مواعظ وأحكام الشتاء (مختصرة + مشكولة)
صالح عبد الرحمن
خطبة عن مواعظ وأحكام الشتاء 6-7-1447هـ (مختصرة + مشكولة)
الخطبة الأولى:
الحمد لله تفرد بالبقاء، واستأثر بالملكوت سلطاناً وقهرا، وخلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهرا، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة سراً وجهرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل جزاءَ عباده الموحدين جناتٍ ونهرا، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خيرُ الخليقةِ وأوفاهم عفافاً وطُهرا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد: (آية التقوى)…
فَإنَّ المُؤمِنَ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ فِكرَةٌ، وَفِي كُلِّ حَدَثٍ عِبرَةٌ، وَمِن ذَلِكَ مَا يَرى مِن تَقَلُّبِ الفُصُولِ والأَيَامِ، فَمِنْ حَرَارةٍ تَشوي الوُجُوهَ إلى بَردٍ يَكسِرُ العِظَامَ، وَصَدَقَ اللهُ تَعالى: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ)، فَصلُ الشِّتَاءِ، مَوسِمٌ مَليءٌ بِالمَواعظِ وطَاعَاتِ الأَتقِياءِ.
مِن طَاعَاتِ الشِّتَاءِ: النَّهَارُ فِيهِ قَصيرٌ، والصَّومُ فِيهِ يَسيرٌ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ: (الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ)، ويَكَونُ اللَّيلُ فِيهِ طَويلا، ولِلصَّالِحينَ فِيهِ قِيامٌ وتَرتيلٌ، بَكَى مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عِندَ مَوتِهِ وَقَالَ: (إنَّما أبْكي عَلَى ظَمَإ الهَوَاجِرِ، وَقِيَامِ لَيلِ الشِّتَاءِ)، وهَكَذَا كَانُوا في الشِّتَاءِ مَا بَينَ صِيَامٍ وقِيَامٍ، وكَانُوا يَستَقبِلُونَهُ بِالفَرحِ والتَّرحِيبِ والإكرَامِ، يَقُولُ ابنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: (مَرحَباً بِالشِّتَاءِ؛ تَنْزِلُ فيهِ البَرَكَةُ، وَيَطولُ فِيهِ اللَّيلُ لِلقِيَامِ، وَيَقْصُرُ فِيهِ النَّهَارُ لِلصِّيَامِ).
مِن طَاعَاتِ الشِّتَاءِ: التي تُرفعُ بِهِا الدَّرَجَاتُ، وتُمحَى فِيهِا الخَطيئَاتُ، إتمَامُ الوُضوءِ مَع شِدَّةِ بُرودةِ الأجواء، وَكَثَافَةِ وضِيقِ مَلابِسِ الشِّتَاءِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟)، قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ).
ومِن الأَحَكَامِ التي يَحتَاجُهَا كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي الشِّتَاءِ، لِكَثرَةِ ارتِدَاءِ الجَواربِ، هُو مَعرِفَةُ شُرُوطِ المَسحِ عَليهَا في الطَّهَارةِ، وهَيَ: أَن يَلبَسهُمَا بَعدَ طَهَارةِ وُضوُءٍ تَامَّةٍ، كَمَا فَعَلَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرادَ المُغِيرَةُ بنُ شُعبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَن يَنزِعَ خُفَّيهِ لِلوُضُوءِ، قَالَ: (دَعهُمَا فَإنِّي أَدْخَلتُهُمَا طَاهِرَتينِ)، فمسَحَ عَليهِمَا، وَأَن يَكونَ المَسحُ في الحَدَثِ الأَصغَرِ وَلَيسَ فِي الحَدَثِ الأَكبَرِ كَالجَنَابةِ، وَأَن يَكُونَ المَسحُ في المُدَةِ المُحَدَّدَةِ وهِيَ: يَومٌ وَليلةٌ لِلمُقيمِ، وثَلاثَةُ أَيَّامٍ لِلمُسَافِرِ، وأَن يَكونَ الجَورَبُ يُغطِي مَحلَ الفَرضِ، يَعني: مَكَانَ الغَسلِ فِي الوُضُوءِ، ولِذَلِكَ لا يَجوزُ المَسحُ عَلى الجَواربِ القَصيرةِ التي لا تُغطي الكَعبِينِ.
ومِن أَحَكَامِ الشِّتَاءِ فِي التَّعَاملِ مَعَ الرِّيحِ، هُو مَعرِفَةُ مَا وَرَدَ في الحَدِيثِ الصَّحيحِ، فَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ: (لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ، وَخَيْرِ مَا فِيهَا، وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ).
ومِن أَحَكَامِ الشِّتَاءِ الوِقَائيَّةِ بَإذنِ اللهِ مِن الحَريقِ، هُو إطفَاءُ النَّارِ قَبلَ النَّومِ لأَنَّهَا لَيسَتْ بِصَديقٍ، احْتَرَقَ بَيْتٌ بالمَدِينَةِ علَى أهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَحُدِّثَ بشَأْنِهِمُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ، فقَالَ: (إنَّ هذِه النَّارَ إنَّما هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فأطْفِئُوهَا عَنْكُمْ)، فَتَأَكَدُوا مِن إطفَائهَا وإخَراجِهَا مِن المَكانِ.
مِن مَواعِظِ الشِّتَاءِ التي يَغفَلُ عَنهَا الكَثيرُ، هُو تَذَكُّرُ ذَلِكَ النَّفَسَ مِن نَارِ السَّعِيرِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ: (اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ)، والزَّمهَرِيرُ هُوَ شِدَّةُ البَردِ.
بَاركَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العَظيمِ، ونفعني وإياكم بِسُنةِ النَّبيِّ الكَريمِ، وأَستغفرُ اللهَ لي ولكم ولِسَائرِ المُسلِمينَ فاستغفروهُ إنَّه هو الغفورُ الرَّحيمُ.
الخطبة الثانية:
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أَشرَفِ الأنبياءِ والمُرسلينَ وَعَلى آلهِ وَأَصحَابهِ والتابعينَ لهم بِإحسَانٍ إلى يَومِ الدِّينِ .. أَمَّا بَعدُ:
مِن مَواعِظِ الشِّتَاءِ التي تُنَادي قُلوبَ المُؤمِنينَ، هُو تَذكِيرُنَا بإخوَانِنَا الفُقَراءِ والمَسَاكِينِ، وَأَعظُمُ الصَّدَقَاتِ مَا كَانَ في شِدَّةِ الحَاجَةِ، قال ابن عثيمينٍ رحمه الله: ويستحب إستخراج الزكاة قبل وقتها إذا كان هناك حاجةٌ ماسة، فلا بأس بالإنسان أن يخرج من زكاته ملابس للفقراء، لما في ذلك من الحاجة الماسة ولو لم يحِلِ الحول.
وَفِي قَولِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، تَظهَرُ عَاطِفَةُ المُؤمنِ وَرَحمَتِهِ بِإخوانِهِ المؤمنينَ، فَإذا جَلَسَتَ أَنتَ وَأَبنَائك عَلى مَائدةِ الطعام في اللَّيلةِ البَارِدَةِ، قَد آوَاكُم بَيتٌ دَافئٌ، وفِراشٌ نَاعمٌ، فَتَذكَّرْ أنَّ لَكَ إخواناً يسكنون الخِيَامِ، لِبَاسُهم العَراءُ، ولِحافُهم السَّماءُ، مِنهُم مَن هُو بينِنَا لا نَفطنُ لهُ، فهم بينَ بردِ الشِّتاءِ والجُوع.
اللهمَّ يا حيُّ يا قيّومُ برحمتِك نَستغيثُ، ارحم إخوانَنا وأهلَنا من المسلمين في كلِّ مكانٍ، اللهمَّ اكشف عنهم البلاءَ، واجعل لهم مَخرجاً، اللهمَّ أطعمْ جائعَهم، وأمِّنْ خائفَهم، اللهمّ فَرِّجْ همَّهم، ويسِّرْ أمرَهم.