{مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} 14/ 11/ 1447ه
د عبدالعزيز التويجري
الخطبة الأولى: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} 14/ 11/ 1447ه
الحمد لله حمدا كثيرا يليق بجلالِ ذاتهِ، ويرتقى إلى كمالِ صفاتِه، ويُشيدُ بعظيمِ مننهِ ولطفهِ ونعمائه ..
لك الحمدُ يا ذا الجودِ والمجدِ والعلى ** تباركتَ تعطي من تشاءُ وتمنع
وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدهُ لا شريك له، أنَّهُ هُو البرُّ الرحيم، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آلهِ وأصحابهِ ومن سارَ على دربهِ إلى يومِ الدين .. أمَّا بعدُ: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
قالَ ربُّنا عز وجل:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}.
هذه هي الأشهرُ عندَ اللهِ بأسمائِها وترتيبِها وتفاضلِها، خصَ اللهُ منها أربعةَ أشهرٍ بمزيدٍ من التعظيمِ، وبينها النبيُّ r في حديثِ أبي بَكْرَةَ h، قالَ: خطبَ النَّبِيُّ r فقَالَ: «إن الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» متفقٌ عليه.
هذه الأشهرُ الحُرُمُ التي نحنُ في أولِ شهرٍ منها، يُعظَّمُ تحريمُ الاعتداءِ فيها، وظلمُ النفسِ والناسِ، أو عملُ المعاصي بها، وكلما كانت المجاهرةُ بها أظهرَ، كان الخطرُ أشدَّ، والخطبُ أدهى وأمَرَّ، وكلُّ أمةِ محمدٍ مُعافى، إلا المجاهرين.
المجاهرون قومٌ حُرِموا السترَ في الدنيا، والمعافاةَ في الآخرة.
عن سهلِ بنِ سعدٍ أنَّ رسولَ اللهِ rقال: «سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَمَسْخٌ»، قِيلَ: وَمَتَى ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَازِفُ وَالْقَيْنَاتُ، وَاسْتُحِلَّتِ الْخَمْرُ». رواه ابنُ ماجهَ والطبرانيُّ. والقيناتُ هم المغنون والمغنياتِ.
الأمةُ التي تَظهرُ فيها المنكراتُ، وتفشو وتُعلَن، تتعرَّضُ لهزّاتٍ عظيمةٍ، لا يعلمُ مداها إلا اللهُ.
والمعصيةُ إذا خَفِيَت، لا تضرُّ إلا صاحبَها، أمّا إذا أُعلِنَ بها، فإنها تضرُّ العامةَ، وكلُّ الأمةِ مُعافًى، إلا المجاهرين.
سألت أمُّ المؤمنين زينبُ بنتُ جحشٍ رسولَ اللهِ r قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ».
إذا تهاوَنَ الناسُ مع أهلِ المعاصي والمنكراتِ الفكريةِ والأخلاقيةِ، وفشا أمرُها، فلا يزالُ الخَبَثُ ينتشرُ، وتألَفُه النفوسُ، وتَتَربَّى عليه الأجيالُ، وحينئذٍ يَحيقُ بالقومِ أمرُ اللهِ، صالحِهم وطالحِهم.
أَنَأْمَنُ أن يَحِلَّ بنا انتقامٌ وفينا يَظهرُ الفسقُ والفجورُ؟
فإذا ما غَلَتِ الأسعارُ، فإنها لا تَقتصرُ على الفاسقين، وإذا ما اضطربَ الأمنُ، فإنه لا يَخصُّ الطالحين، وإذا استباحَ العدوُّ الحِمَى، فإنه لا يَستثني أحدًا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ h: يَاأَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَإِنَّا سَمِعْنَا النَّبِيَّ rيَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ».
وفي حديث جريرٍ: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا، ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا، إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ» أخرجَهُ أبو داودَ في سننِه.
قالَ ابنُ العربيِّ: والسكوتُ عن المنكرِ تُتعجَّلُ عقوبتُه في الدنيا، بنقصِ الأموالِ والأنفُسِ والثمراتِ، وركوبِ الذُّلِّ من الظَّلَمةِ على الخلقِ، فمَن أنكرَ بلسانِه، فهو مؤمنٌ، ومن أنكرَ بقلبِه، فهو مؤمنٌ، وليس وراءَ ذلكَ من الإيمانِ حبَّةُ خردلٍ. {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ}.
قيلَ لابنِ مسعودٍ :"مَن ميتُ الأحياءِ؟ قالَ: الذي لا يعرفُ معروفاً، ولا ينكرُ منكراً".
ومن كان بذنبِه عن الناسِ مستترًا، ولم يكن بالخطيئةِ مُستخفًّا، ولا هو لها مُحتقرًا، فحَرِيٌّ أن يُسلكَ في زُمرةِ المرحومين، وأن يُشملَ بالعفوِ من أرحمِ الراحمين، قالَ ابنُ عمرَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ وَالمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» أخرجَهُ البخاريُّ.
إن من أبشعِ صورِ المجاهرةِ أن تقامَ المعاصي على رؤوسِ الأشهادِ، «فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.
النُصح والنصيحةُ تبذلُ للولدِ والزوجةِ، والأخِ والقريبِ، والجارِ والصديق «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ».
"المؤمِنُ مرآةُ المؤمِنِ، والمؤمِنُ أخو المؤمن: يكُفُّ عليه ضَيْعَتَه، ويَحُوطُه مِن وَرائه" فمن لحظ على قريبٍ أو صديق تقصيرا في طاعة أو ضعفا في همة عمل طيب نافع للنفس والمجتمع فاليشد من أزره وليكن عونا له لا عليه . قال الخطابي: أن المؤمن يحكي لأخيه المؤمن جميع ما يراه منه، فإن كان حسنا، زيَّنه له ليزداد منه، وإن كان قبيحاً نبهه عليه لينتهي عنه، كما روي عن عمر رضي الله عنه: "رحم الله من أهدى الي عيوبي".
والمسلم الحصيف من يكن إيجابيا في محيطه بالمشاركة بعمل ينفع النفس أوالمجتمع، تذكيراً وتحفيزاً للقاعدين، وتشجيعاًوتعزيزاً للعاملين، وتقويماً وتوجيهاً للمتعثرين .«الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» متفق عليه.
استغفر الله لي ولكم وللمسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إني ربي رحيم ودود.
الخطبة الثانية .. الحمدلله ولي المؤمنين والصلاة والسلام على إمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد ..
مَن أرادَ الخيرَ والتوفيقَ، والحفظَ والسدادَ، فليُعظِّمْ حُرُماتِ الله {ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} وتعظيمُ حرماتِ اللهِ وحدودِه يكونُ بالقلوبِ والأعمالِ والابتعادِ من حماها، ومن أرتعَ قلبَه وعينَه فيها قادته للوقوعِ فِي الْحَرَامِ، «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ».
إن تعظيمَ شعائرِ اللهِ وحدودِهِ سمةُ المتقينَ {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}.
فعظِّموا شعائرَ ربِّكم، واحفَظوا بأنفُسِكم، وانصَحوا لمن حولَكم، واستَوصوا برعاياكم، ومَن تحت أيديكم خيرًا، واحفَظوا الأمانةَ، و{اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها} وخذوا بوصية ربكم {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}.
هاجِرْ إلى اللهِ، واحذرْ أن تُخادِعَهُ ** فاللهُ يرحمُ من يعصي ويَذَّكِرُ
لا تُشهِرِ الذنبَ، لا تَحضُرْ نَواديَهُ ** فاللهُ أغيرُ، والدنيا لها غَيْرُ
ربنا احفظ علينا ديننا وعقيدتنا وبلادنا وانسائنا .. ربنا هب لنا من أزواجنا ورياتنا قرة أعين .. اللهم احفظنا وذرياتنا من من كل سوء ومكروه ...
اللهم امنا في دورنا واصلح ولاة امورنا وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة واجعلهم نصرة لهذا الدين واهله.. اللهم انصر المرابطين على حدود بلادنا ..
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد ...
2
المرفقات
1777559010_{مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}.docx
1777559010_{مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}.pdf