُ الرِّجَالِ
أَشُجَـــــاعٌ فَأَنْتَ أَشْجَعُ مِنْ لَيْــــــثِ ... عَـرِينٍ جَــــهْمٍ أَبِي أَشْبَــــــالِ
أَجَـــــــوَّادٌ فَأَنْتَ أَجْـــــوَدُ مِنْ سَيْـــــلٍ ... دِيَاسٍ يَسِيــــلُ بَيْنَ الْجِبَـــالِ
لا خير يسمو خيرية حفظ القرآن وإقرائه .. روى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عن رَسُولِ اللَّهِ r «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» وأخذ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السلمي القرآن عن عثمان ، قال ثم أَقْبَلْتُ عَلَى زَيْدٍ بن ثابت ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ القُرْآنَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ مَرَّةً. وكَانَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ k يَقْرَأُ عَلَيْهِ ، وَأَقْرَأَ فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وكان يقول هذا الحديث أَجْلَسَنِي هَذَا الْمَجْلِسَ ، وكان يُحَفِظُ القرآنَ خمسَ آيات خمسَ آيات.
ليس لحفظ القرآن عمرٌ ولا وقت ، لا ينتهي بعقد نكاحٍ أو حصول وظيفة ..
احفظ كل يومٍ ولو آية « فلئن يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ»
وفد غالب بن صعصعة على عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ومعه ابنه الفرزدق، فقال له علي: من هذا الفتى معك؟ قال: ابني الفرزدق، وهو شاعر، فقال: علّمه القرآن، فإنه خير له من الشعر. قال: فكان ذلك في نفس الفرزدق حتى قيد نفسه وآلى أن لا يحلّ نفسه حتى يحفظ القرآن.
من حفظ القرآن عز، ومن عاش معه ارتفع، ومن عمل به نجا.. ومن صاحب القرآن سمت روحه، ومن هجره ذبل قلبه.
من جعل القرآن دليله، لم يضل في دربه، ولم يخف من عاقبته ..ومن آنس قلبه بالقرآن، لم توحشه الدنيا، ولم تزلزله الفتن.
من حفظ القرآن في صدره، حُفظ في دنياه وآخرته ، من عمرَ وقته بالقرآن، بورك له في العمر والعمل.
من أقبل على القرآن أقبل الله عليه، ومن أعرض عنه أظلمت حياته ، وتعكرت معيشته {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}
" ابدأ بمشروع حفظ القرآن ولو كبر سنك ورق عظمك، فإن منزِلَكَ في الآخرة عندَ آخرِ آية تقرؤها .
ومن حفظ القرآن فهو كَالأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ »
استغفر الله لي ولكم وللمسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إني ربي رحيم ودود.
الخطبة الثانية ..
الحمدلله ولي المؤمنين والصلاة والسلام على إمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد ..
حفظ القرآن مشروع لا يعرف الفشل، وتجارة لا كساد فيها ، هو زادُ قلب، وبناءُ روح، وسعيٌ لا يضيع عند الله.. هو مشروعٌ رباني، بدايته توفيق، ووسطه تزكية، ونهايته: "اقرأ وارتقِ" ومستقره فوزٌ لا يُدرِكه إلا الصادقون.
كلُّ دقيقةٍ تمرُّ بلا قرآن هي شمعةٌ تذوبُ من نورِ حياتك، وكلُّ لحظةٍ تقضيها معه فهي نبضةُ قلبٍ تُحييكَ ، ونور يهديك ، وسعادة أبدية..
الرحلة في مشروع حفظ القرآن تتطلب منك عزمًا لا يلين ، وهمة لاتهين ، ودعاء لا يفتر..
التحقْ بحلقةِ تحفيظ فإنها مُشْرَعةٌ في كل جامع للكبار والصغار، بأوقات مختلفة، عن قرب وعن بعد ، فهي ثبات لقلبك، وغراسُ نورٍ في صدرك، وسُلَّمُ عُلوٍّ في دنياك وأُخراك..
فيها تصفو النيّة، وتعلوا الهمة ، وتصحُبُك الصحبةُ الصالحة ، ويرتوي قلبك من ذكر الله.
فيها تُجالسُ الحفظة، وتصحبك الكرام البررة، وتجدُ لنفسك مقامًا بين أهل السماء، فـإنّ للهِ أهلينَ من الناس، وهم أهلُ القرآن وخاصّتُه.
حلقةُ التحفيظ ليست مجرّد مجلس ، بل هي مَصنعُ الإيمان، ومحرابُ المجاهدة، ومنارةٌ لا تنطفئ.
تُثبّتُ الحرفَ بالحفظ، وتغذّي القلبَ بالتدبّر، وتفتحُ لك أبوابًا من الفهمِ لم تَكن تدريها ، وقد قال ربنا: "بل هو آياتٌ بيّناتٌ في صدورِ الذين أوتوا العلم".
سرْ في طريقه وإن تعثّرتَ يومًا، فإنّ الخطوةَ في هذا الدربِ عبادة، والتكرارَ فيه طاعة «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» أخرجه الإمام مسلم .
من حفظ القرآن، علت منزلته، وطابت سيرته، وحسُنت خاتمته. فليس يمنعنا من الحفظ انشغال خالد ، ولا دفاع ابن تيمية..
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ للمؤمنين) ..
اللهم نور بصائرنا واصلح قلوبنا وأعمالنا واجعل القرآن ربيع قلوبنا ..
اللهم آمنا في دورنا واصح ولاة أمورنا ...
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك ..
المرفقات
1756400532_مشروع لايعرف الفشل.docx
1756400532_مشروع لايعرف الفشل.pdf