نِداءُ الحَجِّ

د. منصور الصقعوب
1447/11/26 - 2026/05/13 02:37AM

نِداءُ الحَجِّ

الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً كَثيراً طَيِّباً كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرْضى، والشُّكْرُ لَهُ عَلى ما أَوْلى مِنْ نِعَمٍ وأَسْدى، الإِلَهُ الَّذي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، والسِّرُّ عِنْدَهُ عَلانِيَةٌ، وهُوَ عالِمُ السِّرِّ والنَّجْوى.

وأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، شَهادَةً نَسْتَجْلِبُ بِها نِعَمَهُ، ونَسْتَدْفِعُ بِها نِقَمَهُ، ونَدَّخِرُها عِنْدَهُ.

وأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وصَفِيُّهُ وخَليلُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وأَصْحابِهِ، نُجُومِ الهُدى، ومَنْ سارَ عَلى نَهْجِهِم واقْتَفى إِلى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: هُناكَ وعَلى ثَرى مَكَّةَ، مَشْهَدٌ تَراهُ كُلَّ عامٍ، أَقْوامٌ قَدِمُوا مِنْ أَقاصِي الأَرْضِ ومِنْ شَتَّى نَواحِيها، بَذَلُوا لِبُلُوغِ الحَجِّ كُلَّ سَبَبٍ، وأَرْخَصُوا لِبُلُوغِ البَيْتِ كُلَّ مالٍ.

تَراهُم وقَدْ وَهَنَتْ عِظامُهُم، وتَقَدَّمَتْ أَعْمارُهُم، واحْدَوْدَبَتْ ظُهُورُهُم، يَتَقَلَّبُونَ بَيْنَ المَشاعِرِ المُقَدَّسَةِ، والأَرْضُ ــ مِنَ الفَرَحِ ــ لا تَحْمِلُهُم. فَإِذا عايَنُوا الكَعْبَةَ ذَرَفَتْ عُيُونُهُم، وإِذا أَدْرَكُوا الحَجَّ في البِقاعِ رَفْرَفَتْ مِنَ الأُنْسِ نُفُوسُهُم. وكَيْفَ لا يَفْرَحُونَ وقَدْ بَلَغُوا ما أَرادُوا، وحَقَّقُوا ما أَمَّلُوا، وأَتَوْا لِأَداءِ فَريضَةِ الحَجِّ الَّتي كانُوا مِنْ نُعُومَةِ أَظْفارِهِم يَتَشَوَّقُونَ إِلَيْها.

وقَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْناً مِنَ الزَّمَنِ، وفي ميقاتِ ذي الحُلَيْفَةِ، والنَّبِيُّ ﷺ يَتَأَهَّبُ لِلرَّحيلِ لِرِحْلَةِ الحَجِّ الخالِدَةِ، والسَّفَرِ الَّذي سَيَبْلُغُ مَعَهُ فيهِمُ المَشَقَّةَ، حينَها تَلِدُ أَسْماءُ زَوْجَةُ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ في الميقاتِ، ثُمَّ لَمْ يَرُدَّها ذَلِكَ عَنِ الحَجِّ، فَتَأْخُذُ أُهْبَتَها وتَرْتَحِلُ مَعَ الجُمُوعِ وهِيَ وبَعْدُ في دَمِها.

تَذَكَّرْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ المَشْهَدَيْنِ أَقْواماً صَحيحَةً أَبْدانُهُم، قَوِيَّةً قُواهُم، لَكِنْ أَقْعَدَهُمُ الكَسَلُ، ورَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ عَنِ الحَجِّ.

إِذا جاءَ ذِكْرُ الشَّعيرَةِ والفَريضَةِ، تَعَلَّلُوا بِأَعْذارٍ واهِيَةٍ مِنْ غَلاءِ الأَسْعارِ وبُعْدِ الدِّيارِ، ووَقَعُوا في شَرَكِ التَّسْويفِ، مُعَلِّلينَ أَنْفُسَهُم بِالحَجِّ إِذا تَيَسَّرَتِ الأُمُورُ، وتَناسَوْا أَنَّ الأَعْمارَ لَيْسَتْ بِأَيْديهِم، وأَنَّ الصَّوارِفَ تَزْدادُ ولا تَنْقُصُ.

هِمَّتُهُم تَقْوى وعَزيمَتُهُم تَنْشَطُ حينَ تَكُونُ الرِّحْلَةُ إِلى الصَّحاري ولَوْ بَعُدَتْ، وإِلى الدِّيارِ ولَوْ نَأَتْ، فَإِذا جاءَ ذِكْرُ الحَجِّ تَعَذَّرُوا وتَلَكَّأُوا، وأَبْدَعُوا في التَّنْظيرِ عَنِ المُعَوِّقاتِ، وأَنَّ الحَجَّ لِمَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً، وهَذا واللَّهِ حِرْمانٌ.

يا مُوَفَّقُ: الحَجُّ فَريضَةُ الدِّينِ ورُكْنُ الإِسْلامِ، ومِنْهُ يَعُودُ الحاجُّ كَما وَلَدَتْهُ أُمُّهُ نَقِيّاً مِنَ الذُّنُوبِ إِذا قُبِلَ، ولَيْسَ لِلْحَجِّ إِذا كانَ مَبْرُوراً جَزاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ.

فَلِأَجْلِ الحَجِّ يَهُونُ البَذْلُ، فَهُوَ أَوْلى مِنْ سَفَراتِ السِّياحَةِ وكَمالِيّاتِ المُقْتَنَياتِ، وكُلُّ مالٍ يُبْذَلُ فيهِ يَرْجُو فيهِ باذِلُهُ العِوَضَ، فَهُوَ يَنْفِي الفَقْرَ والذُّنُوبَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَديدِ، قالَهُ ﷺ.

لِأَجْلِ كُلِّ هَذا فَنِداءٌ نُوَجِّهُهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ لَمْ يُؤَدِّ فَريضَةَ الحَجِّ أَنْ بادِرْ إِنْ كُنْتَ قادِراً، فَالعَوارِضُ تَعْرِضُ، والعُمْرُ يَمْضي، والمَرْءُ إِنْ قَدَرَ اليَوْمَ فَلا يَدْري هَلْ يَقْدِرُ بَعْدَهُ أَمْ لا.

وغَبْنٌ أَنْ يُسافِرَ المَرْءُ لِكُلِّ مَكانٍ، ولا يُسافِرَ لِلْحَجِّ، وفي الخَبَرِ عَنْهُ ﷺ: «مَنْ أَرادَ الحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ المَريضُ، وتَضِلُّ الضّالَّةُ، وتَعْرِضُ الحاجَةُ».

هَذا النِّداءُ يُوَجَّهُ أَوَّلاً لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ فَرْضَهُ، لِكَيْ يُكْمِلَ دينَهُ، ويُوَجَّهُ ثانِياً لِمَنْ حَجَّ فَرْضَهُ كَذَلِكَ، وقَدَرَ أَنْ يُكَرِّرَ هَذِهِ الرِّحْلَةَ، فَيَكُونَ مَعَ المُلَبِّينَ، فَالخَيْراتُ تُنالُ، والكَرامَةُ تَحْصُلُ، لِمَنْ أَدْرَكَ الحَجَّ نَفْلاً وفَرْضاً.

لَكِنَّهُ إِذا كانَ لَمْ يَتَيَسَّرْ لِلْمَرْءِ تَصْريحٌ لِلْحَجِّ، وسَيَتَرَتَّبُ عَلى حَجِّهِ مُخالَفَةٌ لِأَمْرٍ، وارْتِكابٌ لِمَحْظُورٍ، فَما عِنْدَ اللَّهِ لا يُنالُ بِمَعْصِيَتِهِ، وحَجُّ النَّفْلِ لا يَجْعَلُ المَرْءَ يَرْتَكِبُ المَحْظُورَ لِأَجْلِهِ، والواجِبُ عَلى مَنْ يَلْتَمِسُ رِضا اللَّهِ أَنْ يَمْتَثِلَ لِلْأَمْرِ، ويُطيعَ وَلِيَّ الأَمْرِ، في هَذا الأَمْرِ الَّذي قُرِّرَ لِمَصْلَحَةِ الحَجيجِ.

نَعَمْ، رُبَّما تاقَتِ النَّفْسُ لِلْحَجِّ، ولَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ مَعَ كَثْرَةِ النّاسِ وتَيَسُّرِ سُبُلِ الوُصُولِ اليَوْمَ لِمَكَّةَ أَنْ يَحُجَّ الجَميعُ، فَلِأَماكِنِ المَشاعِرِ طاقَةٌ اسْتيعابِيَّةٌ، وإِنَّ مِنَ الرِّفْقِ بِجَميعِ الحُجّاجِ، أَنْ لا يَحُجَّ إِلَّا مَنْ أُذِنَ لَهُ، لِيَسْتَقيمَ الأَمْرُ عَلى ما رُسِمَ لَهُ، وهَذا مِنَ الأُمُورِ الَّتي يَتَوَلَّى وَلِيُّ الأَمْرِ فيها النَّظَرَ لِمَصْلَحَةِ العامَّةِ لا لِأَفْرادِ النّاسِ.

ومَنْ بَقِيَ مُراعِياً ذَلِكَ بِرَغْمِ أَنَّ نَفْسَهُ تَتُوقُ لِلْحَجِّ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ صِدْقَ العَزْمِ، وقُوَّةَ الرَّغْبَةِ، فَيُرْجى لَهُ أَنْ يَنالَ أَجْرَ حَجَّةٍ، وهُوَ في بَلَدِهِ، وفَضْلُ اللَّهِ واسِعٌ. وفي هَذا قالَ ابْنُ بازٍ ـ رَحِمَهُ اللَّهُ ـ: «إِذا أَمْكَنَ تَرْكُ الاسْتِكْثارِ مِنَ الحَجِّ لِقَصْدِ التَّوْسِعَةِ عَلى الحُجّاجِ وتَخْفيفِ الزِّحامِ عَنْهُم، فَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَجْرُهُ في التَّرْكِ أَعْظَمَ مِنْ أَجْرِهِ في الحَجِّ إِذا كانَ تَرْكُهُ لَهُ بِسَبَبِ هَذا القَصْدِ الطَّيِّبِ».

يا كِرامُ: ومِنْ رَحْمَةِ الرَّحيمِ أَنْ قالَ في الحَجِّ بِذاتِهِ: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً﴾، والشَّريعَةُ تُقَرِّرُ هَذا الأَصْلَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها﴾. فَرَبُّنا سُبْحانَهُ إِذا شَقَّ التَّكْليفُ يَسَّرَهُ، وإِذا ضَعُفَ المُكَلَّفُ عَنِ العِبادَةِ عَذَرَهُ، ومِنْ رَحْمَةِ الرَّحيمِ أَنَّ الأُجُورَ تُكْتَبُ لِمَنْ بَقِيَ مَعْذُوراً وكَأَنَّهُ بَيْنَ الحَجيجِ مُلَبِّياً، وفي الصَّحيحِ: «إِذا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ مُقيماً صَحيحاً»، و«إِنَّ بِالمَدينَةِ رِجالاً ما سِرْتُمْ وادِياً إِلَّا وهُم مَعَكُم، حَبَسَهُمُ العُذْرُ»، وكَذا كُلُّ عُذْرٍ يَحُولُ بَيْنَ العامِلِ والعَمَلِ، فَضْلاً مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ.

عِبادَ اللَّهِ: ورِحْلَةُ الحَجِّ رِحْلَةُ عِبادَةٍ، والعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلى اللَّهِ بِالامْتِثالِ، ومِنَ الامْتِثالِ الامْتِثالُ لِتَعْليماتِ تَنْظيمِ الحَجِّ، لِأَنَّ في ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْجَميعِ، ورِفْقاً بِهِم، ولَرُبَّما كانَ في مُخالَفَةِ ذَلِكَ تَعْريضٌ لِلنَّفْسِ ورُبَّما الحَجيجِ مَعَهُ لِلْعَنَتِ ورُبَّما الهَلَكَةِ. فَلِكَيْ يَتَيَسَّرَ حَجُّكَ، امْتَثِلْ أَمْرَ رَبِّكَ أَوَّلاً في أَدائِهِ عَلى السُّنَّةِ، ثُمَّ امْتَثِلِ التَّوْجيهاتِ لِكَيْ تَرْفُقَ بِنَفْسِكَ وبِغَيْرِكَ.

وفي هَذا الصَّدَدِ، فَمِمَّا يُذْكَرُ فَيُشْكَرُ ما نَراهُ ويَسْلَمُهُ كُلُّ قاصِدٍ تِلْكَ البِقاعَ، مِنْ جُهُودٍ مَشْكُورَةٍ، في تَهْيِئَةِ المَشاعِرِ، وفي خِدْمَةِ الحَجيجِ، مِنْ جَميعِ الأَصْعِدَةِ. وذاكَ أَمْرٌ نَحْمَدُ اللَّهَ عَلَيْهِ، ثُمَّ نَدْعُو لِوُلاةِ أَمْرِنا عَلى هَذا الجُهْدِ، ونَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعينَهُم ويُسَدِّدَهُم، وأَنْ يَحْفَظَ الحَجيجَ ويَتَقَبَّلَ مِنْهُم.

وهَمْسَةٌ أَخيرَةٌ لِكُلِّ مَنْ عَزَمَ عَلى الحَجِّ: أَنْ لا تَنْسَى الأَخْذَ بِالأَسْبابِ الصِّحِّيَّةِ والوِقائِيَّةِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى النَّفْسِ، وأَنْ تَجْتَنِبَ في مَوْسِمِ الحَجِّ التَّعَرُّضَ المُباشِرَ لِلشَّمْسِ رِفْقاً بِنَفْسِكَ.

وهُناكَ، وفي تِلْكَ المَشاعِرِ والبِقاعِ، لِيَكُنْ رائِدُ الحاجِّ السَّكينَةَ والرِّفْقَ، والتَّحَلِّيَ بِالصَّبْرِ والحِلْمِ، والخُلُقِ الحَسَنِ، فَمَواطِنُ الحَجِّ تَحْتاجُ لِذَلِكَ، كَيْ لا يَذْهَبَ الأَجْرُ بِالغِلْظَةِ والخِصامِ، ولِذا أَكَّدَ عَلَيْها نَبِيُّنا عَلَيْهِ السَّلامُ هُناكَ، فَكَرَّرَ: «أَيُّها النَّاسُ، السَّكينَةَ السَّكينَةَ».

ولْيَكُنْ لِسانُكَ لَهِجاً بِالذِّكْرِ والقُرْآنِ، ووَقْتُكَ مَعْمُورٌ بِالتَّعَبُّدِ لِلرَّحْمَنِ، والبُعْدِ عَنْ كُلِّ ما يُكَدِّرُ صَفْوَ حَجِّكَ، ويَنْقُصُ أَجْرَكَ مِنَ الفُسُوقِ والعِصْيانِ، فَهَذِهِ رِحْلَةُ العُمْرِ، ولَعَلَّكَ تَعُودُ مِنْها كَما وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، فَمَنْ حَجَّ ولَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلى مُحَمَّدٍ.

المرفقات

1778629031_نِداءُ الحَجِّ.pdf

المشاهدات 167 | التعليقات 0