مَظاهرُ التيسيرِ في عباداتِ رمضانَ
عبدالمحسن بن محمد العامر
الحمدُ للهِ حمداً يملأُ أرضَهُ وسماهُ، والشّكرُ له شكراً يَبْلُغُ رِضَاهُ، وأشهدُ إلّا إله إلا اللهُ المتفرّدُ بالألوهيَّةِ والرّبُوبِيَّةِ والأسمَاءِ والصِّفاتِ على مَنْ سواه، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه ومصطفاهُ، صلّى اللهُ وسلّمَ عليه وعلى آله وأصحابِه ومَنْ سارَ على نَهْجِهِ واقتفاهُ، إلى يومِ الوقوفِ بينَ يَديِ اللهِ.
أمّا بعدُ: فيا عبادَ اللهِ: أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ، فالتقوى غايةٌ لأجلها خُلِقْنَا، ولَنْ تَتَحَقَّقَ التّقوى إلا بدوامِ العبادةِ للهِ تعالى؛ قالَ تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"
معاشرَ المؤمنينَ: شَرْعُ اللهِ كلُّهُ ميسّرٌ، ودينُهُ غيرُ مُعقّدٍ، وعبادَاتُهُ سَهْلَةٌ، لا حَرَجَ فيها ولا أصْرَارَاً، ولا غلوّاً ولا أغْلالاً، ولا ضَرَرَاً ولا إضْرَارَاَ، ولا عَنَتَاً ولا عَنَاءً، ولا مشقَّةَ ولا إرهَاقاً، قالَ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ: "إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا، وأَبْشِرُوا، واسْتَعِينُوا بالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشيءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ" رواه البخاريُّ عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه.
وها نحن على مَشارِفِ أبوابِ رمضانَ، شهرِ العِباداتِ المُيَّسرةِ، والشرائعِ المُستَطاعَةِ، والتكاليفِ المخفَّفَةِ، فَمَعِ كثرةِ الأعمالِ الصالحَةِ المَشروعَةِ فيه؛ إلا أنها خفيفةٌ على العاملينَ علماً ومَعرِفةً، وجهداً، ووقتاً، وعملاً وتطبيقاً، ولهذا التّيسيرِ مظاهرُ واضحةٌ، ومعالمُ بيّنةً، ودلائلُ ظاهرةً.
فمِنْ مَظاهرِ التيسيرِ في عباداتِ رمضانَ: أنّ الصِّيامَ المفروضَ شهرٌ واحدٌ في السَّنةِ، ولو شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى لَفرضَ الصيامَ طِوَالَ أيامِ السَّنَةِ، ولَكَانَ ذلك شَاقَّاً على النُّفوسِ؛ يقول سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ*أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ "
ومِنْ مظاهرِ التيسيرِ في عباداتِ رمضانَ: أنّ مَرَدَةَ الشّياطينِ مُصفّدةٌ مُكَبّلَةٌ مَغْلولَةٌ، لا يقدِرونَ على ما كانوا يَقْدِرونَ عليه في غيرِ رمضانَ، مما يساعدُ أهلَ الإيمانِ، وأصحابَ القلوبِ السَّليمَةِ، وأربابَ النُّفوسِ الطّاهرةِ؛ على العملِ الصّالحِ، والتّقربِ إلى اللهِ تعالى؛ عنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ تعالى عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلّمَ: "إذا استَهَلَّ رمضانُ، غُلِّقَتْ أبوابُ النَّارِ، وفُتِّحَتْ أبوابُ الجنَّةِ، وصُفِّدَتِ الشياطينُ" رواه البخاريُّ ومُسلمٌ، وفي روايةٍ عندَ الترمذيِّ وابنِ ماجه: "إذا كانَت أوَّلُ ليلةٍ من رمَضانَ صُفِّدتِ الشَّياطينُ ومَردةُ الجِنِّ" صحّحه الألبانيُّ.
ومِنْ مظاهرِ التيسيرِ في عباداتِ رمضانَ: إباحةُ الأكلِ والشربِ والجماعِ طيلةَ الليلِ، عنِ البراءِ بن عازبٍ رضيَ اللهُ عنه قالَ: " كانَ أصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا كانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أنْ يُفْطِرَ؛ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ ولَا يَومَهُ حتَّى يُمْسِيَ، وإنَّ قَيْسَ بنَ صِرْمَةَ الأنْصَارِيَّ كانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإفْطَارُ أتَى امْرَأَتَهُ، فَقالَ لَهَا: أعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قالَتْ: لا، ولَكِنْ أنْطَلِقُ فأطْلُبُ لَكَ، وكانَ يَومَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قالَتْ: خَيْبَةً لَكَ! فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عليه، فَذُكِرَ ذلكَ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}، فَفَرِحُوا بهَا فَرَحًا شَدِيدًا، ونَزَلَتْ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}" رواه البخاريُّ، قالَ تعالى: "أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ"
ومِن مظاهرِ التيسيرِ في عباداتِ رمضانَ: مشروعيَّةُ الإفطارِ لأهلِ الأعذارِ؛ كالمسافرِ، والمَرِيضِ، والكبيرِ، والحائضِ، والنفساءِ، والحاملِ عندما تخاف على نفسها أو على ولدِها، والمرضعِ، ونحوهم، وتيسيرُ القضاءِ عليهم بعدَ رمضانَ؛ حيث يمتدُّ وقت القضاءِ إلى رمضانَ الآخرَ، ويجوزُ أنْ يكونَ القضاءُ متتابعاً أو متفرقاً، قالَ تعالى: "فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ" وقالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: "كانَ يَكونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِن رَمَضَانَ، فَما أسْتَطِيعُ أنْ أقْضِيَ إلَّا في شَعْبَانَ. قَالَ يَحيى بنُ سَعيدٍ الأنصاريُّ -أحدُ رُواةِ الحديثِ-: الشُّغْلُ مِنَ النبيِّ أوْ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ" رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
ومِن مظاهرِ التيسيرِ في عباداتِ رمضانَ: بساطةُ الطّعامِ المسنونِ الإفطارُ عليه، والسّحورُ كذلك منه، فقد سنّ لنا رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم الإفطارَ على التّمرِ وكذلك التَّسحُّرَ منه؛ عن أنسِ بنِ مالِكٍ قالَ: "كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يُفطِرُ علَى رُطَباتٍ قبلَ أن يصلِّيَ فإن لم تكن رُطَباتٌ فعلى تَمراتٍ فإن لم تَكُن حَسا حَسَواتٍ مِن ماءٍ" رواه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ واللفظ له، وصحّحَه الألبانيُّ. وعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قالَ قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلّم: "نِعمَ سحورُ المؤمنِ التَّمرُ" رواه أبو داودَ وصحَّحَه الألبانيُّ. فالتّمرُ، لا يحتاج لإعدادٍ وطبخٍ، ولا إلى جهدٍ وعناءٍ، وتناولُهُ سهلٌ، مُحبَّبٌ إلى المَعِدةِ، حلو المذاقِ، تتقبّلُه النَّفسُ على أغلب الأحوالِ، إضافةً إلى ما يتميّزُ به مِن كونه مكتملَ العناصرِ الغذائيةِ، وفيه فوائدُ عظيمةٌ؛ فهو أنسبُ ما يكونُ للإفطارِ بعدَ الصِّيامِ، وللسحورِ قبلَ الصّيامِ.
ومِن مظاهرِ التيسيرِ في عباداتِ رمضانَ: أنّ مَنْ أكلَ أو شَرِبَ ناسياً فإنَّ صومَه لا يَفْسُدُ، وعليه أنْ يكملَ بقيةَ نهارِهِ صائماً، عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه؛ قالَ قالَ رسول اللهِ صلى اللهُ عليه وسلّمَ: "من نسِي وهو صائمٌ فأكلَ وشَرِبَ فليتمَّ صومَه، فإنَّما أطعمَهُ اللهُ وسَقَاهُ" رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ.
ومِن مظاهرِ التيسيرِ في عباداتِ رمضانَ: أنَّ أخذَ الدَّمِ اليَسيرِ لإجراءِ التحليلِ الطِّبيِّ لا يفسدُ الصيامَ، وهذا ما أفتى به جمهورُ علماءِ العصرِ؛ ومِنْ أخصِّهم ابنِ بازٍ وابنِ عثيمينَ رحمهما اللهُ، وكذلك إبرةُ الأنسولينَ لمرضى السُّكرِ؛ فإنها لا تفطّرُ؛ جاء في فتوى اللجنةِ الدّائمةِ للإفتاءِ قولُهم: (لا حرجَ عليكَ في أخذِ الإبرةِ المَذكورةِ نَهاراً للعلاجِ، ولا قَضاءَ عليكَ وإنْ تَيَسَّرَ أخذهُ ليلاً بدونِ مَشَقَّةٍ عليكَ فهوَ أوْلَى)
ومِنْ مظاهرِ التيسيرِ في عباداتِ رمضانَ: أنَّ مَنْ غلبَهُ القيئ فإنَّ صومَه صَحيحٌ لا يَفْسُدُ، وليسَ عليه قضاءٌ؛ عنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قالَ قالَ رسول اللهِ صلى اللهُ عليه وسلّمَ: "مَن ذرعَهُ قَيءٌ وَهوَ صائمٌ، فلَيسَ علَيهِ قضاءٌ، وإن استَقاءَ فليقضِ" رواهُ أهل السننِ الأربعِ، وصحّحه الألبانيُّ.
ومِنْ مظاهرِ التيسيرِ في عباداتِ رمضانَ: جوازُ تأخيرِ الاغتسالِ مِنَ الجنابةِ إلى بعدَ طلوعِ الفجرِ، عَنْ عائشةَ وأمِّ سلمَةَ رضيَ اللهُ عنهما: "أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وهو جُنُبٌ مِن أهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، ويَصُومُ" رواهُ البخاريُّ.
باركَ اللهُ لي ولكم بالكتابِ والسّنّةِ، ونفعنا بما صرّفَ فيهما مِنَ الآياتِ والحكمة.
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم إنّه كانَ غفَّارا.
الخطبةٌ الثّانية:
الحمدُ للهِ ذي الجلالِ والإكرامِ، المستَحقِّ للحمدِ على الأبدِ والدَّوامِ، وأشهدُ ألّا إله إلا اللهُ الملكُ العلّامُ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه؛ النّبيُّ الإمامُ، المُرسَلُ بالشريعةِ الخِتَامِ، صلى اللهُ وسلّمَ عليه وعلى آله وصحابتِه الكرامِ، وعلى التّابعينَ، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ البعثِ والقيامِ.
أمّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ: "ذَٰلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا"
معاشرَ المؤمنينَ: ومِنْ مظاهرِ التيسيرِ في عباداتِ رمضانَ: أنّ قيامَ رمضانَ سُنّةٌ مؤكّدةٌ، وليسَ فرضاً، وهذا مِنْ شَفَقَةِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلّمَ على أُمَّتِه، فَعنْ عائشَةَ رضيَ اللهُ عنها: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاَتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فصلى فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَصَلَّى فَصَلَّوْا بِصَلاَتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَىَّ مَكَانُكُمْ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا.
فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ". رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ.
ومِن مظاهرِ التيسيرِ في عباداتِ رمضانَ: أنَّ مَنْ قامَ في صلاةِ التّراويحِ والقيامِ مع الإمامِ حتى ينتهي مِنْ صلاتِه؛ كُتبَ له أجرُ قيامِ ليلةٍ كامِلةٍ؛ فعن أبي ذرٍّ الغفاريِّ رضيَ اللهُ عنه قالَ: " صُمنا معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فلم يصلِّ بنا حتَّى بقيَ سبعٌ منَ الشَّهرِ فقامَ بنا حتَّى ذَهَبَ ثلثُ اللَّيلِ ثمَّ لَم يقُم بنا في السَّادسةِ وقامَ بنا في الخامسَةِ حتَّى ذَهَبَ شطرُ اللَّيلِ فقُلنا لَه يا رسولَ اللَّهِ لَو نفَّلتَنا بقيَّةَ ليلتِنا هذهِ، فقالَ إنَّهُ من قامَ معَ الإمامِ حتَّى ينصرِفَ كُتِبَ لَه قيامُ ليلةٍ, ثمَّ لم يصلِّ بنا حتَّى بقيَ ثلاثٌ منَ الشَّهرِ وصلَّى بنا في الثَّالثةِ ودعى أهْلَهُ ونسائَهُ فقامَ بنا حتَّى تخوَّفنا الفَلاحَ قلتُ لَه وما الفلاحُ قالَ السُّحورُ" رواهُ الإمامُ أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ الأربعِ، وصحّحهُ الألبانيُّ.
ومِن مظاهرِ التيسيرِ في عباداتِ رمضانَ: أنّه صلى اللهُ عليه وسلّمَ؛ حدَّدَ لنا لياليَ مُعيّنةً معروفةً مَحصُورَةً يَسيرَةً لِإدراكِ لَيْلَةِ القدْرِ، التي يعدلُ فيها العَمَلُ؛ عَملَ ألفِ شهرٍ، عن عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها قالتْ: "كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ يُجاوِر في العَشْر الأواخِر من رمضانَ، ويقول: تَحرَّوا ليلةَ القَدْر في العَشْر الأواخِر من رمضانَ" رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ، فهذه عشرُ ليالٍ فقط مِنْ عددِ ليالي السنةِ الهجريةِ البالِغةِ ثلاثَمِائةٍ وأربعةً أو خمسةً وخمسينَ يوماً.
وبعدُ عبادَ اللهِ: هذه جُملةٌ مِنْ مظاهرِ تيسيرِ العباداتِ في رمضانَ، ليس فيها أصْرارٌ ولا أغلالٌ، بلْ يسرٌ وسماحَةٌ وتخفيفٌ؛ ألا فاتبعوا سنّةَ نبيكم تفلِحوا، واعملوا بها تسعدوا، واقتدوا به تربحوا، وامتثلوا قولَ ربِّكم: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"
هذا وصلّوا وسلّموا ....
المرفقات
1770928945_مَظاهرُ التيسيرِ في عباداتِ رمضانَ.docx