موسم الأرباح
الشيخ محمد الوجيه
1447/11/27 - 2026/05/14 23:40PM
الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ الذي جعَلَ الأيامَ دولاً، ورفعَ بعضَ الأزمنةِ على بعضٍ فضلاً ونوالاً، أحمدهُ سبحانهُ خصَّ هذه الأمةَ بمواسمَ للخيراتِ تَترا، وجعلَ فيها من النفحاتِ ما يشرحُ الصدرَ ويغفرُ الوزرا.
نَحمدهُ حمدَ مَن يعلمُ أنَّ العمرَ قصير، وأنَّ المآبَ إلى ربهِ القدير، فاستبقَ الخيراتِ في الأيامِ المعلومات. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، ربُّ العالمين، وإلهُ الأولين والآخرين، أقسمَ بالفجرِ وليالٍ عشرٍ تعظيماً لِقدرها، وتنبيهاً لعبادِهِ على علوِّ شأنِها.
وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولُهُ، خيرُ من صامَ وصلى، وأفضلُ من طافَ بالبيتِ ولبى، كانَ يجتهدُ في هذه العشرِ ما لا يجتهدُ في غيرها، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ الأطهار، وصحبهِ المهاجرين والأنصار، الذين ساروا على نهجهِ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار، وسلمَ تسليماً كثيراً.
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنَّ الدنيا فرصٌ سانحة، والموفقُ من اغتنمَ الساعاتِ الرابحة.
أيها المسلمون:
إنكم على أبوابِ أيامٍ قلائل، هي عند اللهِ أعظمُ الأيام، وفي ميزانِ الطاعاتِ ذروةُ السنام؛ إنها "عشرُ ذي الحجة". هذه الأيامُ التي اصطفاها اللهُ من بينِ شهورِ العام، وجعلها ميداناً للمنافسةِ في الطاعةِ والإكرام. يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2].
يقولُ الحافظُ ابنُ كثير -رحمه الله-: "الليالي العشرُ المرادُ بها عشرُ ذي الحجة، كما قالهُ ابنُ عباسٍ وابنُ الزبيرِ ومجاهدٌ وغيرُ واحدٍ من السلف". وما أقسمَ اللهُ بها إلا لِعظمها، فالكبيرُ لا يُقسمُ إلا بعظيم.
وإنَّ من بلاغةِ فضلِ هذه العشرِ أنَّ اللهَ سمّاها "الأيامَ المعلومات"، فقال سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28].
يقولُ الإمامُ القرطبي في تفسيره: "إنَّ هذه الأيامَ شُرِفت بوقوعِ الحجِّ فيها، وباجتماعِ أمهاتِ العبادةِ من صلاةٍ وصيامٍ وصدقةٍ وحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها". فكأنما هي مجمعُ الأنوار، ومصبُّ الرحماتِ على العبادِ الأبرار.
أيها المؤمنون:
تأملوا ما رواه البخاريُّ في صحيحهِ من حديثِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ" -يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ-، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ".
يقولُ الحافظُ ابنُ حجرٍ في "فتح الباري": "والذي يظهرُ أنَّ السببَ في امتيازِ عشرِ ذي الحجةِ لمكانِ اجتماعِ أمهاتِ العبادةِ فيها".
إنَّ هذا الحديثَ يسكبُ في قلبِ المؤمنِ شوقاً وحرقة؛ فكيف ينامُ عن فضيلةٍ غلبت الجهادَ في سبيلِ الله؟ وكيف يغفلُ عن ساعاتٍ هي أحبُّ الساعاتِ إلى خالقِ الأرضِ والسماوات؟
إنَّ شعارَ هذه العشرِ هو "الذكر"، وبخاصةٍ التكبيرُ والتحميدُ والتهليل. فقد جاء في مسند الإمام أحمد قوله ﷺ: "فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ".
يقولُ الإمامُ النوويُّ -رحمه الله-: "يُستحبُّ الإكثارُ من الأذكارِ في هذه العشرِ زيادةً على غيرها، ويُستحبُّ من ذلك في يومِ عرفةَ أكثرُ من باقي العشر". فاملؤوا بيوتكم بتكبيرِ الله، وعطروا أفواهكم بالثناءِ عليه، فإنما يُرفعُ العبدُ عند ربهِ بذكرهِ له.
ومن أعظمِ القرباتِ في هذه العشر: "صيامُ يومِ عرفة" لغيرِ الحاج، وهو اليومُ المشهود، الذي يباهي اللهُ فيه ملائكتَهُ بأهلِ الموقف. يقولُ النبيُّ ﷺ عن صيامِهِ: "أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ"(رواه مسلم).
يقولُ العلماء: "يا له من فضلٍ عظيم، عملُ يومٍ واحدٍ يُكفّرُ ذنوبَ عامين!". فبادروا -رحمكم الله- إلى هذا الخيرِ العميم، ولا يحرمَنَّ أحدُكم نفسهَ من نفحاتِ الكريم.
عباد الله، إنَّ عشرَ ذي الحجةِ هي "خاتمةُ الموسم"، والفرصةُ الأخيرةُ لمن فاتهُ ركبُ المحسنين في رمضان. يقولُ الإمامُ ابنُ رجبٍ الحنبلي في "لطائف المعارف": "لما كان اللهُ سبحانه قد وضع في نفوسِ المؤمنين حنيناً إلى بيته الحرام، وليس كلُّ أحدٍ قادراً على المشاهدةِ في كل عام، فرض على المستطيعِ الحجَّ مرةً في العمر، وجعل موسمَ العشرِ مشتركاً بين السائرين والمقيمين".
فمن فاتهُ الوقوفُ بعرفة، فلا يفتهُ الوقوفُ عند حدودِ اللهِ في بيته. ومن فاتهُ الطوافُ بالبيت، فلا يفتهُ ذكرُ ربِّ البيت. ومن فاتهُ ذبحُ الهديِ بمنى، فليذبحْ هديَهُ وأضحيتَهُ في بلدهِ تقرباً إلى الله.
إنَّ الأضحيةَ سنةُ أبيكم إبراهيم، ومؤكدةُ نبيكم محمد ﷺ، وهي من أحبِّ الأعمالِ إلى اللهِ يومَ النحر. يقول ﷺ: "مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ" (رواه الترمذي). فاستشعروا فيها الإخلاص، وطيبوا بها نفساً، واعلموا أنَّ اللهَ يقول: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37].
أيها المؤمنون:
تذكروا أنَّ هذه الأيامَ تمرُّ مرَّ السحاب، والسعيدُ من ملأها بصالحِ العمل، من صدقةٍ وصلةِ رحمٍ وبرٍّ بالوالدين وتوبةٍ نصوح. لا تجعلوا هذه العشرَ كغيرها من الأيام، بل ميزوها بالجدِّ والاجتهاد.
وكما قال الشاعر في الحثِّ على اغتنامِ مواسمِ الفضل:
إِذا هَبَّت رياحُكَ فَاِغتَنِمها ... فَإِنَّ لِكُلِّ خافِقَةٍ سُكونُ
وَلا تَغفَل عَنِ الإِحسانِ فيها ... فَما تَدري مَتى يَكونُ المَنونُ
اللهم بَلغنا عشرَ ذي الحجة، ووفقنا فيها لصالحِ الأعمال. اللهم اجعلنا فيها من الذاكرين الشاكرين، ومن المقبولين الفائزين. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وتولَّ أمرنا. اللهم ارزقنا حجةً مبرورة، أو سعيًا مشكورًا، أو عملاً متقبلاً يرفعنا عندك درجات.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها.
أيها المسلمون:
تأملوا بقلوب واعية قول نبيكم صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام"؛ إن هذا الحديث ليس مجرد إخبار بفضل، بل هو نداء استنهاض للهمم الراكدة. فقوله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام"، صيغة عموم واستغراق، تنفي أن يكون في دوران الفلك كله أيام تضاهي هذه العشر في منزلتها عند الله، حتى أيام رمضان في نهارها لا تبلغ مبلغ هذه العشر، وهذا من أسرار التفضيل الإلهي الذي يحير العقول.
يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- في لطائف المعارف: "لما كان الله سبحانه قد جعل في قلوب المؤمنين حنيناً إلى بيته الحرام، وليس كل أحد قادراً على وفادة بيته في كل عام، جعل موسم العشر مشتركاً بين السائرين والمقيمين". فمن عجز عن الطواف بالبيت لصرف عاذر، فليطف بقلبه حول عرش الرحمن بالذكر والتكبير، ومن حرم الوقوف بعرفة، فلا يحرمن الوقوف عند حدود الله بالتعظيم والتوقير.
عباد الله:
إن عظمة هذا الحديث تظهر في قول الصحابة مستغربين: "ولا الجهاد في سبيل الله؟"؛ فقد كان المستقر في نفوسهم أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، ولا يعدله شيء، فأجابهم صلى الله عليه وسلم بما يبهر الألباب: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء".
وذلك إن العمل المفضول (كالتسبيح والصدقة في العشر) قد يسبق العمل الفاضل (كالجهاد) إذا وقع في زمان شريف؛ فدرهم في هذه العشر قد يزن عند الله قناطير في غيرها، وركعة في سحرها تفتح من أبواب القبول ما لا تفتحه الشهور الطوال.
يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "إن الله فضل هذه العشر لاجتماع أمهات العبادة فيها؛ ففيها الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها من الأيام". فهي مجمع الطاعات، ومصب الرحمات، وكأنما أراد الله أن يختم عام الطاعات بهذا الموسم العظيم، ليكون جابراً لما نقص، ومتمماً لما فتر من العزائم.
فيا من فرطت في رمضان، دونك عشر ذي الحجة قد أقبلت؛ أقبلت لتمسح غبار الغفلة، ولتجدد عهد الإنابة. فاستكثروا فيها من التكبير والتهليل، وأروا الله من أنفسكم خيراً؛ فالسعيد من اغتنم الساعات، والشقي من غفل عن هذه النسمات حتى فات.
اللهم بارك لنا في أوقاتنا، ووفقنا لاغتنام هذه العشر الصالحة. اللهم اجعلنا فيها من المسابقين إلى رضوانك، والفاعلين لمرضاتك. اللهم تقبل منا ومن المسلمين صالح الأعمال، واجعلنا من عتقائك من النار في يوم عرفة العظيم.
(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
أقيموا الصلاة.
المرفقات
1778791168_موسم الأرباح.docx
1778791200_DOC-20260514-WA0101..pdf