نعمة الأمن والطمأنينة | شكرها وكيفية المحافظة عليها.
أسامة بن سعود عبد الله التميمي
1447/09/16 - 2026/03/05 22:49PM
نعمة الأمن والطمأنينة | شكرها وكيفية المحافظة عليها.
الخُطْبَةُ الأُولَى
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ الْقَدِيرِ، الْحَكِيمِ الْخَبِيرِ، الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَبِفَضْلِهِ تُدْرَكُ الْغَايَاتُ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأُثْنِي عَلَيْهِ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الْأَمْنَ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ، وَأَعْظَمِ الْمِنَنِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ مَا تُحْفَظُ بِهِ النِّعَمُ شُكْرُ اللَّهِ عَلَيْهَا، وَأَعْظَمَ مَا تُصَانُ بِهِ الْمُجْتَمَعَاتُ تَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، نِعْمَةً لَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا إِلَّا مَنْ فَقَدَهَا، وَلَا يَشْعُرُ بِعَظِيمِ أَثَرِهَا إِلَّا مَنْ عَاشَ فِي اضْطِرَابٍ وَخَوْفٍ.
فَبِالْأَمْنِ تُقَامُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَتُفْتَحُ الْمَدَارِسُ، وَتُحْفَظُ الْبُيُوتُ، وَتَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ، وَتَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ.
وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾
وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
فَشُكْرُ هَذِهِ النِّعْمَةِ وَاجِبٌ، وَحِفْظُهَا مَسْؤُولِيَّةٌ، وَصِيَانَتُهَا أَمَانَةٌ.
عِبَادَ اللَّهِ،
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُهَدِّدُ الْأَمْنَ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ نَشْرُ الشَّائِعَاتِ وَالْإِرْجَافِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالتَّسَرُّعُ فِي نَقْلِ الْأَخْبَارِ دُونَ تَثَبُّتٍ.
وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ:
«كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»
فَلَيْسَ كُلُّ مَا يُسْمَعُ يُقَالُ، وَلَا كُلُّ مَا يَصِلُ إِلَى الْهَاتِفِ يُنْشَرُ، وَلَا كُلُّ مَقْطَعٍ يُتَدَاوَلُ.
وَقَدْ أَرْشَدَنَا الْقُرْآنُ إِلَى الْمَنْهَجِ الصَّحِيحِ عِنْدَ وُقُوعِ الْأَحْدَاثِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾
بَلْ إِنَّ الْقُرْآنَ حَذَّرَ تَحْذِيرًا شَدِيدًا مِنَ الْمُرْجِفِينَ الَّذِينَ يُهَوِّلُونَ الْأَخْبَارَ وَيُشِيعُونَ الْخَوْفَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾
فَالْإِرْجَافُ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلَامٍ، بَلْ هُوَ إِفْسَادٌ لِلْأَمْنِ وَبَثٌّ لِلْخَوْفِ وَإِضْعَافٌ لِلْمُجْتَمَعِ.
عِبَادَ اللَّهِ،
وَمِنْ صُوَرِ ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا تَصْوِيرُ الْأَحْدَاثِ الْأَمْنِيَّةِ وَتَدَاوُلُ مَقَاطِعِهَا وَنَشْرُهَا؛ وَهَذَا قَدْ يُثِيرُ الْخَوْفَ بَيْنَ النَّاسِ، وَيُعَرِّضُ الْأَنْفُسَ وَالْمَصَالِحَ لِلْخَطَرِ، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ إِعَانَةٌ لِلْعَدُوِّ وَالْمُتَرَبِّصِينَ.
وَلِهَذَا فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ عُنْصُرَ طَمْأَنَةٍ لَا عُنْصُرَ فَزَعٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُصْلِحًا لَا مُرْجِفًا.
وَمِنْ شُكْرِ نِعْمَةِ الْأَمْنِ كَذَلِكَ التَّعَاوُنُ مَعَ رِجَالِ الْأَمْنِ، وَاتِّبَاعُ التَّعْلِيمَاتِ، وَالِابْتِعَادُ عَنْ مَوَاقِعِ الْأَحْدَاثِ، وَعَدَمُ التَّجَمْهُرِ أَوِ الْفُضُولِ؛ فَهَؤُلَاءِ الرِّجَالُ يَسْهَرُونَ لِحِفْظِ أَمْنِ الْبِلَادِ، وَيُعَرِّضُونَ أَنْفُسَهُمْ لِلْمَخَاطِرِ مِنْ أَجْلِ سَلَامَةِ الْمُجْتَمَعِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،
وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ ثَابِتَ الْقَلْبِ حَسَنَ الظَّنِّ بِرَبِّهِ، بَعِيدًا عَنِ التَّشَاؤُمِ وَالْمُبَالَغَاتِ فِي نَشْرِ الْخَوْفِ وَالذُّعْرِ.
فَلَيْسَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ نَشْرُ الْفَزَعِ بَيْنَ النَّاسِ، بَلْ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ، وَيَنْهَى عَنِ الطِّيَرَةِ وَالتَّشَاؤُمِ.
وَالْمُؤْمِنُ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْتَارُ لَهُ إِلَّا الْخَيْرَ، وَأَنَّ مَا يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِ كُلَّهُ خَيْرٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ»
فَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ.
فَلَا يَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ يَعِيشَ أَسِيرَ الْأَخْبَارِ وَالْقَلَقِ، بَلْ يَعِيشُ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رَبِّهِ، آخِذًا بِالْأَسْبَابِ، عَالِمًا أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ.
عِبَادَ اللَّهِ،
إِنَّ الِاشْتِغَالَ بِكُلِّ خَبَرٍ، وَالِانْشِغَالَ بِكُلِّ حَادِثَةٍ، وَإِضَاعَةَ الْأَوْقَاتِ فِي الْقِيلِ وَالْقَالِ، لَيْسَ مِنْ مَنْهَجِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»
فَاشْتَغِلُوا بِمَا يَنْفَعُكُمْ مِنْ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ، وَبِنَاءٍ لِأَنْفُسِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّ الدُّعَاءَ يَدْفَعُ الْبَلَاءَ وَيَجْلِبُ الْخَيْرَ وَيَحْفَظُ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَحْفَظُ اللَّهُ بِهِ الْمُجْتَمَعَاتِ اجْتِمَاعَ الْقُلُوبِ، وَوَحْدَةَ الصَّفِّ، وَالْوُقُوفَ خَلْفَ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَالتَّعَاوُنَ مَعَ الْجِهَاتِ الْمُخْتَصَّةِ فِي حِفْظِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ.
فَالْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ يَكُونُ عَوْنًا عَلَى الْخَيْرِ، عُنْصُرَ طَمْأَنَةٍ فِي مُجْتَمَعِهِ، بَعِيدًا عَنِ الشَّائِعَاتِ، بَعِيدًا عَنِ الْإِرْجَافِ، مَشْغُولًا بِمَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.
ثُمَّ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَأَفْضَلِ الطَّاعَاتِ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ؛ فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا الْمَمْلَكَةَ الْعَرَبِيَّةَ السُّعُودِيَّةَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ.
اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ قِيَادَتَنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَسَدِّدْهُمْ لِمَا فِيهِ صَلَاحُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ جُنُودَنَا وَرِجَالَ أَمْنِنَا، اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَهُمْ وَأَيِّدْهُمْ بِنَصْرِكَ، وَاجْعَلْهُمْ حِصْنًا لِهَذَا الْوَطَنِ.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيْهِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الشَّاكِرِينَ لِنِعَمِكَ، الْمُحَافِظِينَ عَلَى أَمْنِ بِلَادِنَا، الْعَامِلِينَ بِطَاعَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، وَادْفَعْ عَنْهُمُ الْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.